حين يموت الجسد قبل أن تولد لغته

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ثمة أموات لا يكتفون بالموت. يظلون، بعد قرون، في مكان ما بين التراب والوثيقة، بين ما قاله المؤرخ وما لم يستطع الطبيب أن يقوله، كأن الموت نفسه ترك وراءه لغزا صغيرا وأغلق عليه الباب. لويس الرابع عشر واحد من هؤلاء. مات في الأول من سبتمبر 1715، عن ستة وسبعين عاما، وقيل يومها إن الغرغرينا التهمت ساقه اليسرى حتى أطفأت في النهاية ذلك الجسد الذي حكم فرنسا سبعة عقود. انتهى الأمر، في ظاهر السجل، كما تنتهي الأشياء التي تجد اسما لها: مرض، ثم موت، ثم صفحة في كتاب التاريخ. لكن التاريخ، حين يعود إليه العلم بعد ثلاثة قرون، يكتشف أحيانا أن الإسم الذي منحناه للموت لم يكن سوى اسم لعجزنا عن رؤية ما كان يحدث فعلا.

الدراسة الجديدة التي أعاد بها طبيب الكلى ستانيسلاس باتاي وعالم الأنثروبولوجيا والطب القديم فيليب شارلييه فتح ملف لويس الرابع عشر لا تقترح مجرد تصحيح تشخيصي عابر. إنها تفعل شيئا أكثر إثارة: تعيد تعريف المسافة بين المعرفة والواقع. المقترح هو أن الملك ربما لم يمت بسبب غرغرينا بالمعنى التقليدي، وإنما بسبب الكالسيفيلاكسي، وهي مضاعفة نادرة وخطيرة ترتبط عادة بقصور كلوي مزمن شديد، ويمكن أن تنتج نخرات جلدية والتهابات تبدو، للعين غير المسلحة بمعرفة الطب الحديث، شديدة الشبه بالغرغرينا. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي. لأن السؤال الذي يبدو بسيطا: كيف أخطأ أطباء الملك؟ هو في الحقيقة سؤال أكثر قسوة: هل يستطيع الإنسان أن يشخص مرضا لم تولد اللغة التي تصفه بعد؟

أطباء لويس الرابع عشر لم يكونوا أغبياء، كما قد يوحي لنا غرور الحاضر حين ينظر إلى الماضي من فوق كتف مختبر حديث. كانوا أسرى حدود عصرهم، كما نحن أسرى حدود عصرنا. كانوا يرون الجسد نفسه، لكنهم لم يمتلكوا الخريطة الداخلية التي نمتلكها اليوم. كانوا يرون الجرح ولا يرون الكيمياء التي سبقته. كانوا يرون النخر ولا يرون الاضطراب الوعائي والاستقلابي والمعدني الذي يمكن أن يصنعه الفشل الكلوي. كانوا يرون النهاية، ولا يستطيعون العودة إلى السلسلة الخفية التي صنعتها. ذلك هو أحد أكثر أسرار العلم إثارة: الحقيقة قد تكون موجودة قبل أن نملك الاسم الذي يجعلنا قادرين على رؤيتها.

كان لويس الرابع عشر يعيش داخل جسد ملكي، لكن ذلك الجسد لم يكن محصنا من قوانين الطبيعة. كان محاطا بالبلاط، بالأطباء، بالعطور، بالاحتفالات، بالمرايا، وبالطقوس, بينما كان داخله يجري العمل القديم نفسه الذي يجري داخل أجساد الفلاحين والجنود والأطفال: الدم يدور، الكلى ترشح، المعادن تتوازن، الخلايا تموت، والأوعية تضيق أو تنسد، والجسد يفاوض الموت بصمت. ولعل المفارقة الأكثر إيلاما في قصة ملك الشمس: كل ذلك الضوء السياسي الذي أحاط به لم يكن قادرا على إضاءة أعضائه الداخلية.

كان لويس الرابع عشر شديد الحضور في التاريخ، شديد الغموض في جسده. وتكشف الشهادات التي أعاد الباحثان قراءتها صورة رجل كان يعاني من بدانة واضحة، ومن عطش وتبول مفرطين، وهي علامات يمكن أن تتوافق مع اضطرابات استقلابية، من بينها السكري. كما أن تحليل القلب المحفوظ للملك أظهر تكلسات مهمة في صمامات القلب، وهي قرينة يمكن أن تنسجم مع وجود مرض كلوي مزمن متقدم. لا تقدم هذه المعطيات، بطبيعة الحال، يقينا تشريحيا مطلقا بعد ثلاثة قرون، لكنها تفتح بابا علميا لم يكن موجودا في الرواية التقليدية. واللافت هنا ليس فقط أن التشخيص القديم قد يكون خاطئا، بل أن الخطأ نفسه كان منطقيا داخل منظومة المعرفة التي صنعته.

هذه نقطة ينبغي أن نتوقف عندها طويلا. فنحن نميل إلى تصور العلم كمدينة مضاءة منذ البداية، كأن الحقيقة كانت جالسة في مكانها تنتظر أن يكتشفها الإنسان. لكن تاريخ العلم أكثر غرابة. الحقيقة موجودة أحيانا مثل حيوان ليلي في غابة كثيفة؛ نسمع حركتها قبل أن نراها، نرى آثار أقدامها، نعثر على شعر عالق في غصن، لكننا لا نملك بعد المصباح الذي يكشف شكلها. قصور الكلى واحد من هذه الأشباح الطبية. العضو يمكن أن يتدهور طويلا من دون أن يرفع صوته. الكلى لا ترسل غالبا إنذارا مسرحيا حين تبدأ بالخسارة. لا تنفجر كالقلب، ولا تنزف كالجرح، ولا تصرخ كالسن. إنها تتراجع في الظل، وتترك وراءها أعراضا عامة يمكن أن تنسب إلى عشرات الأسباب. التعب، الغثيان، فقدان الشهية، التغير في التبول… أعراض فقيرة اللغة، ولذلك كانت عبر التاريخ قابلة لتفسيرات لا حصر لها.

وليس من قبيل المصادفة أن تكون الكالسيفيلاكسي نفسها مرضا يضع العلم أمام حدود الرؤية. فهي لا تقدم نفسها في البداية بوصفها نظرية، بل بوصفها مأساة جلدية: نسيج يموت، جرح يتفاقم، عدوى تظهر، ثم قد تأتي الصدمة النهائية: تعفن الدم. الجسد يعرض الصفحة الأخيرة من القصة، بينما يكون الفصل الأول قد كتب في مكان آخر، داخل الكلى، داخل الدم، داخل منظومة معدنية لا تراها العين. كان أطباء القرن الثامن عشر ينظرون إلى الساق. أما المرض، إذا صحت الفرضية الجديدة، فربما كان قد بدأ في مكان بعيد تماما. وهذه ليست مفارقة طبية فقط. إنها استعارة عميقة لطريقة الإنسان في فهم العالم. كم من مرة نخطئ في تشخيص الظاهرة لأننا نحدق في أثرها وننسى مصدرها؟ كم مرة نعتبر الحريق هو المشكلة، بينما يكون الدخان مجرد رسالة من غرفة أخرى؟ كم مرة نطارد العرض لأنه مرئي، ونترك السبب لأنه يعمل في الظلام؟

قد يكون هذا هو الدرس الفلسفي الهادئ الذي يخرج من جثة ملك مات قبل ثلاثة قرون: ما نراه ليس دائما ما يقتلنا. كان الطب القديم يملك عينا قوية، لكنه لم يكن يملك بعد الجهاز المفاهيمي الذي يربط بين الكلى والدم والمعادن والأوعية والجلد. اليوم نستطيع أن نفهم هذه السلسلة بصورة أكثر تعقيدا، لا لأن الإنسان الحديث أصبح أذكى بالضرورة من إنسان القرن الثامن عشر، بل لأن أجيالا متراكمة من المعرفة صنعت له عينا جديدة. وهنا يجب أن نكون حذرين أيضا. العلم الحديث لا ينبغي أن يتحول إلى محكمة غرور تقف أمام الماضي وتضحك من جهله. فما نعتبره اليوم بديهيا قد يبدو بعد مائتي عام بدائيا، وربما سيقرأ علماء المستقبل تقاريرنا الطبية بالطريقة التي نقرأ بها وصف أطباء البلاط، ويسألون: كيف كانوا لا يرون ما كان أمام أعينهم؟

ذلك السؤال هو أحد أكثر الأسئلة العلمية إخافة. لأن حدود المعرفة لا تظهر لنا عادة بوصفها حدودا. إنها تتنكر في صورة اليقين. ولهذا لا تكمن قيمة قصة لويس الرابع عشر في أننا ربما اكتشفنا أخيرا المرض الذي قتله. القيمة الأعمق أن جسده الملكي تحول، بعد موته بثلاثة قرون، إلى مختبر صغير لفهم شيء يتجاوز الطب: إن الإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل كما تسمح له أدواته أن يراه. في القرن الثامن عشر لم تكن هناك تحاليل كرياتينين، ولا معرفة ناضجة بالفشل الكلوي المزمن، ولا التصوير الطبي الحديث، ولا الفهم الحالي لاستقلاب الكالسيوم والفوسفور، ولا الخرائط الدقيقة التي تربط بين مرض داخلي صامت ونخر جلدي كارثي. ولذلك لم يكن التشخيص الصحيح مختبئا ببساطة في مكان ما داخل عقول الأطباء، ينتظر لحظة ذكاء خارقة. كان يحتاج إلى قرون من العلم حتى يصبح ممكنا. وهنا تنقلب الحكاية. ربما لم يمت لويس الرابع عشر لأن أطباءه فشلوا في قراءة جسده فقط. ربما مات أيضا لأن العصر نفسه لم يكن قد تعلم بعد كيف يقرأ هذا النوع من الأجساد. الجسد لا ينتظر العلم حتى يمرض. المرض يحدث أولا، ثم يأتي العلم متأخرا، يحمل مصباحه ويبدأ في تسمية الأشياء.

ولهذا تبدو إعادة فتح ملف موت الملك بعد 311 عاما أشبه برسالة وصلت متأخرة جدا، لكنها وصلت في النهاية. رسالة تقول لنا إن التاريخ الطبي ليس سجلا للأمراض وحدها، بل سجل للجهل أيضا؛ وإن كل تشخيص هو ابن زمنه؛ وإن ما نسميه اليوم حقيقة قد يكون غدا مجرد مرحلة في طريق أطول. ومن المفارقات أن لويس الرابع عشر، الرجل الذي أراد أن يجعل جسده السياسي رمز الخلود، ترك لنا جسدا ميتا يثبت العكس تماما: لا أحد يهرب من الطبيعة، حتى لو أطلق على نفسه لقب ملك الشمس. فقد نستطيع أن نؤجل الخصوم, وأن نغير حدود الدول. لكننا لا نستطيع أن نأمر الكلى بالصمت. والزمن، الذي كان لويس الرابع عشر يظن أنه يعمل لحسابه، كان يعمل عليه أيضا. بعد ثلاثة قرون، لا يعود السؤال الأهم: من قتل ملك الشمس؟ السؤال الأكثر إثارة هو: كم من أمراض عصرنا يعيش اليوم بيننا من دون اسم كامل، وكم من تشخيص نعتبره يقينيا ليس إلا اسما مؤقتا لشيء لم نتعلم بعد كيف نراه؟ هنا فقط يصبح موت لويس الرابع عشر حيا من جديد. ليس كخبر تاريخي. بل كمرآة. وفي المرايا العلمية الجيّدة، لا نرى موت الذين سبقونا فقط. نرى حدودنا نحن.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *