بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في السياسة، هناك رجال يدخلون من باب البرامج، وهناك رجال يدخلون من باب الكلمات. الأولون يضعون على الطاولة الأرقام والوقائع والبدائل، أما الآخرون فيملكون قدرة نادرة على تحويل المنبر إلى مسرح، والجملة إلى سهم، والنبرة إلى موجة تحمل الجمهور حيث يريد المتكلم. عبد الإله بنكيران ينتمي، بلا جدال، إلى الصنف الثاني. إنه من طينة الخطباء الذين لا يقولون الكلام فقط، بل يصنعون له حضورا، ويمنحونه ملامح وشخصية وذاكرة، حتى يصبح المستمع بعد نهاية الخطاب غير متأكد مما إذا كان قد سمع برنامجا سياسيا أم شاهد عرضا بليغا.ة وهذه موهبة لا ينبغي إنكارها. لكن الموهبة نفسها قد تتحول إلى مأزق حين تصبح البلاغة بديلا عن البرهان، وحين يطلب الخطيب من الكلام أن يقوم مقام الفعل، ومن الذاكرة أن تقوم مقام الحجة، ومن التصفيق أن يقوم مقام الاقتناع.
ولعل هنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل في ظاهرة بنكيران، خصوصا ونحن نقترب من استحقاقات انتخابية لا يكفي فيها أن يكون السياسي مقنعا، بل يجب أن يكون قابلا للمساءلة. لقد كان في التراث العربي نموذج للخطيب الذي عرف كيف يجعل اللغة فرسا جامحا يمتطيه الجمهور قبل أن يسأل إلى أين يتجه. الجاحظ، وهو الذي خبر طبائع الكلام وأحوال المتكلمين، كان يدرك أن البيان ليس بريئا دائما؛ فقد يفتح للعقل نافذة، وقد يضع على الحقيقة ستارة من الحرير. والبلاغة في يد السياسي قد تكون مصباحا، لكنها قد تصبح أيضا دخانا كثيفا إذا لم تسندها الوقائع. ومن هنا يمكن النظر إلى بنكيران لا بوصفه مجرد رجل سياسي، بل بوصفه ظاهرة خطابية كاملة. فهو يمتلك قدرة استثنائية على الاقتراب من لغة الشارع، وعلى استدعاء الذاكرة اليومية، وعلى تحويل السياسة إلى حكاية يفهمها الجميع. يضحك حين يريد، يغضب حين يريد، يستحضر الماضي حين يخدم الحاضر، ويضع نفسه أحيانا في صورة الرجل البسيط الذي يقول ما يفكر فيه الناس ولا يستطيعون قوله.
غير أن السياسة الحديثة ليست بقدرة السياسي على قول ما يشعر به الناس. إنها بقدرته على تحويل ذلك الشعور إلى سياسة عامة. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي. فمن السهل أن تقول للمواطن إن الحياة صعبة، وإن الأسعار مرتفعة، وإن الفساد موجود، وإن الحكومات أخطأت، وإن خصومك لا يفهمون الشعب. لكن الصعوبة تبدأ عندما يسألك المواطن السؤال الذي لا يملك البلاغة جوابا جاهزا عنه: ماذا ستفعل غدا؟ عندها ينتهي زمن المنبر ويبدأ زمن الدولة. والدولة ليست ميكروفونا. الدولة ميزانية. ومؤسسات. وقوانين. ومصالح متعارضة. وهوامش ضيقة للمناورة. وقرارات قد تكون مؤلمة حتى عندما تكون ضرورية. لهذا فإن الخطيب البليغ يواجه دائما خطرا خفيا: أن تصبح قوته في الكلام هي نقطة ضعفه في الحكم. لأن من اعتاد أن ينتصر بالعبارة قد يجد نفسه في مواجهة واقع لا يهزم بالعبارة. وهنا يحضر المثل الشعبي من مكانه البعيد، بثيابه البسيطة وحكمته التي لا تحتاج إلى جامعة: «الهدرة ما كتخلصش الكرا». أي أن الكلام مهما كان جميلا لا يدفع ثمن الواقع.
وأمّي خيرة، وهي شخصية متخيلة نضعها هنا في مقام الحكمة الشعبية، قد تكون أكثر صرامة من كل المحللين. كانت ستجلس في آخر المجلس، تستمع إلى الخطيب وهو يقلب الجمل كما يقلب الصائغ الذهب، ثم تقول بهدوء: «أبنتي، زوين الكلام، ولكن فين هو الحساب؟» ثم تعود إلى صمتها. ذلك السؤال البسيط قد يكون أعمق من سجالات طويلة. لأن الانتخابات لا تختار أكثر الناس قدرة على الكلام، بل تمنح فرصة لإدارة شؤون الناس. وهنا يصبح التناقض بين الخطاب والفعل هو القضية المركزية. ليس المقصود أن كل سياسي يخطئ في خطابه منافق، ولا أن كل تغيير في الموقف خيانة للماضي. السياسة مجال معقد، والظروف تتغير، والحكومات تضطر إلى التسويات، والواقع يجبر أحيانا أكثر المتحمسين على مراجعة شعاراتهم. لكن هناك فرقا بين مراجعة الموقف وبين نسيان الموقف السابق. الأولى شجاعة. والثانية مراوغة. السياسي الناضج يقول: تغيرت الظروف، ولذلك غيرت موقفي. أما السياسي الذي يخشى ذاكرته، فيتصرف كأن الماضي لم يكن موجودا. وهنا يصبح المواطن أكثر ذكاء مما يظن السياسيون. فالمواطن قد ينسى جملة، لكنه لا ينسى فاتورة. قد ينسى خطابا انتخابيا، لكنه لا ينسى راتبه. قد ينسى الوعد، لكنه لا ينسى المستشفى الذي لم يجد فيه سريرا، والمدرسة التي لم يجد فيها ابنه تعليما جيدا، والإدارة التي أضاع فيها يوما كاملا.
السياسة تسكن التفاصيل. وهناك يولد التناقض بين السياسي الذي يتكلم عن الشعب والسياسي الذي يستطيع فعلا أن يحسن حياة الشعب. أما الديماغوجية، فهي لا تبدأ بالكذب الصريح دائما. أحيانا تبدأ بشيء أكثر ذكاء وخطورة: قول الحقيقة الناقصة. أن تختار من الواقع ما يخدم الرواية، وأن تترك الجزء الآخر في الظلام. أن ترفع الألم إلى مرتبة الشعار، من دون أن تقدم له علاجا. أن تجعل الخصم مسؤولا عن كل شيء، وأن تجعل نفسك بريئا من كل شيء. أن تقدم السياسة في صورة معركة أخلاقية بين ملائكة وشياطين. هذه هي الديماغوجية في صورتها الأكثر أناقة. ولذلك فإن وصف بعض الممارسات السياسية بالكافكوية قد يكون مفيدا من زاوية أخرى: ليس لأن السياسة أصبحت رواية عبثية فحسب، بل لأن المواطن قد يجد نفسه أحيانا داخل متاهة لغوية، يبحث عن الفاعل فلا يجده، وعن المسؤولية فتذوب، وعن الحقيقة فتتعدد لها الوجوه.
لكن المغرب ليس رواية عبثية. والمغاربة ليسوا جمهورا ينتظر نهاية الحكاية. إنهم مجتمع يعرف السياسة من خلال التجربة اليومية، ويملك ذاكرة لا بأس بها، ويستطيع أن يميز، ولو بعد حين، بين من يبيع له أملا وبين من يملك مشروعا. وهنا بالضبط ينبغي أن نتعامل مع بنكيران بجدية، لا بالسخرية منه ولا بتقديسه. الرجل سياسي مؤثر، وخطيب موهوب، وصاحب تجربة حكومية وحزبية، ومن حقه أن يعود إلى المشهد الانتخابي، ومن حق خصومه أن يسألوه عن حصيلة تجربته، ومن حق المواطنين أن يضعوا خطابه تحت المجهر. فالاحترام الحقيقي للسياسي لا يكون بمنحه حصانة من السؤال. بل بأن نطالبه بجواب. ماذا فعلتم عندما كنتم في الحكومة؟ ماذا تعلمتم من تجربتكم؟ ما الذي ستفعلونه بصورة مختلفة؟ ما هي حدود وعودكم؟ ما هو ثمن برنامجكم؟ ومن سيدفع هذا الثمن؟ وأين تنتهي الشعارات وتبدأ السياسات؟ هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خصومة أيديولوجية. إنها تحتاج إلى شجاعة مدنية.
ومن الخطأ أيضا أن تتحول الانتخابات إلى محاكمة أخلاقية لشخص واحد، لأن الديمقراطية لا تقوم على صناعة الأبطال ولا على صناعة الشياطين. السياسي ليس قديسا. وليس شيطانا. هو إنسان يمارس السلطة، والسلطة تحتاج إلى مراقبة. وقد يكون أكثر ما يضر السياسي هو أنصاره حين يحولونه إلى شخصية لا تخطئ. فالسياسي الذي يصدقه جمهوره في كل شيء يصبح مع الوقت أسيرا للجمهور نفسه، ويصبح الاعتراف بالخطأ عنده أشبه بانهيار صورة كاملة. وهنا يعود الجاحظ، لا كشخص حاضر في المشهد، وإنما كظل من ظلال التراث، ليذكرنا بأن البيان قوة حين يخدم المعنى، وخطر حين يبتلع المعنى. فليس كل ما يلمع ذهبا. وليس كل ما يهز القاعة يهز الواقع. وليس كل من استطاع أن يجعل الناس يضحكون أو يغضبون أو يصفقون قادرا على جعل الدولة تعمل. الأمّ خيرة ستقولها مرة أخرى، وربما هذه المرة بصوت أعلى: «اللي قال عندي الدوا، خليه يورينا كيفاش يبرا المريض». وهذا هو جوهر المسألة. المواطن المغربي لا يحتاج إلى سياسي يتقن وصف المرض فقط. لقد سمع وصف المرض بما يكفي. يريد طبيبا سياسيا يعرف ماذا يفعل، ويقول له بوضوح ما يستطيع وما لا يستطيع.
فالانتخابات المقبلة، أيا كان موعدها وأيا كانت خرائطها الحزبية، يجب أن تكون انتقالا من سياسة الانطباع إلى سياسة الحساب، ومن سحر الخطيب إلى امتحان رجل الدولة، ومن السؤال «من يتكلم أفضل؟» إلى السؤال الأهم: «من يملك مشروعا يمكن قياسه ومحاسبته؟» عندها فقط تصبح البلاغة فضيلة. لأن الكلام الجميل، حين يكون وراءه فعل جميل، يتحول إلى فن من فنون السياسة. أما حين لا يكون وراءه شيء، فإنه يصبح مجرد مرآة كبيرة يرى فيها الخطيب نفسه أكثر مما يرى الوطن. وفي آخر المطاف، قد لا يكون التحدي الحقيقي أمام بنكيران هو خصومه. قد يكون التحدي أمامه هو بنكيران نفسه: الرجل الذي صنعته الكلمة، ثم صار مطالبا بأن يثبت أن الكلمة تستطيع أن تعيش خارج المنبر. ففي السياسة، يمكن للخطيب أن ينتصر في ليلة. لكن رجل الدولة لا ينتصر إلا بعد سنوات. والليل قصير. أما ذاكرة الشعوب، فأطول من كل الخطب.
📲 Partager sur WhatsApp