مصر في أزمة باب المندب: بين كلفة الحرب وإغراء القوة الناعمة

مذكرة استراتيجية بقلم:د. عبد الرحمن-باريس

في الجغرافيا السياسية للبحار، لا تكون المضائق مجرد ممرات مائية؛ إنها مفاتيح للقوة، ومفاصل للاقتصاد العالمي، ونقاط تماس بين الأمن الإقليمي والمصالح الدولية. ولعل باب المندب يمثل اليوم أحد أكثر هذه المفاتيح حساسية، لأنه لا يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي فحسب، بل يربط مباشرة بين أمن الملاحة العالمية وأمن قناة السويس، وبالتالي بين استقرار الممر البحري واستقرار الاقتصاد المصري. ومن هنا تبدو مصر أمام معادلة شديدة التعقيد: فهي الدولة الأكثر تضررا اقتصاديا من اضطراب باب المندب، لكنها في الوقت نفسه الدولة الأقل رغبة في الانجرار إلى حرب مفتوحة في اليمن. وبين هذين الحدين تتحرك القاهرة بسياسة يمكن اختصارها في عبارة واحدة: الضغط من أجل حماية الممر، من دون التورط في حرب لحمايته. وهذه ليست ازدواجية في الموقف المصري بقدر ما هي محاولة لإدارة تناقض استراتيجي حقيقي.

أولا: مصر… الضحية الاقتصادية الأولى لأزمة باب المندب

إذا كان باب المندب هو نقطة الاختناق الجنوبية للبحر الأحمر، فإن قناة السويس هي العصب الاقتصادي الذي يدفع ثمن اختناق هذه النقطة. منذ تصاعد الهجمات على السفن في البحر الأحمر، تراجعت حركة الملاحة عبر قناة السويس بصورة حادة. فقد انخفضت إيرادات القناة من نحو 10.25 مليار دولار في 2023 إلى قرابة أربعة مليارات دولار في 2024، أي بانخفاض يقارب الثلثين. وأكدت السلطات المصرية أن هذا التراجع ارتبط مباشرة باضطراب الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وتحول شركات النقل إلى طرق بديلة. أما السنة المالية 2023/2024، فقد سجلت إيرادات بلغت 7.2 مليار دولار، مقابل 9.4 مليار دولار في السنة السابقة، بحسب هيئة قناة السويس. وهنا لا ينبغي النظر إلى قناة السويس باعتبارها مجرد مصدر مالي من مصادر الدولة المصرية؛ إنها أحد أهم منافذ العملة الصعبة في اقتصاد يعاني أصلا من ضغوط كبيرة على ميزان المدفوعات. ولهذا فإن كل سفينة تغير مسارها من السويس إلى رأس الرجاء الصالح تعني بالنسبة إلى القاهرة أكثر من بضعة أيام إضافية في رحلة بحرية. إنها تعني إيرادا مفقودا، وعملة صعبة لا تدخل الخزانة، وضغطا إضافيا على أحد أهم مفاصل الاقتصاد المصري. لقد أكدت الرئاسة المصرية نفسها أن مصر خسرت قرابة سبعة مليارات دولار من إيرادات قناة السويس في 2024 نتيجة تداعيات أزمة البحر الأحمر وباب المندب. ولذلك فإن القاهرة لا تنظر إلى باب المندب من زاوية أمنية فقط؛ إنها تنظر إليه من نافذة الاقتصاد أيضا. فكلما طال اضطراب باب المندب، طال معه النزيف في قناة السويس. وهذه الحقيقة تفسر جانبا أساسيا من الحذر المصري: مصر لا تحتاج إلى الذهاب إلى باب المندب لكي تشعر بالحرب؛ آثار الحرب تصل إليها يوميا عبر قناة السويس.

ثانيا: 19 نوفمبر 2023… لحظة التحول

من المهم، في قراءة الأزمة، التمييز بين الحرب في غزة التي بدأت في 7 أكتوبر 2023، وبين اللحظة التي تحولت فيها التوترات إلى تهديد مباشر للملاحة في البحر الأحمر. ففي 19 نوفمبر 2023، استولى الحوثيون على سفينة Galaxy Leader في البحر الأحمر، واقتادوها إلى ميناء الحديدة، في حادثة شكلت واحدة من العلامات المبكرة الكبرى على انتقال الأزمة إلى المجال البحري الدولي. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد باب المندب مجرد مسرح فرعي للصراع اليمني، بل أصبح جزءا من معادلة دولية تتداخل فيها الحرب في اليمن، والحرب في غزة، والمواجهة الإقليمية بين إيران وخصومها، وأمن الطاقة والتجارة العالمية. وفي سبتمبر 2026، أخذت الأزمة منحى أكثر خطورة مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني وسيطرتهم على مواقع وجزر استراتيجية قرب باب المندب، الأمر الذي جعل التهديد الملاحي أكثر مباشرة، خصوصا بالنسبة إلى صادرات النفط السعودية. وهنا انتقلت الأزمة من مرحلة تهديد الملاحة إلى مرحلة محاولة التحكم في شروط الملاحة. وهذا تحول جيوسياسي بالغ الأهمية.

ثالثا: العقيدة المصرية: حماية المصالح من دون الذهاب إلى الحرب

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا لا تتدخل مصر عسكريا بشكل مباشر، وهي الدولة التي تملك مصلحة استراتيجية واضحة في إبقاء باب المندب مفتوحا؟ الجواب لا يكمن في غياب القدرة، وإنما في حساب الكلفة. فالتدخل العسكري المصري المباشر في اليمن سيعني، عمليا، العودة إلى واحدة من أكثر التجارب العسكرية استنزافا في التاريخ المصري الحديث: التدخل المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي. لقد دفعت القاهرة آنذاك ثمنا بشريا وسياسيا واقتصاديا باهظا. ولذلك فإن الذاكرة الاستراتيجية المصرية لا تنظر إلى اليمن باعتباره ساحة مناسبة لمغامرة عسكرية جديدة. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الموقف المصري الحالي باعتباره امتدادا لعقيدة حذرة تجاه التورط العسكري الخارجي، خصوصا عندما لا يكون هناك تصور واضح لنهاية الحرب ولا لضمانات الخروج منها. ولهذا تبدو القاهرة وكأنها تقول لشركائها الإقليميين والدوليين: نحن مع حرية الملاحة، ومع أمن البحر الأحمر، ومع أمن الخليج، لكن هذا لا يعني تلقائيا أننا مستعدون لخوض حرب مفتوحة في اليمن. وقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في القاهرة في 15 سبتمبر 2026، ضرورة ضمان حرية وأمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، كما أكدت القاهرة دعمها لأمن السعودية ودول الخليج. لكن اللافت أن البيان السياسي لم يتحول إلى إعلان عن التزام عسكري مصري مباشر. وهذه النقطة بالذات هي مفتاح قراءة الموقف المصري.

رابعا: القاهرة لا تريد أن تتحول من متضرر إلى طرف في الحرب

ثمة فرق جوهري بين حماية المصالح المصرية وبين الدخول في الحرب اليمنية. فمصر تستطيع أن تدعم أمن الملاحة سياسيا ودبلوماسيا، وأن تشارك في الترتيبات الدولية لحماية خطوط التجارة، وأن تمارس الضغط الدبلوماسي، وأن تستخدم ثقلها العربي، من دون أن ترسل قوات إلى ساحة حرب مفتوحة. ذلك أن أي تدخل عسكري مباشر قد يضع مصر أمام معادلة يصعب التحكم في مآلاتها: ضربة عسكرية اليوم قد تستدعي ردا غدا، والرد قد يستدعي تصعيدا، والتصعيد قد يحول حماية قناة السويس إلى سبب في استهدافها. وهذا تحديدا هو الفخ الذي تريد القاهرة تجنبه. فإذا كان الهدف هو إعادة الملاحة إلى قناة السويس، فإن إدخال مصر في حرب إقليمية أوسع قد ينتج النتيجة العكسية تماما. وهنا يصبح الامتناع عن الحرب جزءا من استراتيجية حماية القناة، وليس تخليا عن القناة.

خامسا: محاولة الحوثيين تحويل السيطرة الميدانية إلى شرعية عملية

الأكثر دلالة في التطورات الأخيرة ليس فقط ما يفعله الحوثيون عسكريا، وإنما ما يحاولون فعله سياسيا. فبحسب تقرير نشرته «العربي الجديد» في 14 سبتمبر، رفضت القاهرة طلبا حوثيا لإجراء اتصالات مباشرة بشأن تنسيق الملاحة والأمن في البحر الأحمر. قد يبدو الأمر للوهلة الأولى تفصيلا دبلوماسيا، لكنه في الواقع يحمل دلالة استراتيجية عميقة. فالاعتراف بالحوثيين طرفا يمكن التفاوض معه رسميا بشأن تنظيم الملاحة الدولية قد يمنحهم شيئا يتجاوز المكاسب العسكرية: شرعية وظيفية. أي أن الحركة التي تفرض أمرا واقعا على الأرض تريد أن يتحول هذا الأمر الواقع تدريجيا إلى أمر واقع سياسي ومؤسسي. وهنا يأتي الرفض المصري. فالقاهرة تستطيع التعايش مع وجود قوة أمر واقع على الأرض اليمنية، لكنها ليست بالضرورة مستعدة لمنح هذه القوة صفة الجهة التي تنظم الملاحة الدولية في باب المندب. إن المسألة إذن ليست مجرد اتصال هاتفي أو تفاوض حول سفينة؛ إنها معركة على من يملك حق تعريف قواعد المرور في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. وهذا ما يجعل الموقف المصري أكثر أهمية مما يبدو عليه في الظاهر.

سادسا: السعودية تحتاج إلى مصر… ومصر تحتاج إلى السعودية

المعادلة المصرية السعودية أكثر تعقيدا من مجرد تضامن عربي. السعودية تنظر إلى باب المندب باعتباره جزءا من منظومة أمنها الاستراتيجي، خصوصا في ظل اضطراب مسارات الطاقة الأخرى. أما مصر فتنظر إلى البحر الأحمر من الجهة الأخرى: أمنه يعني استمرار قناة السويس في أداء وظيفتها. وبذلك تتقاطع المصالح المصرية والسعودية، وإن اختلفت أدوات كل دولة. الرياض تحتاج إلى دعم عربي وسياسي واسع، والقاهرة تستطيع توفير قدر مهم من هذا الغطاء. لكن القاهرة، في المقابل، تحتاج إلى أن تتحول السعودية وشركاؤها الدوليون من مطالبة مصر بالمشاركة في المخاطر إلى المساهمة في تحملها. ولهذا يمكن فهم الموقف المصري باعتباره بحثا عن تقاسم للأعباء الأمنية وليس تفويضا مفتوحا بالتدخل العسكري. فمصر لا تستطيع أن تتحمل منفردة تكلفة تأمين ممر دولي تستفيد منه عشرات الدول والاقتصادات.

سابعا: «سوميد»… البديل الذي لا يستطيع أن يحل محل السويس

تملك مصر ورقة إضافية في معادلة الطاقة تتمثل في خط سوميد، الذي يمكن أن يوفر مسارا بديلا جزئيا لنقل النفط، خصوصا عندما تصبح حركة الناقلات عبر قناة السويس أكثر تعقيدا. لكن البديل لا يساوي الأصل. فقناة السويس ليست مجرد ممر للنفط، وإنما منظومة متكاملة تشمل الحاويات والبضائع والناقلات وسلاسل الإمداد العالمية. لذلك لا تستطيع خطوط الأنابيب أو الموانئ البديلة تعويض خسارة السويس بصورة كاملة. إنها أدوات لتخفيف الصدمة، لا لإلغاء آثارها. ومن هنا يصبح استمرار إغلاق باب المندب أو اضطرابه لفترة طويلة تهديدا مباشرا للنموذج الاقتصادي الذي تقوم عليه قناة السويس.

ثامنا: البحر الأحمر لم يعد قضية مصرية أو سعودية

الخطأ الاستراتيجي الأكبر هو التعامل مع أزمة باب المندب بوصفها نزاعا إقليميا محدودا. فالمضيق يقع عند تقاطع ثلاثة أنظمة استراتيجية: أمن الطاقة، وأمن التجارة، وأمن الشرق الأوسط. وكلما اتسع نطاق الأزمة، أصبحت تداعياتها عالمية. فعندما تضطر السفن إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، فإن زمن الرحلة يرتفع، وترتفع معه تكاليف الوقود والتأمين والشحن. وقد أظهرت أزمة البحر الأحمر السابقة كيف يمكن لتغيير مسار واحد أن ينتقل تأثيره من الموانئ إلى أسعار السلع وسلاسل الإمداد والتضخم. وفي سبتمبر 2026، ازدادت المخاطر مع اتساع نطاق الصراع على الساحل اليمني وارتفاع المخاوف بشأن صادرات النفط السعودية. كما أفادت تقارير بأن أكثر من 100 ألف شخص نزحوا داخليا نتيجة التصعيد الجديد في اليمن. وبذلك لم تعد أزمة باب المندب أزمة ممر مائي فحسب؛ إنها أزمة نظام إقليمي كامل.

تاسعا: مصر كـ«فرامل استراتيجية» لا كـ«محرك عسكري»

في هذه اللحظة تحديدا، يبدو أن القاهرة اختارت لنفسها دورا مختلفا. إنها لا تريد أن تكون محركا للحرب، لكنها لا تريد أيضا أن تكون مجرد متفرج على انهيار أمن الملاحة. إنها تريد أن تكون فرامل استراتيجية. تدعم أمن الملاحة. تدعم السعودية سياسيا. ترفض منح الحوثيين شرعية مؤسسية في إدارة الممر الدولي. تدفع باتجاه حل سياسي للأزمة اليمنية. وفي الوقت نفسه، تتجنب الالتزام العسكري المباشر الذي قد يحولها من دولة متضررة إلى طرف أصيل في الحرب. وهذا يفسر ما قد يبدو للبعض تناقضا في السياسة المصرية: لهجة سياسية حازمة تجاه أمن البحر الأحمر، يقابلها تحفظ واضح بشأن التدخل العسكري. لكن التناقض هنا ظاهري فقط. فالقاهرة تفرق بين الدفاع عن المبدأ وتحمل كلفة الحرب.

عاشرا: الرهان المصري الحقيقي هو الدبلوماسية

إذا كان التدخل العسكري غير مرغوب، وإذا كان ترك باب المندب للاضطراب غير مقبول، فإن المساحة المتبقية أمام مصر هي الدبلوماسية. وهنا يمكن للقاهرة أن تستثمر علاقاتها المتشعبة مع أطراف عربية وإقليمية ودولية، وأن تدفع باتجاه ترتيبات تضمن حرية الملاحة من دون تحويل البحر الأحمر إلى مسرح دائم للمواجهة. وقد يكون هذا هو الدور الأكثر واقعية لمصر في المرحلة المقبلة: التفاوض من أجل أمن الملاحة بدلا من القتال من أجلها. فالأمن البحري المستدام لا يتحقق فقط بحماية السفن عسكريا، بل يحتاج أيضا إلى معالجة البيئة السياسية التي تنتج التهديد. وبغير ذلك ستظل السفن محمية اليوم ومهددة غدا.

القاهرة بين نارين

مصر اليوم بين نارين. النار الأولى اقتصادية: استمرار اضطراب باب المندب يعني استمرار نزيف قناة السويس، وهي خسارة لا تستطيع القاهرة التعامل معها إلى ما لا نهاية. والنار الثانية أمنية: التدخل العسكري المباشر في اليمن قد يفتح على مصر بابا من الاستنزاف لا تعرف متى تستطيع إغلاقه. ولهذا يبدو الخيار المصري أكثر تركيبا من مجرد «تدخل» أو «عدم تدخل». إن القاهرة تريد باب مندب مفتوحا، من دون حرب مصرية مفتوحة. وتريد استعادة حركة الملاحة في قناة السويس، من دون أن تدفع ثمن ذلك من دماء جنودها. وتريد دعم السعودية، من دون أن تتحول إلى طرف في الحرب السعودية الحوثية. وتريد مواجهة محاولة الحوثيين فرض أمر واقع على الممر البحري، من دون منحهم في الوقت ذاته شرعية سياسية أو مؤسسية. هذه هي المعادلة المصرية الجديدة. فمصر لا تستطيع أن تغلق عينيها عن باب المندب، لأنها تعرف أن ما يحدث هناك يصل مباشرة إلى قناة السويس. لكنها تعرف أيضا، من تاريخها وتجارب المنطقة، أن الطريق من باب المندب إلى المستنقع اليمني أقصر بكثير مما يبدو. لذلك فإن الرهان المصري ليس على المدفعية، بل على الوقت، والدبلوماسية، والتحالفات، وتقاسم الأعباء الأمنية. وإذا كان باب المندب هو «بوابة الدموع» في الجغرافيا القديمة، فإن التحدي أمام القاهرة اليوم هو ألا يتحول إلى بوابة استنزاف جديدة للدولة المصرية. وفي هذه المعادلة، تبدو مصر أقرب إلى لاعب يمسك المكابح بكلتا يديه: لا يريد أن يترك السفينة تنجرف، لكنه يعرف أن القفز منها إلى بحر الحرب قد يكون أخطر من بقائها على متنها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *