بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك أخبار لا تحتاج إلى أن تكون كبيرة حتى تفتح بابا كبيرا في الرأس. خبر أفعى هربت من بيت صاحبها، مثلا، يمكن أن يمر على العين مثل طرفة صحفية: بوا أصفر برتقالي يتجول ليلا في بلدة فرنسية، والبلدية تطلب من السكان ألا يتدخلوا وأن يتركوا المهمة للشرطة أو الإطفائية. حكاية تصلح لدقائق من الفضول، ثم تختفي بين أخبار الحروب والأسواق والسياسة. لكن لماذا نربي أفعى في البيت أصلا؟ هذا هو السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده. ليس لأن الأفعى أخطر الحيوانات، ولا لأن كل بوا شرير، ولا لأن امتلاك حيوان غريب جريمة في ذاته. بل لأن المشهد يحمل شيئا غريبا عن الإنسان المعاصر: ذلك الشغف العجيب بإحضار البرية إلى غرفة الجلوس، وترويض ما لم تصممه الطبيعة ليكون وسادة بجانب المدفأة. كأن الإنسان، بعد أن بنى المدن ليهرب من الغابة، عاد يبحث عن الغابة داخل شقته. لقد طردنا الوحوش من محيطنا ثم اشتريناها من المتاجر. أغلقنا أبواب الكهوف، وبنينا نوافذ مضادة للصوت، وركبنا أقفال الأبواب، واخترعنا كاميرات المراقبة، ثم شعرنا بنقص ما في الحياة، فقلنا: لنجلب أفعى. شيء ما في الإنسان يريد دائما أن يختبر الحدود التي وضعها هو بنفسه. يريد أن يعرف: هل يمكنني أن أعيش مع الخطر من دون أن يلتهمني؟ هل يمكنني أن أضعه في قفص، أطعمه بيدي، أطلق عليه اسما، أصور معه، ثم أقنع نفسي أنه صار “حيواني الأليف”؟
هذه الرغبة قديمة جدا. في التراث العربي، لم تكن الأفعى مجرد حيوان. كانت رمزا مركبا، تسكن بين الخوف والحكمة، بين الخفاء والفتك، بين القدرة على الاختباء والقدرة على الظهور في اللحظة المناسبة. كان العربي القديم يراقبها كما يراقب لغزا يتحرك على الأرض. ولذلك امتلأت الذاكرة الشعبية بالأمثال التي تجعل من الأفعى صورة للخطر الكامن. “اتق شر الحليم إذا غضب”، و“احذر عدوك مرة وصديقك ألف مرة”، وأمثال أخرى كثيرة لا تذكر الأفعى دائما، لكنها تفكر بطريقتها: ليس كل خطر يرفع صوته. فالخطر الحقيقي ليس دائما ذلك الذي يزأر. أحيانا هو الذي يزحف. وهذه واحدة من أكثر الصور إثارة في الأفعى: أنها لا تحتاج إلى ضجيج كي تكون موجودة. لا تعلن وصولها بموسيقى عسكرية. لا تطرق الباب. لا تطلب إذنا. تكفيها شقوق صغيرة ومساحة قليلة وصبر طويل. ولذلك ربما أحب البشر تشبيه بعضهم بالأفاعي. فالأفعى، في المخيلة الشعبية، ليست فقط حيوانا يعض. إنها شخصية رمزية كاملة: مناور، صامت، بارد، لا يبدد طاقته في الحركات الزائدة، ينتظر اللحظة التي تصبح فيها الضربة أقل كلفة وأكثر فاعلية.
وهنا تبدأ الحكاية في الخروج من القفص الحيواني إلى القفص الاجتماعي. كم أفعى نعيش معها اليوم من دون أن نسميها أفعى؟ كم من شخص يبتسم لنا في النهار، ثم يترك في ظهورنا أثرا لا نراه إلا بعد فوات الأوان؟ كم من خطاب سياسي يأتينا ملفوفا في الحرير، لكنه يخفي في داخله شيئا يذكر بالسم؟ كم من علاقة اجتماعية تبدأ بالمديح وتنتهي باكتشاف أننا كنا مجرد فريسة مؤجلة؟ لعل مشكلتنا الحديثة ليست أن الأفاعي كثرت في الطبيعة، بل أننا أصبحنا أكثر براعة في إنتاجها داخل المؤسسات والعلاقات واللغة. الأفعى الطبيعية صريحة في شيء واحد على الأقل: هي لا تدعي أنها حمامة. أما الأفعى البشرية فمشكلتها أنها قد تقضي سنوات وهي ترتدي ريش الحمام. وهنا تدخل أمي خيرة، تلك الحكيمة التي لم تدرس علم النفس السياسي كي تفهم الطبيعة البشرية. كانت تعرف، مثل كثير من نساء جيلها، أن بعض الناس لا يؤذونك وهم غاضبون، بل وهم يبتسمون. وكانت تقول، في ذلك المعجم الشعبي الذي يبدو بسيطا لكنه يخفي فلسفة اجتماعية كاملة: “بعد من الحنش، وما تصاحبوش”. قد تضحك من العبارة. لكن خلف الضحكة سؤال فلسفي قديم: هل يمكن للإنسان أن يروض ما يجب أن يخشاه؟ أمي خيرة كانت ستنظر إلى صاحب البوا، ثم إلى الأفعى، ثم إلى البيت، وربما تقول: “آش خاصك بالحنش وأنت عندك القط؟” وتنتهي المحاضرة.
فالحكمة الشعبية تعرف شيئا لا تحب الحضارة الحديثة الاعتراف به: ليست كل الأشياء التي نستطيع امتلاكها أشياء ينبغي أن نمتلكها. القدرة التقنية على فعل شيء لا تعني الحكمة الأخلاقية في فعله. نستطيع أن نضع حيوانا بريا في شقة. نستطيع أن نشتريه. نستطيع أن نطعمه. نستطيع أن نطلق عليه اسما. لكن هل نستطيع أن نغير طبيعته؟ هنا تكمن المسألة. الترويض ليس دائما تدجينا. والتعايش ليس دائما سيطرة. هناك حيوانات تستطيع أن تعيش معنا لأن تاريخا طويلا من الانتخاب والتعايش غيرها. وهناك كائنات تبقى، مهما طالت مدة إقامتها في بيوتنا، محتفظة بمنطقها البيولوجي العميق. البوا لا يعرف أننا نسميه “حيوانا أليفا”. الطبيعة لا تقرأ عقود الملكية. الجينات لا تحضر حفلات أعياد الميلاد. والغريزة لا تغير قوانينها لأن الإنسان اشترى قفصا جميلا. هذه الحقيقة البسيطة تكشف غرورا عميقا في الحضارة: نميل إلى الاعتقاد أن كل ما دخل بيتنا صار جزءا من نظامنا. لكن الطبيعة لا تدخل بيوتنا موظفة. إنها تدخل ضيفة. وقد تغادر من الباب أو من النافذة أو من فتحة صغيرة في السياج. والأفعى التي خرجت في بلدة فرنسية لم تفعل شيئا فلسفيا. لم تقرر التمرد على الإنسان، ولم تعلن الثورة على الحضارة، ولم تكن لديها نية لإثارة الرعب. لقد فعلت ما تفعله الكائنات حين تتاح لها فرصة الحركة: تحركت.
الغرابة كلّها في الإنسان الذي ظن أن بإمكانه تحويل البرية إلى قطعة أثاث. ولعل علم النفس يستطيع أن يقول لنا شيئا عن هذا الهوس. لماذا يحب بعض البشر الحيوانات الغريبة؟ لأنّ الإنسان لا يبحث دائما عن الألفة حين يقتني حيوانا. أحيانا يبحث عن هويته الخاصة. يريد شيئا لا يملكه الآخرون. يريد أن يقول للعالم: أنا مختلف. أنا لا أربي كلبا أو قطة فقط، أنا أربي كائنا يثير الدهشة. فيصبح الحيوان جزءا من صورة صاحبه عن نفسه. وهنا تتحول الأفعى من كائن حي إلى إكسسوار للأنا. الإنسان لا يكتفي بأن يكون مميزا. يريد أحيانا أن يمتلك شيئا يثبت أنه مميز. وهذا يقودنا إلى سؤال أكثر إزعاجا: هل نحن نربي الحيوانات، أم نربي غرورنا من خلالها؟ قد يكون الجواب أحيانا قاسيا: الإثنين. لكن الحيوانات لا تدفع ثمن غرورنا وحدها. فالمدينة أيضا تدفع. حين يهرب حيوان بري إلى فضاء مأهول، تصبح الجماعة كلها جزءا من تجربة فردية لم تخترها. يصبح الجار طرفا في مغامرة لم يوافق عليها. ويصبح طفل صغير أو شخص مسن أو حيوان منزلي معرضا لخطر لم يكن موجودا في حياته بالأصل. لهذا لا ينبغي أن يكون النقاش مجرد “هل البوا خطير أم غير خطير؟”
الخطر ليس دائما في السم. قد يكون الخطر في أننا جعلنا وجوده في مكان غير مناسب أمرا عاديا. البوا غير سام. صحيح. لكنّه ليس دمية. وهذه الجملة تصلح، على نحو غريب، لتلخيص كثير من عالمنا. هناك أشياء غير سامة لكنها خطرة. وأشياء غير عنيفة لكنها مدمرة. وأشياء لا تهاجمك مباشرة لكنها تغير البيئة من حولك ببطء. والسياسة نفسها مليئة بهذه الكائنات الرمزية. هناك “أفاعي” لا تلدغ الناس، بل تلدغ الثقة. وهناك أفاعي لا تقتل الأجساد، بل تقتل المعاني. وهناك أفاعي اجتماعية لا تترك جرحا على الجلد، لكنها تزرع الشك في الصداقات، والريبة في المؤسسات، والخوف في النفوس. والأخطر أننا، مثل صاحب الأفعى تماما، قد نقنع أنفسنا بأنها “مؤنسة”. نطعمها. نعتاد عليها. نمنحها اسما. ثم ننسى أنها أفعى. السياسي الماهر في التلاعب يعرف هذه القاعدة. المنافق يعرفها. المحرض يعرفها. صانع الكراهية يعرفها. كلهم يعرفون أن أخطر الأفاعي ليست تلك التي تظهر أسنانها، بل تلك التي تجعلك تنسى أن لها أسنانا. ولهذا يبدو خبر صغير عن أفعى ضائعة في مدينة فرنسية مثل حكاية رمزية خرجت من كتاب قديم. المدينة تقول: لا تقتربوا منها. اتصلوا بالشرطة. أغلقوا الأبواب والنوافذ. احتفظوا بحيواناتكم في أمان. يا لها من نصيحة تصلح أيضا للحياة السياسية والاجتماعية. لا تقترب من كل ما يلمع. لا تمد يدك إلى كل شيء غريب لمجرد أنه يثير فضولك. لا تخلط بين الهدوء والأمان. ولا تظن أن كل ما اعتدت عليه أصبح آمنا. لكن هناك شيئا آخر أكثر عمقا.
ربما نحن، في زمننا المزدحم بالخوف، لم نعد نعرف كيف نعيش من دون أن نختبر الخطر. الإنسان الحديث يعيش داخل منظومة هائلة من وسائل الحماية، ومع ذلك يبدو مفتونا بالمخاطر: يسافر إلى أماكن قصوى، يصور نفسه على حواف الجبال، يقتني الحيوانات المفترسة، يدخل في علاقات سامة، يتابع السياسة كما لو كانت مصارعة، ويجلس ساعات أمام الشاشات يتابع أخبار الكوارث. كأن الهدوء الطويل يوقظ في داخله حنينا إلى الحافة. هل يريد الإنسان اختبار حدوده؟ ربما. فالحدود لا تصبح محسوسة إلا عندما نقترب منها. الإنسان لا يعرف دائما مدى شجاعته قبل الخوف، ولا مدى هشاشته قبل الصدمة، ولا مدى قدرته على المقاومة قبل أن يجد شيئا يقاومه. لكن النضج ليس في أن نبحث عن الحافة دائما. النضج هو أن نعرف أي حافة تستحق أن نقف عندها. ليس كل خطر بطولة. وليس كل اقتراب شجاعة. وإحضار البرية إلى البيت قد يكون أحيانا مجرد رغبة في تحويل الخطر إلى فرجة. لكن البرية لا تؤدي دورا في مسرحنا. لها مسرحها الخاص. لها قوانينها. لها جوعها. لها خوفها. ولها حقها في أن تبقى بريئة من مشروعنا الاستعراضي.
ربما لهذا يجب أن نقرأ خبر الأفعى الهاربة لا كطرفة، بل كتنبيه صغير إلى غرور كبير. نحن نعيش في عصر يعتقد أنه سيطر على كل شيء. ثم تأتي أفعى صغيرة لتذكره بأن فتحة في جدار تكفي. تخرج من القفص، تزحف في الليل، وتعيد إلى المدينة القديمة سؤالا ظن الإنسان أنه تجاوزه منذ آلاف السنين: من الذي يروض من؟ نحن نظن أننا نروض الحيوان. لكن ربما الحيوان هو الذي يروض غرورنا. يجبرنا على مراقبة الأبواب. يجبرنا على احترام المسافة. يجبرنا على الاعتراف بأن العالم ليس ملكا لنا وحدنا. ويعلمنا، من دون كلمة واحدة، أن بعض الكائنات لا تحتاج إلى أن تحبنا كي تستحق منا الاحترام. وهذه ربما هي الحكمة التي نسيناها ونحن نشتري البرية في أقفاص صغيرة. احترم الأفعى، حتى لو لم تخف منها. واحترم البحر، حتى لو كنت تجيد السباحة. واحترم النار، حتى لو كنت تعرف كيف تشعلها. واحترم الإنسان، حتى لو كنت أقوى منه. لأن الحضارة، في جوهرها، ليست أن نلغي الخطر من العالم. بل أن نتعلم كيف نعيش من دون أن نصنع منه لعبة. أما أمي خيرة، لو سمعت بكل هذه الفلسفة، لربما ضحكت وقالت: “آش هاد الفلسفة كاملة؟ الحنش خليه فالغابة، وأنت تربى على العسل.” ثم تعود إلى شايها. وقد تكون، كعادتها، قد اختصرت كتابا كاملا في جملة واحدة. فالحنش ليس دائما في العشب. أحيانا يكون في القفص الذي فتحناه نحن. وأحيانا يكون في السياسة. وأحيانا في المجتمع. وأحيانا، وهذا هو الأكثر إزعاجا، يكون في داخلنا، ينتظر اللحظة التي ننسى فيها أننا كنا نظنه تحت السيطرة.
📲 Partager sur WhatsApp