ماذا لو كان ابن رشد ومونتسكيو بيننا؟
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ماذا كان سيقول ابن رشد لو خرج من كتبه ذات صباح، ومشى في شارع فرنسي، فرأى دولة حديثة تريد أن تضع يدها على قطعة قماش فوق رأس امرأة؟ وماذا كان سيقول مونتسكيو لو وجد نفسه في برلمان يناقش، باسم الأغلبية، حدود ما يجوز للإنسان أن يلبسه حين يغادر عتبة بيته؟ ربما كان الرجلان سيسألان السؤال نفسه، وإن اختلفت لغتهما: أين تنتهي سلطة الدولة، وأين تبدأ حرية الإنسان؟ السؤال عن الحجاب في فرنسا ليس سؤالا عن قطعة قماش فقط. ومن الخطأ السياسي والفلسفي اختزاله في ذلك. إنه سؤال عن طبيعة الدولة، وعن معنى الحرية، وعن قدرة الديمقراطية على حماية الفرد عندما تتحول إرادة الأغلبية إلى قوة تستطيع أن تطرق أبواب الجسد والضمير والعقيدة.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، إذا عاد اقتراح حظر الحجاب في الفضاء العام إلى الواجهة، لن تكون بين الحجاب والعلمانية وحدهما. ستكون بين تصورين للدولة: دولة ترى أن العلمانية تحمي المواطن من هيمنة الدين، ودولة قد تنزلق إلى الاعتقاد بأن حماية العلمانية تقتضي مراقبة مظهر المواطن نفسه. وهنا تبدأ المفارقة. العلمانية الفرنسية، في جوهرها التاريخي، ليست دينا مضادا للدين. إنها طريقة لتنظيم علاقة الدولة بالمعتقد. الدولة لا يفترض أن تسأل المواطن عما يوجد في قلبه، ولا أن تفتش في رأسه عن عقيدته، بل أن تضمن أن القانون واحد، وأن المؤسسات لا تتحول إلى أدوات لفرض عقيدة على أخرى. لكن عندما تنتقل الدولة من تنظيم المجال العام إلى تحديد ما يجوز للإنسان أن يرتديه فيه، فإنها تقترب من منطقة أكثر حساسية: منطقة الجسد والضمير. وهذه منطقة عرف التاريخ أنها خطرة.
فالسلطة التي تبدأ بسؤال صغير: لماذا ترتدي هذه المرأة هذا الثوب؟ قد تجد نفسها، إذا لم تتوقف عند حدود القانون، أمام سؤال أكبر: ماذا ينبغي أن يعتقد المواطن؟ وكيف ينبغي أن يصلي؟ وماذا يجوز أن يظهر من هويته؟ وما الذي ينبغي أن يخفيه؟ وهنا يصبح الحجاب مرآة للدولة أكثر مما هو مرآة للمرأة. إن المرأة المحجبة لا تختبر فقط علاقتها بالمجتمع. المجتمع نفسه يختبر من خلالها علاقته بفكرة الحرية. هل نؤمن بالحرية عندما تعجبنا خيارات الفرد فقط؟ أم نؤمن بها عندما يختار الإنسان شيئا لا يشبهنا؟ هذه هي النقطة التي تجعل القضية أعمق بكثير من حدود السجال الانتخابي. فالديمقراطية ليست مجرد آلة لإنتاج الأغلبية. لو كانت الديمقراطية تعني أن 51 في المئة من المواطنين يستطيعون أن يفعلوا بالـ49 في المئة ما يشاؤون، لما احتجنا إلى الدساتير، ولا إلى المحاكم الدستورية، ولا إلى المواثيق الأوروبية، ولا إلى فكرة الحقوق الأساسية.
الديمقراطية الحديثة جاءت، في جزء كبير من تاريخها، لتضع حدا لفكرة قديمة وخطيرة: أن العدد يمنح الحق المطلق. الأغلبية تحكم، نعم. لكنها لا تملك الإنسان. وهنا ربما كان مونتسكيو سيبتسم ابتسامته الباردة، ويعيد فتح كتابه عن روح القوانين. فالسلطة، في نظره، تصبح خطرة عندما لا تجد سلطة أخرى توقف اندفاعها. ليس المهم فقط من يحكم، بل ما الحدود التي لا يستطيع الحاكم تجاوزها. والدستور هو أحد تلك الجدران التي أقامتها الحضارة السياسية أمام اندفاع السلطة. قد تستطيع أغلبية انتخابية الوصول إلى الحكم. لكنها لا تصبح، بمجرد وصولها، مالكة للضمائر. قد تستطيع حكومة أن تقترح قانونا. لكن وجود الحكومة لا يعني أن القانون يصبح صحيحا لمجرد أنه صدر عنها. وقد تستطيع أغلبية سياسية أن تستخدم الأدوات الديمقراطية. لكن الديمقراطية نفسها لا تصبح بريئة من السؤال عن حدود استعمال تلك الأدوات. وهنا تبرز أهمية المسألة التي يثيرها الجدل الفرنسي حول احتمال اللجوء إلى الاستفتاء لتجاوز العقبات الدستورية والقانونية.
الاستفتاء أداة ديمقراطية. لكن الأداة الديمقراطية لا تصبح تلقائيا مشروعة في كل استخدام. فالسكين يمكن أن تقطع الخبز، ويمكن أن تجرح الإنسان. وما يحدد طبيعة الفعل ليس وجود الأداة، بل الغاية والطريقة والحدود. ومن هنا فإن دولة القانون لا تسأل فقط: هل صوت الناس؟ بل تسأل أيضا: على ماذا صوتوا؟ وبأي إجراء؟ وهل بقي التصويت داخل الإطار الدستوري الذي يحمي الحقوق والحريات؟ هذه ليست لعبة فقهية بين رجال القانون. إنها جوهر النظام الديمقراطي. فلو استطاعت كل أغلبية عابرة أن تلغي حقا أساسيا بمجرد التصويت عليه، لما بقي للدستور معنى حقيقي. ولأصبح المواطن يعيش في دولة يمكن أن تتغير فيها حرياته الأساسية مع كل موجة انتخابية.
اليوم الحجاب. وغدا ربما شيء آخر. وبعد غد ربما معتقد آخر. وحين يصبح الضمير قابلا للتصويت، تكون الديمقراطية قد بدأت تأكل جزءا من روحها. ولعل ابن رشد كان سيجد في هذه المسألة سؤالا مألوفا: كيف يمكن للعقل أن يتعامل مع الاختلاف دون أن يحوله إلى عداوة؟ فالاختلاف بين البشر ليس عيبا في الحياة العامة. إنه أحد شروطها. الدولة التي تريد إزالة كل علامات الاختلاف قد تحقق منظرا أكثر تجانسا، لكنها قد تدفع ثمنا باهظا: مجتمع يبدو هادئا من الخارج بينما يغلي في داخله. والتاريخ الأوروبي نفسه شاهد على أن محاولة توحيد الناس بالقوة لم تنتج دائما وحدة، بل أنتجت في كثير من الأحيان جروحا سياسية ودينية بقيت قرونا. لهذا فإن السؤال الفرنسي المعاصر لا ينبغي أن يكون: هل نحب الحجاب أم نكرهه؟ هذا سؤال شخصي. السؤال السياسي هو: هل يحق للدولة الديمقراطية أن تمنع مواطنا من مظهر ديني لمجرد أن أغلبية سياسية ترى فيه مشكلة؟
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين كثيرا ما يختلطان. هناك حالات يفرض فيها القانون قيودا على بعض الرموز أو الملابس لأسباب محددة تتعلق بطبيعة المكان أو الوظيفة أو متطلبات أمنية أو قانونية. وهناك انتقال مختلف تماما: جعل الفضاء العام نفسه منطقة حظر عام على مظهر ديني. الانتقال من الأول إلى الثاني ليس تفصيلا تقنيا. إنه تغيير في فلسفة العلاقة بين الفرد والدولة. فالشارع في الدولة الحرة ليس غرفة معيشة للحكومة. إنه المكان الذي يلتقي فيه المختلفون. فيه المسلم والمسيحي واليهودي واللاديني، والمتدين وغير المتدين، والمحافظ والحداثي، ومن يريد أن يظهر هويته ومن يفضل إخفاءها. وظيفة الدولة ليست أن تجعلهم جميعا متشابهين. وظيفتها أن تمنع أحدهم من الاعتداء على الآخر. وهنا تكمن القوة الحقيقية للعلمانية.
العلمانية القوية لا تخاف من الحجاب. ولا تخاف من الصليب. ولا تخاف من غياب الرموز الدينية. هي لا تحتاج إلى تفتيش الشوارع بحثا عن المعتقدات كي تثبت أنها علمانية. الدولة الواثقة من نفسها لا ترتبك أمام قطعة قماش. إنها ترتبك فقط عندما تصبح قطعة القماش، أو أي رمز آخر، ذريعة لإلغاء القانون أو الاعتداء على حقوق الآخرين. ومن هنا ينبغي أيضا ألا تتحول حرية ارتداء الحجاب إلى إعفاء من القانون. الحرية ليست جوازا لتجاوز الآخرين. إذا وقع إكراه على امرأة كي ترتدي الحجاب، فهذه مشكلة حقوقية حقيقية. وإذا وقع إكراه عليها كي تخلعه، فهذه المشكلة نفسها، وإن تغير اتجاه القوة. الحرية تبدأ عندما يستطيع الإنسان أن يقول نعم أو لا دون أن يقف فوق رأسه رجل دين أو شرطي أو حزب سياسي. وهذه ربما هي المساحة التي يلتقي فيها ابن رشد ومونتسكيو بصورة غير متوقعة: العقل يحتاج إلى الحرية، والحرية تحتاج إلى قانون، والقانون يحتاج إلى حدود، والسلطة تحتاج إلى رقابة. أما تحويل المرأة إلى ساحة معركة رمزية بين الدولة والدين، فهو أسهل الطرق إلى إضاعة الإنسان وسط المعركة. لذلك ينبغي ألا تصبح المرأة المحجبة رقما انتخابيا. ولا ينبغي أن يصبح الحجاب بطاقة تعبئة سياسية. ولا ينبغي أن تتحول المرأة غير المحجبة إلى نموذج سياسي مضاد.
المرأة ليست راية يرفعها هذا المعسكر في وجه ذاك المعسكر. إنها مواطنة. ولها الحق في أن تعيش حياتها خارج المسرح الانتخابي الذي يريد الآخرون أن يقيموه فوق رأسها. إن أكثر ما يحتاجه النقاش الفرنسي ربما ليس مزيدا من الصراخ، بل مزيدا من الثقة بالعقل. فالخوف من الآخر يجعل السياسة قصيرة النظر. والسياسة القصيرة النظر تحب الحلول التي يمكن تصويرها في صورة واحدة: قانون، حظر، غرامة، شعار. لكن المجتمعات العميقة لا تعالج تناقضاتها بهذه البساطة. المشكلة الدينية لا تختفي إذا منعنا رمزا. والتطرف لا يموت إذا منعنا قطعة قماش. والاندماج لا يتحقق بإجبار الناس على التشابه. الاندماج الحقيقي هو أن يشعر المواطن أن اختلافه لا يسقط عنه مواطنته. وهذا لا يعني أن الدولة بلا حق في الدفاع عن قيمها. بل يعني أن الدفاع عن القيم يجب ألا يتحول إلى هدم للقيم التي تدافع عنها الدولة نفسها. إذا كانت فرنسا تريد حماية الحرية، فعليها أن تسأل نفسها دائما: هل الإجراء الذي نتخذه ضد باسم الحرية يحافظ على الحرية أم يضعفها؟ وإذا كانت تريد حماية العلمانية، فعليها أن تسأل: هل العلمانية تصبح أقوى عندما تمنع الدولة المعتقد من الظهور في كل مكان، أم عندما تضمن ألا يفرض معتقد نفسه على الدولة أو على الآخرين؟
وإذا كانت تريد حماية المرأة، فعليها أن تسأل سؤالا أكثر قسوة: هل نحمي المرأة عندما نمنعها من ارتداء ما تختاره، أم عندما نحمي قدرتها على الاختيار؟ هذه الأسئلة ليست سهلة. ولهذا هي جديرة بالديمقراطية. أما الجواب السهل، فهو دائما أخطر الأجوبة. ربما لو كان ابن رشد بيننا لقال إن المدينة لا تكون عاقلة عندما تلغي الاختلاف، بل عندما تتعلم كيف تعيش معه. وربما كان مونتسكيو سيضيف أن أعظم اختبار للحرية ليس أن تسمح الدولة بما تحبه الأغلبية، وإنما أن تضع حدودا لما تستطيع الأغلبية فعله عندما تصبح السلطة في يدها. وبين الرجلين، يمكن أن نضع سؤال فرنسا المعاصرة: ماذا نريد من الدولة؟ هل نريد دولة تحرس حرية المواطن، أم دولة تعيد تشكيل المواطن وفقا للصورة التي تراها صحيحة؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين دولة القانون ودولة الوصاية.
و قد لا تكون القضية قضية حجاب أصلا. قد تكون قضية الإنسان عندما يقف أمام دولة قوية ويقول لها بهدوء: هذه حياتي، وهذا جسدي، وهذا ضميري، وهذه مواطنتي. هل تستطيع الدولة أن تحترم ذلك من دون أن تتخلى عن قوانينها؟ هنا فقط يظهر معدن الديمقراطية. فالدولة القوية ليست التي تستطيع أن تمنع أكثر. الدولة القوية هي التي تعرف أين تتوقف. والحضارة السياسية لا تقاس بعدد الأشياء التي تستطيع السلطة أن تحظرها، بل بعدد المساحات التي استطاعت أن تترك فيها الإنسان حرا دون أن تخاف من حريته. ربما تكون هذه هي الحكمة التي كان يمكن أن يجتمع عليها ابن رشد ومونتسكيو لو التقيا في باريس اليوم: لا تجعلوا الدولة إلها جديدا، ولا تجعلوا الدين دولة، ولا تجعلوا المرأة ميدانا لحروب الرجال، ولا تجعلوا الأغلبية سجانا للأقلية. فحين تحمي الديمقراطية حق المختلف في أن يكون مختلفا، فإنها لا تحمي الحجاب وحده. إنها تحمي نفسها.
📲 Partager sur WhatsApp