السفارة ليست راية

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك ضجيج هائل في شبكات التواصل الاجتماعي حول السفارات الإسرائيلية في المغرب، كأن بناية من الإسمنت والزجاج تستطيع، بمجرد أن تفتح بابها، أن تغلق باب فلسطين. وهنا تبدأ المشكلة. نحن نعيش زمنا غريبا صارت فيه الدبلوماسية تناقش أحيانا بعقلية المدرج، وتختبر الوطنية بعدد علامات التعجب، وكأنّ السياسة الخارجية مباراة كرة قدم: إما أبيض ناصع، وإما أسود لا نافذة فيه. لكن المغرب، في تاريخه الطويل، لم يكن بلدا يحب السياسة بالألوان الصارخة. كان يعرف شيئا آخر: أن بعض الأبواب لا تفتح لأنّنا نحب مَنْ وراءها، وإنّما لأنّنا نريد أن نعرف ماذا يفعل الرجل في الغرفة. في سبتمبر 2026، أعلن المغرب وإسرائيل الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى السفارات وتعيين السفراء. وهذا، من الناحية الدبلوماسية، انتقال بالعلاقة إلى مستوى أكثر انتظاما واتصالا، وليس إعلانا باختفاء القضية الفلسطينية من الذّاكرة المغربية. والسؤال الأكثر ذكاء ليس: هل نفتح السفارة أم نغلقها؟ بل: ماذا نستطيع أن نفعل بهذه السفارة؟

هنا تتحول السفارة من مبنى إلى أداة. قد تكون السفارة غرفة للمصالح، نعم. وقد تكون أيضا غرفة للمشاورات، ولنقل الرسائل، ولفهم ما يجري داخل الدولة الأخرى، ولإبقاء خيط سياسي حين تنقطع الخيوط كلها. الدبلوماسية ليست قصيدة حبّ بين الدول. إنها، في كثير من الأحيان، طريقة للجلوس مع خصمك على الطاولة نفسها دون أن تضطر إلى تحويل الطاولة إلى نعش. لقد جربت المنطقة طويلا سياسة الأبواب المغلقة، والمقاطعات، وقطع العلاقات، ثم اكتشفنا أن الباب المغلق لا يمنع النار من الوصول إليه، بل يمنع أحيانا حتى مناقشة صاحب النار. وهنا لا بد من تذكر الحكمة المغربية القديمة. حين اعترف السلطان سيدي محمد بن عبد الله بالولايات المتحدة الأمريكية في القرن الثامن عشر، لم يكن العالم يومها أكثر استقرارا مما هو عليه اليوم. كانت الولايات المتحدة دولة حديثة الولادة، وكان المغرب من أوائل الدول التي اعترفت بها رسميا. كان يمكن لعقل خائف أن يقول آنذاك: لماذا نقترب من قوة بعيدة؟ لماذا نحتاج إلى هؤلاء؟ لماذا لا ننتظر حتى يستقر العالم؟ لكن التاريخ لا يكافئ دائما من ينتظر حتى يستقر العالم.

المغرب فهم مبكرا أن السياسة الخارجية ليست حفلة أخلاقية، وإنما فن حماية المصالح داخل عالم لا يسأل أحدا قبل أن يتغير. ولذلك فإن السفارة الإسرائيلية في الرباط لا ينبغي أن تقرأ وحدها، كما لا ينبغي أن تقرأ فلسطين من خلالها وحدها. فلسطين أكبر من سفارة، وأقدم من علاقة، وأعمق من أن تختصرها ورقة اعتماد سفير. وفي المقابل، المغرب أكبر من أن يختزل في قرار دبلوماسي واحد. هناك أيضا مسألة أكثر حساسية، وأكثر مغربية مما نظن: اليهود المغاربة. هنا يقع العقل أحيانا في حفرة غريبة: يخلط بين اليهودي والإسرائيلي، وبين الدين والدولة، وبين الانتماء الديني والانتماء الوطني. لكن اليهود عاشوا في المغرب قرونا، وكانوا جزءا من نسيجه الاجتماعي والثقافي والسياسي. فهل يصبح المغربي أقل مغربية لأنّه يهودي؟ وهل يصبح المسلم في بلد آخر أقل انتماء إلى وطنه لأنه مسلم؟ ولو قبلنا بهذه المعادلة المجنونة، فما الذي سنفعله بمسيحيي الشرق؟ هل نبدأ بتفتيش جوازات السفر بحثا عن الدين؟

الوطن ليس مذهبا. الوطن هو البيت الذي تتكلم فيه بلهجتك، وتدفن فيه موتاك، وتعرف فيه أسماء الأشجار قبل أسماء الوزراء. ومن هنا كان يهود المغرب مغاربة، سواء بقي بعضهم في المغرب أو هاجروا منه. تاريخ الهجرة لا يمحو تاريخ الانتماء، كما أن اعتناق دين لا يلغي ذاكرة المكان. وهنا يجب أن نفرق بين السياسة والانتماء، وبين الدولة والدين، وبين الموقف من حكومة إسرائيل وبين علاقة المغربي بوطنه. فهل كان أبراهام السرفاتي أقل مغربية؟ وهل كان إدمون أمسيح أقل مغربية؟ وهل يمكن أن نمحو من تاريخ المغرب كل يهودي خدم بلده فقط لأن التاريخ وضع أمامه هوية دينية مختلفة؟ هذه ليست مشكلة في اليهود. هذه مشكلة في طريقة تفكيرنا نحن.

المغرب ليس بحاجة إلى أن يطرد جزءا من ذاكرته كي يثبت عروبته. العروبة التي تحتاج إلى محو اليهودي المغربي كي تثبت وجودها عروبة فقيرة جدا. العروبة المغربية، في تاريخها الحقيقي، أكثر اتساعا من ذلك. إنها عروبة تعرف أن المغرب كان دائما ملتقى للأديان واللغات والبحار والقوافل والإمبراطوريات. ولهذا فإن السياسة المغربية لا يمكن أن تختزل في منشور غاضب على فيسبوك، ولا في مقطع قصير على تيك توك، ولا في معركة بين حسابين لا يعرف أحد صاحبيهما شيئا عن ملفات الخارجية. قد تحتاج الرباط إلى التعاون في الماء والزراعة والتكنولوجيا والأمن والتجارة وغيرها. والمغرب، الذي يواجه تحديات مائية حقيقية، لا يستطيع أن يتعامل مع المعرفة والتكنولوجيا كما لو أنها طوائف دينية. الاستفادة من تقنية ليست اعتناقا لعقيدة. والتفاوض مع دولة ليس حبا بها. والتبادل التجاري ليس غسلا للتاريخ. والسفارة ليست راية تغرس فوق الذاكرة. إنها نافذة. وقد تكون النافذة خطرة إذا لم نعرف ماذا نرى منها. لكنها قد تكون أكثر خطورة حين نغلقها ثم نتخيل أننا أطفأنا العالم.

المغرب، في جوهر تجربته الدبلوماسية، لم يكن بلدا أبيض أو أسود. كان دائما بلدا يمشي في المنطقة الرمادية، حيث توجد المصالح والمخاطر والرسائل والمصافحات التي قد تكون أحيانا أكثر صلابة من البنادق. وهنا ربما تكمن الحكمة. لا ينبغي أن نسأل السفارة: مع من أنت؟ بل نسأل الدولة: ماذا ستفعل من خلالها؟ هل ستصبح السفارة جسرا للمصالح فقط؟ أم يمكن أن تكون أيضا قناة سياسية حين تحتاج فلسطين إلى قناة؟ هل تستطيع الدبلوماسية المغربية أن تحتفظ بمسافة سياسية من سياسات إسرائيل، وفي الوقت نفسه بمقعد داخل الغرفة التي تصنع فيها بعض القرارات؟ هذه هي الأسئلة الثقيلة. أما الصراخ في الأنترنت، فهو أخف من أن يحملها.

القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى غضبنا فقط. تحتاج إلى أدواتنا. والمغرب لا يحتاج إلى أن يثبت عروبته كل صباح أمام كاميرا الهاتف. ربما تكفيه تلك الحكمة القديمة التي تركها سلاطينه في التاريخ: أن تعرف متى تفتح الباب، ولماذا، وماذا تريد حين تفتحه. فالسفارة قد تكون أحيانا مكانا يدخل منه الآخر. لكنها، في السياسة الذكية، قد تكون أيضا المكان الذي ندخل نحن منه إلى عقل الآخر. وهناك، ربما، تبدأ الأشياء التي لا تستطيعها الشعارات. لا لإنقاذ فلسطين بالكلمات. ولا لتبرئة أحد. بل لمحاولة استعادة السياسة من يد الضجيج. فالدول لا تدار بمنطق: إما معي أو ضدي. الدول العاقلة تعرف أن أخطر كلمة في قاموس السياسة ليست نعم ولا لا. بل: دعنا نتحدث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *