حين تدخل المرأة غرفة الردع النووي: من كليوباترا إلى القنبلة الذرية

كوريا الشمالية، أمريكا، وكيم يو جونغ: هل تغيرت الحرب أم تغيرت اللغة التي تتكلم بها؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ثمة لحظات في التاريخ لا يدخل فيها المستقبل من الباب. يدخل من صوت امرأة. صباحا، تكون السفن الأمريكية وحلفاؤها في مياه المحيط الهادئ، تتدرب قرب غوام، تتحرك المدمرات والغواصات والطائرات فوق ماء أزرق يبدو بريئا كمرآة لم تخبر بعد بما سيحدث. وفي المساء، تأتي امرأة من بيونغ يانغ، لا تحمل بندقية في يدها، بل جملة. فتضع الجملة يدها على المحيط. رد «أكثر هجومية». هكذا تحدثت كيم يو جونغ، شقيقة كيم جونغ أون، بعد مناورات Pacific Vanguard 2026 التي شاركت فيها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان وأستراليا وكندا ونيوزيلندا قرب غوام. وقالت إن بيونغ يانغ ستواصل تعزيز ردعها النووي، وإنها قد تستخدم «كل الوسائل المتاحة» إذا اعتبرت سيادتها أو مصالحها الأمنية مهددة. ليس في الأمر مجرد امرأة تتحدث عن الحرب. الأغرب أن الحرب نفسها بدأت تتكلم بلسان مختلف.

حين تنزل المرأة من التاريخ إلى غرفة العمليات

كان التاريخ العسكري، زمنا طويلا، يحب الرجال. رجلا على حصان. رجلا بسيف. رجلا يرفع راية فوق مدينة محروقة. حتى الحرب الحديثة احتفظت بهذا المسرح الذكوري: الجنرال أمام الخرائط، الزعيم أمام الميكروفون، الصاروخ يصعد إلى السماء، والقرار يخرج من فم رجل يرتدي بدلة أو زيا عسكريا. ثم بدأت الصورة تتشقق. لا لأن النساء صرن فجأة أكثر ميلا إلى الحرب، ولا لأنهن يحملن «طبيعة» مختلفة للقتال؛ فالتاريخ أكثر تعقيدا من هذه الحكايات الجميلة. بل لأن مراكز القوة نفسها تغيرت. القوة لم تعد دائما جسدا يقف أمام الجبهة. أحيانا أصبحت شاشة. وأحيانا خوارزمية. وأحيانا عقوبة اقتصادية. وأحيانا تغريدة. وأحيانا، في بيونغ يانغ، امرأة تقول إن الرد المقبل قد يكون أكثر هجومية. هنا يصبح المشهد غريبا. كأن مارس، إله الحرب القديم، استيقظ ذات صباح، وجد أن خوذته لم تعد تناسب العصر، فتركها على الكرسي وخرج مرتديا معطفا مدنيا.

كيم يو جونغ: المرأة التي تقف عند باب القنبلة

كيم يو جونغ ليست مجرد «شقيقة الزعيم». هي مسؤولة بارزة في بنية الحزب الحاكم، وبرزت مرارا بوصفها أحد الأصوات الأساسية لبيونغ يانغ في السياسة الخارجية والأمن. وفي الأيام الأخيرة رفضت أيضا الدعوات الدولية إلى نزع السلاح النووي، مؤكدة أن وضع كوريا الشمالية كدولة نووية غير قابل للتراجع، قبل أن تصعد خطابها ضد المناورات الأمريكية وحلفائها. وهنا تكمن المفارقة. المرأة التي تتحدث عن الردع النووي لا تبدو كصورة «المرأة» التي صنعتها المخيلة القديمة. لا أما تنتظر عودة الجندي. ولا زوجة تقف عند النافذة. ولا ممرضة في مستشفى عسكري. إنها امرأة داخل ماكينة القرار نفسها. امرأة عند الباب الذي يفصل الجملة عن الصاروخ. والباب، في السياسة النووية، هو أخطر قطعة أثاث في العالم.

أمريكا لا ترى امرأة؛ ترى معادلة

أما واشنطن، فمن المرجح ألا تقرأ المشهد بهذه الطريقة الشعرية. في الحساب الاستراتيجي، لا يوجد «امرأة» و«رجل». هناك قدرات. صواريخ. غواصات. قواعد. حلفاء. مسافات. واستخبارات. وقد أجريت بمشاركة قوات بحرية أمريكية وأسترالية وكندية ويابانية وكورية جنوبية، إلى جانب نيوزيلندا، بهدف تعزيز قابلية العمل المشترك والقدرات العملياتية البحرية. وهنا تظهر إحدى مفارقات القرن الحادي والعشرين: كل طرف يسمي ما يفعله «ردعا»، بينما يقرأ الطرف الآخر الشيء نفسه بوصفه تهديدا. أمريكا تقول: نظهر قدرتنا كي لا تقع الحرب. بيونغ يانغ تقول: أنتم تظهرون قدرتكم، ولذلك علينا أن نزيد قدرتنا. فتزداد القوة كي تمنع الحرب. وتزداد القوة المضادة كي تمنع القوة الأولى. حتى يصبح السلام نفسه مسلحا إلى درجة لا يعود معها أحد يعرف أين ينتهي الردع ويبدأ الاستفزاز. إنها مفارقة السيفين:
كل واحد منهما يقول للآخر: أنا أحمل هذا السيف حتى لا تضطر إلى استعمال سيفك.

كوريا الشمالية لا تملك الجغرافيا… فتملك الخطر

كوريا الشمالية ليست الولايات المتحدة. وهذا بديهي. لكنها تمتلك شيئا أثمن من الحجم في لعبة الردع: القدرة على جعل الآخرين يحسبون كلفة الاقتراب منها. وهنا تفهم فلسفة الدولة النووية الصغيرة. إذا لم تستطع أن تكون إمبراطورية، كن مشكلة لا يستطيع الآخر تجاهلها. إذا لم تستطع أن تفرض شروطك بالقوة الاقتصادية، اجعل تكلفة تجاهلك مرتفعة. إذا لم تستطع أن تملأ المحيط بالسفن، اجعل صاروخا واحدا كافيا كي ينظر العالم إلى الخريطة من جديد. إنها استراتيجية تقوم على تحويل الضعف المادي إلى ثقل سياسي. ولذلك لا ينبغي قراءة تصريحات بيونغ يانغ باعتبارها مجرد غضب لغوي. فالخطاب جزء من السلاح. والسلاح جزء من الخطاب. وفي كوريا الشمالية، يصعب أحيانا معرفة أين ينتهي الميكروفون وتبدأ غرفة العمليات.

المرأة والحرب: هل دخلنا عصرا آخر؟

هنا يمكن طرح السؤال الأكثر إثارة: هل نحن أمام تأنيث للحرب؟ ربما، لكن ليس بمعنى أن النساء سيجعلن الحروب أكثر نعومة. هذه فكرة جميلة، لكنها ساذجة. المرأة ليست بطبيعتها أكثر سلاما، كما أن الرجل ليس بطبيعته أكثر حربا. التاريخ نفسه مليء بالنساء اللواتي مارسن السلطة في زمن الحرب، كما أنه مليء برجال اختاروا التفاوض حين كان الجميع ينتظر منهم القتال. ما يتغير اليوم شيء آخر. لغة القوة نفسها لم تعد حكرا على الصورة الذكورية القديمة. المرأة أصبحت قادرة على الظهور داخل مركز القرار العسكري دون أن تفقد سلطتها بسبب جنسها. بل ربما يصبح حضورها أكثر إثارة للانتباه لأن العالم لم يتخلص بعد من عاداته القديمة في النظر إلى السلطة. كأن التاريخ ما زال يحمل في جيبه صورة قديمة للمرأة، بينما المرأة نفسها خرجت من الصورة ودخلت إلى غرفة الخرائط.

من كليوباترا إلى القنبلة الذرية

منذ كليوباترا، عرف التاريخ أن المرأة يمكن أن تكون جزءا من لعبة القوة الكبرى. لكن الفرق اليوم هائل. كليوباترا كانت تحتاج إلى جيش وأسرة وتحالفات وممالك. أما كيم يو جونغ، فيكفيها أن تدخل إلى فضاء الدولة النووية. هذه هي المفارقة المرعبة. في زمن كليوباترا، كانت السلطة تحتاج إلى جسد كبير: قصر، جيش، نهر، خزينة. أما اليوم فقد تختبئ السلطة داخل رأس حربي. وهكذا تقلصت الإمبراطوريات. أصبحت القوة أكثر تركيزا. أكثر برودة. وأقل حاجة إلى العضلات التي أحبها التاريخ القديم.

الشرق الأقصى يعيد اختراع ميزان القوى

المشهد الكوري لا يمكن فصله عن التحول الأكبر في آسيا. الصين. روسيا. اليابان. كوريا الجنوبية. الولايات المتحدة. وطرق التجارة والطاقة والتكنولوجيا وأشباه الموصلات. كلها تتحرك في فضاء واحد، كقطع شطرنج موضوعة فوق خريطة بحرية. وفي هذا الفضاء، لم تعد كوريا الشمالية مجرد «دولة معزولة». فقد أصبحت علاقاتها مع روسيا والصين جزءا من البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها، فيما تستمر واشنطن في بناء شبكات أمنية أوسع مع حلفائها الآسيويين. وهنا يصبح المحيط الهادئ أقل شبها بالماء وأكثر شبها بصفحة عقد دولية عملاقة. كل عقدة فيها تشد الأخرى. وإذا شد أحدها أكثر مما ينبغي، تحركت الشبكة كلها. كان كانط يحلم بسلام دائم. أما القرن النووي فقد صنع شيئا أكثر غرابة: سلاما مسلحا بالخوف. لم يعد السلام دائما ثمرة ثقة. قد يكون ثمرة معرفة دقيقة بأن الحرب ستكون كارثية على الجميع. وهنا تظهر حكمة قديمة بصيغة جديدة: «من حفر حفرة لأخيه وقع فيها». لكن في العصر النووي، قد يحفر الجميع الحفرة معا. ثم يقفون حولها، كل واحد ممسك بمجرفته، ويقسم أن مجرفته دفاعية. هذه هي مأساة الردع. إنه نظام عقلاني من الداخل، وقد يصبح عبثيا إذا نظرنا إليه من الخارج. كل خطوة تبدو منطقية. والنتيجة الكلية قد تكون جنونا.

المرأة التي قالت «أكثر هجومية»

ربما لهذا السبب يستحق صوت كيم يو جونغ كل هذا الانتباه. ليس لأن امرأة قالت كلاما قاسيا. بل لأن العالم الذي اعتاد أن يربط الحرب بصورة الجنرال الرجل يجد نفسه أمام امرأة تتحدث بلغة الردع النووي من قلب واحدة من أكثر الدول غموضا في النظام الدولي. لكن علينا أن ننتبه إلى شيء أكثر عمقا: لا ينبغي أن نحتفل بتأنيث الحرب. فالهدف ليس أن تصبح للمدافع امرأة بدل رجل. الهدف أن يصبح الإنسان أكثر وعيا بخطورة أن تتحول اللغة إلى سلسلة أوامر، وأن تتحول المناورات إلى إشارات، والإشارات إلى ردود، والردود إلى صواريخ. الحرب لا تصبح أجمل حين تنطق امرأة باسمها. تصبح فقط أكثر حداثة.

وغوام تظل هناك

في مكان ما، تستمر السفن في التحرك. غوام بعيدة. بيونغ يانغ أبعد. واشنطن أبعد من ذلك. لكن الصاروخ لا يفهم المسافات كما يفهمها الإنسان. والخوف لا يحتاج إلى جواز سفر. قد يكون هذا هو الدرس الأكثر غرابة في المشهد كله: نحن في عالم أصبحت فيه الجغرافيا بطيئة، بينما التهديد سريع. الجزيرة لا تتحرك. الصاروخ يتحرك. الحدود ثابتة. البيانات تتحرك. الجيوش تحتاج إلى أسابيع. الكلمة تحتاج إلى ثانية. ولهذا ربما تغيرت الحرب فعلا. لم تعد تبدأ عندما يطلق الجندي النار. قد تبدأ عندما يقول شخص ما جملة، في مكان بعيد، ويقرر الطرف الآخر أن يصدقها. وهكذا تقف كيم يو جونغ أمام أمريكا، لا كامرأة أمام رجل، ولا كوريا الشمالية أمام إمبراطورية. بل صوتا أمام صوت، وردعا أمام ردع، وذاكرة تاريخية أمام قوة عسكرية هائلة. وفي الخلفية، المحيط الهادئ لا يقول شيئا. فالمحيطات، مثل الحكماء، تعرف أن أكثر الأشياء خطرا ليست دائما تلك التي تصرخ. أحيانا تكون تلك التي تتكلم بهدوء شديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *