الأيل يصرخ للحب… والإنسان يصرخ للحرب

من غابة الخريف إلى أوكرانيا وغزة وإيران وكوريا الشمالية: ماذا بقي في الإنسان من الحيوان؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في منتصف سبتمبر، حين يبدأ الخريف في عضّ أطراف الغابة، يخرج الأيل. يرفع رأسه. ثم يطلق صرخة هائلة، خشنة، بدائية، كأن أحداً مزّق الستارة بين عالم الحيوان وعالم الأشباح. نحن، أبناء المدن، قد نظن أن الغابة دخلت حربا. لكن لا. الأيل يريد الحب. والأكثر طرافة أنه يريد الحب بطريقة أكثر وضوحا من الإنسان، وأكثر دبلوماسية من بعض الدول. فصرخته تقول للأنثى: أنا هنا. وتقول للمنافس: أنا هنا أيضا. وقد تكفي الصرخة كي يعرف الآخر حجم المنافسة، فيتراجع، ويتجنب الإثنان معركة قد تصيبهما. الأيل، إذن، اكتشف الردع. من دون صاروخ بالستي. من دون قنبلة نوويّة. من دون حلف شمال أطلسي. ومن دون أن يرسل مبعوثا خاصا إلى عاصمة أخرى ليقول إن «جميع الخيارات مطروحة على الطاولة».

وهنا تبدأ النكتة السوداء. الأيل ينافس. لكنّه لا يحتاج إلى تحويل المنافس إلى شيطان. لا يحتاج إلى كتابة كتاب تاريخ يقول إن الطرف الآخر وُلد شريرا. ولا يحتاج إلى قناة تلفزيونية تشرح للغابة أن قرون المنافس تشكل «تهديدا وجوديا». ولا يحتاج إلى وزير دفاع يظهر مساء ويقول: «لقد اضطررنا إلى إطلاق القرون دفاعا عن السلام.» في الغابة، هناك اقتصاد بسيط للرغبة: أنا أريد. أنت تريد. فلنرى من الأقوى. ثم يتراجع أحدنا. وتبقى الغابة. أما الإنسان فقد اخترع طريقة أكثر تطورا. أنا أريد. أنت تريد. إذن أنت تهددني. وإذا كنت تهددني، فأنا مضطر إلى تهديدك. وإذا هددتك، فأنت مضطر إلى تهديدي. ثم نستغرب بعد ذلك لماذا أصبح العالم يشبه غرفة مليئة بالبنزين وأحدهم يشرح للجميع أن عود الثقاب «إجراء وقائي».

لننظر إلى أوكرانيا. هناك لم يعد الصراع مجرد جيشين أمام بعضهما. الطائرات المسيّرة تعبر السماء. الصواريخ تضرب البنية التحتية. الطاقة تصبح سلاحا. الموانئ تصبح أوراقا استراتيجية. والليل نفسه يدخل الحرب. التقارير الحديثة تتحدث عن استمرار القتال الروسي الأوكراني واتساع الحرب تحت الأرض وفي الجو، بينما تبقى مسألة وقف إطلاق النار بعيدة عن البساطة. الأيل، لو كان مستشارا عسكريا في كييف أو موسكو، ربما كان سيطرح سؤالا بدائيا: هل يمكن أن نتوقف قبل أن تصبح الغابة رمادا؟ لكن الإنسان أكثر تعقيدا. لديه خرائط. ومذكرات. وتاريخ. وحدود. ومصالح. وذاكرة. ثم، في النهاية، يجد نفسه يقاتل فوق قطعة من الأرض لا تختلف كثيرا في خصوبتها عن الغابة التي تركها الأيل خلفه.

وفي غزة… حتى الخراب صار له اسم. تحوّلت الحرب إلى امتحان آخر للإنسان الحديث: كيف يمكن لكائن اخترع القانون الدولي أن يعيش طويلا مع مشاهد الدمار والتهجير والموت؟ وفي سبتمبر 2026 ما تزال آثار الحرب والدمار حاضرة، حتى بعد وقف إطلاق النار، فيما تستمر ضربات وحوادث عنف وتتعثر إعادة الإعمار. الأيل لا يعرف شيئا عن الشرق الأوسط. ولا يعرف من هو الطرف الصحيح في النزاع. لكنّه يعرف شيئا ربما نسيناه نحن: حين تحترق الغابة، يموت فيها المنتصر والخاسر معا. لا يوجد في الطبيعة مؤتمر صحفي بعد الحريق. لا أحد يقول: «لقد حققنا أهدافنا الاستراتيجية.» الأشجار لا تعرف معنى «الأهداف الاستراتيجية». هي فقط تسقط.

ثم تأتي إيران. هناك، يصبح البحر نفسه جزءا من الأزمة: النفط يدخل الغابة. مضيق هرمز. السفن. الصواريخ. الولايات المتحدة. إسرائيل. الحوثيون. وكل عقدة في الشرق الأوسط تشد العقدة الأخرى. الحرب الأمريكية الإيرانية التي اندلعت في 2026 خلقت بدورها تداعيات على الملاحة والطاقة، بينما بقيت التسوية السياسية بعيدة عن الحسم. لنتخيل, قارئي العزيز, أيلين في مرج واحد. أحدهما يملك العشب. والثاني يملك الماء. والثالث يملك الأشجار. والرابع يملك الطريق المؤدي إلى المرعى. ثم يكتشف الجميع أن الحيوان الخامس يملك النفط. هنا تبدأ الأمم المتحدة.

وفي الشرق الأقصى، يبدو المشهد أكثر غرابة. كيم يو جونغ، شقيقة كيم جونغ أون، حذرت في 17 سبتمبر من رد «أكثر هجومية» على المناورات الأمريكية وحلفائها في المحيط الهادئ، وأكدت أن بيونغ يانغ ستواصل تعزيز ردعها النووي. وكانت مناورات Pacific Vanguard قد شاركت فيها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان وأستراليا وكندا ونيوزيلندا قرب غوام. هنا يصبح الأيل محرجا للإنسان. الأيل يصرخ. كوريا الشمالية تصرخ. لكن الفرق أن الأيل لا يملك رأسا نوويا. وهذا يجعله، في لحظة معينة، أكثر مسؤولية من بعض الدول. صرخة الأيل يمكن أن تنتهي بالصمت. أما صرخة الدولة النووية، فقد تحتاج إلى قارة كاملة حتى تهدأ.

الإنسان اخترع «الردع» ثم خاف منه, هذا ما نفعله منذ القرن العشرين. نقول: لن أحاربك لأنّك ستضربني. فتقول: لن أضربك لأنّك سترد. فنقول: سأزيد سلاحي كي تعرف أنّ ردّك سيكون مكلّفا. فتقول: سأزيد سلاحك كي تعرف أنّني أعرف أنّك ستزيد سلاحك. وهكذا يصبح السّلام عبارة عن رجلين يحمل كلّ منهما عود ثقاب ويشرح للآخر أنّه لا يريد إشعال النّار. هذه هي عبقرية الإنسان. لقد اخترعنا نظاما يحتاج إلى أن يكون الجميع عقلاء في اللحظة نفسها. وهذه، تاريخيا، مخاطرة طريفة جدا.

الأيل لا يعرف «المصلحة الوطنية»…الأيل لا يريد ممرات تجارية. لا يريد قواعد عسكرية. لا يريد نفوذا إقليميا. لا يريد عقوبات اقتصادية. لا يريد توسيع مجال نفوذه. لا يريد أن تصبح الغابة «منطقة نفوذ حصرية». يريد الأنثى. ويحذر المنافس. ثم يعود إلى العشب. إنه كائن محدود. لكن ربّما تكمن المشكلة في أنّ الإنسان غير محدود في اختراع الأسباب. نريد الأرض، فنقول التاريخ. نريد النفط، فنقول الاستقرار. نريد الممر البحري، فنقول الأمن. نريد النفوذ، فنقول النظام الدولي. نريد إسقاط النظام، فنقول الديمقراطية. نريد إبقاء النظام، فنقول الاستقرار. وفي النهاية يجلس طفل في مكان ما فوق ركام منزله، ولا يفهم لماذا يحتاج الكبار إلى كل هذه الكلمات كي يشرحوا له شيئا بسيطا: لقد بدأت الحرب.

الأيل لا يملك تويتر وهذا ربما أنقذه. لا يستطيع الأيل أن ينشر تغريدة عند منتصف الليل. لا يستطيع أن يكتب: «سنرد في المكان والزمان المناسبين.» ولا يستطيع أن يضع صورة قرنيه أمام خلفية سوداء ويكتب: لن تختبروا صبرنا. ولا يستطيع أن يطلق حملة إعلامية بعنوان: الغابة_أولا, ولا أن يقول: «أخبار كاذبة: لم نهاجم أحدا، نحن فقط كنا نركض بسرعة.» الأيل لديه ميزة واحدة عظيمة: لا يملك إعلاما. ولذلك لا يستطيع أن يقنع نفسه بأنّه لم يفعل ما فعله. فماذا بقي من الإنسان؟ ربما لم نبتعد عن الحيوان كما نحب أن نعتقد. نحن فقط أصبحنا أكثر قدرة على تجميل غرائزنا. الحيوان يريد. الإنسان يريد، ثم يكتب فلسفة عن لماذا يريد. الحيوان يخاف. الإنسان يخاف، ثم يصنع جهازا أمنيا. الحيوان ينافس. الإنسان ينافس، ثم يصنع إمبراطورية. الحيوان يقتل حين يضطر. الإنسان يستطيع أن يقتل آلافا ثم يعقد مؤتمرا صحفيا لشرح الضرورة التاريخية. هذه ليست مشكلة الذكاء. إنها مشكلة اللغة حين تصبح خادمة للغريزة.

ربما كان الأيل أول مفاوض. فحين يصرخ في الغابة، هناك شيء عظيم يحدث: إنه يمنح الآخر فرصة كي يتراجع. وهذا هو جوهر السياسة في أفضل حالاتها. ليس أن تنتصر دائما. بل أن تترك للخصم مخرجا لا يحتاج فيه إلى كسر وجهه كي يتراجع. هذه الحكمة القديمة ضاعت أحياناً في السياسة الحديثة. القوى الكبرى تحتاج إلى الظهور قوية. القادة يحتاجون إلى جمهور. الجيوش تحتاج إلى انتصارات. والرأي العام يريد صورا. فتصبح العودة إلى الوراء أصعب من الذهاب إلى الحرب. الأيل لا يملك كرامة قومية. ولهذا يستطيع الانسحاب. يا له من امتياز!

حين يحل اللّيل، تسكت الغابة. تعود الأيائل إلى الأشجار. تنام. وفي مكان آخر من العالم، تستمر الطائرات في التحليق، والسفن في التحرك، والمفاوضون في الكلام، والجنود في الانتظار، والصواريخ في غرفها الباردة. أوكرانيا. غزة. إيران. كوريا. أما الأيل، فيعود إلى حياته الصغيرة. غدا سيصرخ من أجل الحب. قد يصرخ من أجل المنافسة. وقد يتراجع. لكن من المستبعد جدا أن يخطر في باله أن يحرق الغابة كلّها كي يثبت أنّه كان على حق. وهنا تكمن الطرفة السوداء الأخيرة: الحيوان ما زال يعرف أن الغابة أهم من انتصاره فيها. أما الإنسان، الكائن الذي اخترع الحضارة، فقد يحتاج أحيانا إلى أن يخسر الغابة كلّها كي يكتب على أنقاضها: لقد انتصرنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *