من «الأولوية الوطنية» إلى الإنسان الآلي: أي مستقبل نريد لأوروبا؟
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى مدفع كي تعلن عن نفسها. تكفيها جملة سياسية واحدة، باردة كالمعدن، لكي تجعلنا نشعر بأن شيئا عميقا في معنى المجتمع قد تغيّر. في فرنسا اليوم، يطلّ خطاب سياسي يريد أن يعيد ترتيب أبواب السكن والعمل والخدمات على أساس الجنسية. وفي الجهة الأخرى من المشهد نفسه، يظهر خطاب آخر يقترح أن تتكفل الآلة بالمهن التي كان المهاجرون يشغلونها: البناء، التوصيل، الزراعة، وحتى رعاية المسنين. هنا يصبح السؤال أكبر من مارين لوبن وإريك زيمور، وأكبر من الانتخابات والبرامج الحزبية: ماذا يحدث عندما تتحول أزمة الإنسان إلى مسألة فرز، ثم تتحول مسألة الفرز إلى مسألة استبدال؟ في 13 سبتمبر 2026، جعلت مارين لوبن السكن محورا أساسيا في إطلاق حملتها الرئاسية، وأعادت التأكيد على «الأولوية الوطنية»، بما يعني إعطاء الفرنسيين الأولوية في الوصول إلى السكن، ومنه السكن الاجتماعي والطلابي. قد يقول قائل: ما المشكلة في أن تكون للمواطن أولوية في بلده؟ السؤال مشروع. لكن السياسة تبدأ تحديدا من اللحظة التي نسأل فيها: أي مواطن؟ وبأي تعريف؟
فالجمهورية الفرنسية، في قواعد السكن الاجتماعي الحالية، لا تجعل الجنسية الفرنسية شرطا وحيدا؛ المواطن الفرنسي والأجنبي المقيم بصورة نظامية يمكنهما، وفق الشروط القانونية، التقدم إلى السكن الاجتماعي. كما أن فلسفة توزيع السكن الاجتماعي تقوم رسميا على تكافؤ الفرص والمزج الاجتماعي ومراعاة أوضاع أصحاب الموارد المحدودة. وهنا تبدأ المسألة الفلسفية. ,لأن الدولة الحديثة، منذ أن خرجت أوروبا تدريجيا من عالم الامتيازات الوراثية والطوائف المغلقة، لم تُبن فقط على سؤال: «من أين أتيت؟»، بل على سؤال آخر أكثر ثورية: من أنت أمام القانون؟ لقد استغرقت البشرية قرونا كي تنتقل من الإنسان بوصفه ابن قبيلة أو طائفة أو طبقة أو سلالة، إلى الإنسان بوصفه مواطنا. وحين نعيد إدخال الأصل والنسب والدم في تعريف المواطن، فإنّنا لا نغير فقط بندًا في قانون؛ نحن نعيد فتح باب قديم ظننا أن التاريخ أغلقه. وليس المقصود هنا أن كل سياسة تفضّل المواطن في مجال ما تعني تلقائيا عودة إلى العنصرية. فهذا تبسيط لا يخدم النقاش. لكنّ السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحا هو: إلى أي حد تستطيع «الأولوية الوطنية» أن تتوسع قبل أن تتحول الجنسية من رابطة قانونية إلى سلم للكرامة الإنسانية؟
وهذا السؤال يصبح أكثر حدة حين نضع خطاب السكن بجوار خطاب العمل. ففي سبتمبر 2026، ذهب إريك زيمور إلى تصور آخر: الذكاء الاصطناعي والروبوتات، في رؤيته، يمكن أن يخففا اعتماد فرنسا على المهاجرين الذين يشغلون أعمالا مثل البناء والزراعة والتوصيل ورعاية المسنين، مستشهدا بتجارب الصين واليابان والولايات المتحدة. في خطاب، الإنسان الأجنبي يُزاحم المواطن على سرير في بناية. وفي خطاب آخر، الإنسان الأجنبي يُزاح من موقع العمل لصالح آلة. في الحالتين، هناك خطر أن يتحول الإنسان إلى وظيفة قابلة للحذف. لكن الإنصاف يقتضي أن نقول شيئا آخر أيضا: الروبوتات في رعاية المسنين ليست خرافة سياسية. اليابان بالفعل تطور وتستخدم تقنيات روبوتية لمساعدة كبار السن والعاملين في الرعاية. لكن وجود الروبوت في غرفة المسن لا يعني أن الروبوت صار إنسانا، ولا أنّ الإنسان صار زائدا عن الحاجة.
فالروبوت يمكن أن يرفع شخصا من سريره. لكنّه لا يعرف بالضرورة لماذا كان ذلك الشخص يبكي. يمكنه أن يذكر له موعد الدواء. لكنه لا يحمل عنه وحشة المساء. يمكنه أن يراقب نبضه. لكنه لا يملك ذاكرة ذلك الرجل عن زوجته التي ماتت قبل عشرين عاما. التكنولوجيا تستطيع أن تساعد الرعاية؛ لكنها لا تختصر الرعاية في التكنولوجيا. ثم يأتي السجن. وكأن السلسلة كانت ناقصة حلقة، فجاءت القضبان لتغلقها. من السكن إلى العمل إلى السجن. في السكن يُطرح السؤال: من له الأولوية؟ وفي سوق العمل: من نحتاج إليه؟ ثم يأتي السجن بالسؤال الأكثر برودة: من يبقى؟ في 17 سبتمبر 2026، أعلن إريك زيمور رغبته في إعادة جميع الأجانب الموجودين في السجون الفرنسية إلى بلدانهم، ووسّع خطابه ليشمل الأجانب المدانين حتى خارج السجن، كما اقترح أن يغادر الأجنبي المقيم بصورة قانونية فرنسا إذا تجاوز عامًا من البطالة. وهكذا تتوالى الأبواب أمام الأجنبي كأن فرنسا صارت متاهة ذات حراس متعددين: باب السكن، ثم باب العمل، ثم باب السجن.

في الباب الأول يُسأل عن جنسيته. في الثاني يُسأل عن فائدته. وفي الثالث يُسأل إن كان ينبغي أن يبقى أصلا. السكن يضعه في آخر الصف، والعمل يضع فوق رأسه ساعةً تعدّ سنوات بطالته، والسجن يفتح له، في هذا التصور، بوابة أخرى اسمها الترحيل. والمفارقة السوداء أن الإنسان هنا يتحول شيئًا فشيئًا إلى بطاقة مرور: إن كنت مواطنا، فلك الأولوية. وإن كنت عاملا، فوجودك مشروط بحاجتنا إليك. وإن فقدت العمل، تبدأ ساعة الرحيل. وإن دخلت السجن، يصبح عنوانك التالي خارج البلاد. ثم يظهر الروبوت في آخر هذا المسرح العبثي، كأنه الممثل الوحيد الذي لا يحتاج إلى جواز سفر. لا يطلب سكنا. لا يطالب بأجر. لا يصاب بالبطالة. ولا يُرحَّل. يعمل فقط. وهنا تكتمل الصورة المقلقة: في السكن يُفرَز الإنسان، وفي العمل يُقاس، وفي السجن يُرحَّل، وفي المصنع يأتي الروبوت ليحتل المكان الذي كان يشغله. كأن السياسة لا تسأل الإنسان بعد الآن: من أنت؟ بل تسأله ثلاثة أسئلة متتالية: أين تسكن؟ ماذا تنتج؟ ولماذا ما زلت هنا؟
وهنا ينبغي أن نتوقف, قارئي الكريم,. لأن الدولة تستطيع أن تنظم السكن، وأن تضبط سوق العمل، وأن تعاقب الجريمة وفق القانون؛ لكن حين تتصل هذه الملفات كلّها بخيط واحد يجعل الجنسية معيارا للسكن، والمنفعة معيارا للعمل، والأصل معيارا للبقاء، فإن القضية تتجاوز برنامجا انتخابيا، وتلامس تصورا كاملا للإنسان ومكانه في المجتمع. لقد عرف القرن العشرون هذه اللغة بأشكال مختلفة. لغة تصنف البشر. لغة تقيس قيمتهم. لغة تبحث عن «العنصر غير المرغوب فيه». لغة تقول إن المجتمع سيكون أنظف وأكثر انتظاما حين يُستبعد بعض الناس منه. ولذلك فإن الذاكرة الأوروبية ليست متحفا للمآسي القديمة فحسب؛ إنها جهاز إنذار أخلاقي. من حانا آرندت إلى إيمانويل كانط، يعود السؤال نفسه بأقنعة مختلفة: متى يتحول الإنسان من غاية إلى وسيلة؟
كان كانط يرى أنّ الإنسان يجب ألا يُعامل مجرد وسيلة، بل غاية في ذاته. أمّا آرندت فقد كشفت كيف يمكن للأنظمة الحديثة أن تحول البشر إلى فئات وملفات وتصنيفات، قبل أن يتحولوا في الوعي السياسي إلى مجرد أرقام. وليس من الضروري أن نستدعي أقصى كوابيس التاريخ كي ندرك الخطر. يكفي أن نراقب اللّغة. حين يصبح المهاجر «عبئا». وحين يصبح المواطن «مستحقًا» بحكم الأصل وحده. وحين يصبح العامل «تكلفة». وحين يصبح المسن «مهمة يمكن أتمتتها». وحين يصبح السجين الأجنبي مشروع ترحيل قبل أن يصبح فردا في منظومة العدالة. عندها يبدأ الإنسان في الاختفاء، قبل أن تختفي أجساد البشر. المفارقة أن أوروبا التي صنعت مفهوم حقوق الإنسان، والتي دفعت ثمنا هائلا كي تجعل القانون فوق الأصل والنسب، تجد نفسها اليوم أمام إغراء العودة إلى سؤال الدم من جهة، وإغراء تحويل الإنسان إلى متغير اقتصادي من جهة أخرى. بينهما يقف شيء ثالث، أكثر صعوبة وأكثر إنسانية: المواطن الإنسان. لا المواطن لأنّه «أقدم». ولا المهاجر لأنّه «أكثر حاجة». ولا العامل لأنّه «أكثر إنتاجا». ولا المسن لأنّه «أكثر كلفة». بل الإنسان لأنّه إنسان، ثم يأتي القانون ليحدد الحقوق والواجبات ضمن نظام ديمقراطي واضح وعادل. ليس المطلوب أن ننكر مشاكل السكن. ولا أن ننكر الضغط الذي يمكن أن يسببه نقص العمالة. ولا أن نرفض التكنولوجيا. ولا أن نمنع الدولة من تنظيم الهجرة. المطلوب شيء أصعب: ألا نسمح للأزمة أن تجعلنا نعيد تعريف الإنسان باعتباره مشكلة.
السكن أزمة. الهجرة ملف سياسي واقتصادي وأمني واجتماعي معقد. الشيخوخة السكانية تحدّ هائل. نقص العمالة في بعض القطاعات واقع. والروبوتات يمكن أن تكون جزءا من الحل. لكن هناك فارقا أخلاقيا هائلا بين أن نقول: «سنستخدم الروبوت كي نساعد العامل.» وأن نقول: «سنستخدم الروبوت كي لا نحتاج إلى ذلك العامل.» وبين أن نقول: «سنوسع السكن حتى يجد كل مستحق مكانا.» وأن نقول: «سنبدأ أولا بمن ولد هنا، ثم نسأل عن الآخرين.» وبين أن نقول: «سنحاسب الجريمة وفق القانون.» وأن يصبح السؤال قبل كل شيء: «ماذا يحمل هذا السجين في جيبه من جنسية؟» الأولى سياسة.أما الثانية فتتسلل إلى فلسفة الإنسان. لأن المستقبل الذي يُعرض علينا ليس بالضرورة مستقبلا بين الإنسان والروبوت. ربما يكون المستقبل الحقيقي بين تصورين للإنسان نفسه. في التصور الأول، الروبوت آلة في خدمة البشر، والجنسية رابطة قانونية، والدولة تحمي مواطنيها من دون أن تحول الأجنبي إلى إنسان أدنى. وفي التصور الثاني، يصبح الوطن شجرة نسب، ويصبح الاقتصاد آلة فرز، وتصبح التكنولوجيا وسيلة لإزالة البشر الذين لا نريدهم من المشهد. عندها لا نكون قد دخلنا عصر الروبوت. نكون قد دخلنا عصرًا أكثر غرابة: عصر الإنسان الذي بدأ يتعلم من الآلة كيف يتعامل مع الإنسان.
والآلة لا تملك ضميرا. أمّا نحن، فلدينا تاريخ. ولدينا فلسفة. ولدينا ذاكرة. ولدينا القدرة على أن نقول: لا. لا حين تتحول الجنسية إلى مرآة للأصل. ولا حين تتحول التكنولوجيا إلى ذريعة للاستغناء عن البشر. ولا حين تتحول السياسة إلى ماكينة فرز: هذا يبقى، وهذا يرحل، وهذا يُستبدل. فما نحتاجه من السياسي ليس أن يكون مصنوعا من اللحم والدم فقط. نحتاجه أن يتذكر أنّ الذين يحكمهم لحم ودم أيضا. وأنّ خلف كل رقم في جدول الهجرة اسما. وخلف كل طلب سكن عائلة. وخلف كل عامل مهاجر سنوات من التعب. وخلف كل مسن في دار رعاية وجها وحكاية وخوفا وذاكرة. وحتى خلف القضبان، يبقى هناك إنسان، يحاسبه القانون على ما فعل، لا أن تتحول هويته إلى قفص آخر داخل القفص. إذا دخل الروبوت غرفة المسن، فليحمل عنه ثقل الجسد، لا أن يحمل عنه الإنسان. وإذا دخل القانون باب السكن، فليوزع الحقوق وفق قواعد واضحة، لا وفق شجرة أنساب. وإذا دخل السياسي ملف الهجرة والجريمة، فليتعامل مع الأفعال والقوانين والوقائع، لا مع البشر بوصفهم فائضا بشريا. لأنّ الحضارة لا تُعرَف فقط بما تستطيع الآلة أن تفعله. الحضارة تُعرَف بما نرفض أن نفعله بالإنسان، حتى حين نستطيع فعله.
