الاقتصاد الذي لا يملك مفتاح بيته: الخريطة شريكا في الشركة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ماذا يحدث حين يبدأ الاقتصاد بفقدان جغرافيته؟

ثمة أخبار اقتصادية لا تأتي على هيئة أرقام. تأتي على هيئة مرسوم. ورقة واحدة تخرج من قصر في موسكو، وتدخل إلى عالم الشركات، فتكتشف فجأة أن المصنع ليس مصنعا فقط، وأن المتجر ليس متجرا، وأن الملكية الخاصة ليست دائما جزيرة خاصة. في روسيا، صدر مرسوم بنقل أصول الأنشطة الروسية لـ Nestlé وAuchan وLemana Pro، الاسم الجديد لـLeroy Merlin، إلى شركة روسية هي «L.E.V. Management». قد يبدو الخبر روسيا بحتا. لكنّه ليس كذلك. لأنّ ما يحدث أمامنا هو شيء أعمق: الجغرافيا بدأت تدخل إلى ميزانية الشركات. كان الاقتصادي القديم يضع جدولا: رأس المال، العمل، الطاقة، السوق، الربح. أما الاقتصادي الجديد فعليه أن يضيف خانة غريبة: أين توجد الشركة عندما يغضب العالم؟

العالم الذي كان فيه المصنع بلا وطن

العولمة بنت خلال أربعين عاما آلة اقتصادية مذهلة. المصنع في بلد. المواد الخام في بلد ثان. التكنولوجيا في بلد ثالث. التمويل في مدينة رابعة. والمنتج يسافر بين الجميع حتى يصل إلى المستهلك، وكأن العالم أصبح مصنعا واحدا له أبواب كثيرة ولا جدار له. كان هذا هو الحلم. ثم جاءت الجغرافيا السياسية، وأعادت رسم الجدران بالقلم الأحمر. فجأة صار للميناء معنى سياسي. ولسلسلة الإمداد معنى عسكري. وللرقاقة الإلكترونية معنى سيادي. ولمصنع بعيد آلاف الكيلومترات قيمة لا تظهر في الميزانية العمومية. لقد اكتشف العالم الاقتصادي شيئا كان يعرفه الجغرافي منذ قرون: المسافة ليست رقما.
المسافة قد تكون خطرا. ولهذا فإن قصة الأصول الفرنسية في روسيا ليست مجرد قصة خروج شركات أجنبية من سوق صعب. إنها صورة مكبرة لعصر جديد: عصر يمكن فيه أن تستيقظ الشركة وهي تملك كل شيء على الورق، ثم تكتشف أن الخريطة نفسها أصبحت تملك حق الاعتراض.

فرنسا: اقتصاد كبير فوق أرض صغيرة

وهنا يصبح السؤال فرنسيا. ليس لأن فرنسا على وشك الانهيار. لا توجد معطيات تسمح بهذا الاستنتاج. لكن الاقتصاد الفرنسي يدخل مرحلة أكثر ضيقا في هامش المناورة. بنك فرنسا يتوقع حاليا نموا يبلغ 0.4% فقط في 2026، بعد تراجع النشاط 0.2% في الربع الأول واستقراره في الربع الثاني، مع ارتفاع البطالة المتوقع إلى 8.4% في نهاية العام. وفي السيناريو الأساسي للبنك، يتحسن النمو لاحقا إلى 0.9% في 2027 و1.2% في 2028. الأرقام لا تصرخ. وهذا هو المقلق في الأرقام الاقتصادية أحيانا. الاقتصاد لا يسقط دائما من النافذة. أحيانا يجلس على حافة الكرسي، ويبدأ فقط في فقدان سنتيمتر واحد من المسافة كل عام. فرنسا لا تعاني من غياب الشركات الكبرى. تعاني من سؤال أكثر تعقيدا: هل تستطيع أن تحتفظ بالقدرة الصناعية التي تجعل تلك الشركات الكبرى قابلة للحياة داخل عالم يتغير أسرع منها؟

اللامركزية التي تحولت إلى شبح

كان توزيع الإنتاج على بلدان عديدة يبدو عبقرية اقتصادية. إذا مرض مصنع، هناك مصنع آخر. إذا ارتفعت كلفة بلد، انتقل جزء من الإنتاج إلى بلد آخر. إذا أغلقت سوقا، افتتحت سوقا ثانية. لكن العالم اكتشف أن هناك فرقا بين توزيع الإنتاج وتوزيع الهشاشة. يمكنك أن تضع مصانعك في عشر دول، ثم تكتشف أن المواد التي تحتاج إليها تأتي من بلد واحد. يمكنك أن تملك عشرات الموردين، ثم تكتشف أن جميعهم يحتاجون إلى الطاقة نفسها. يمكنك أن تجعل رأس المال عابرا للحدود، ثم تكتشف أن الحدود لم تختف أبدا. كانت الحدود نائمة. الآن استيقظت. وهي لا تطلب جواز سفر. تطلب نفوذا.

لذلك عادت الدولة إلى المصنع

هذا هو التناقض الكبير في الاقتصاد الفرنسي والأوروبي اليوم. بعد عقود من الحديث عن تحرير الأسواق، بدأت الدولة تعود إلى المكان الذي كانت قد غادرته: المصنع. ليس باعتبارها صاحب المصنع، بل باعتبارها حارس القدرة على وجود المصنع. فرنسا وضعت 54 مليار يورو ضمن برنامج France 2030 لدعم الابتكار والقدرات الصناعية والتكنولوجية والسيادة الاقتصادية، والحكومة بدأت أيضا في 2026 بتوسيع البرنامج إقليميا لدعم تحديث الصناعة وإعادة توطين بعض الأنشطة. وهذا مهم. لأن «اللامركزية» لم تعد تعني فقط نقل النشاط من باريس إلى ليون أو تولوز أو ستراسبورغ. لقد أصبح السؤال أوسع: هل تستطيع فرنسا أن توزع قوتها الاقتصادية داخل أراضيها، وفي الوقت نفسه تمنع اعتمادها الخارجي من التحول إلى تبعية؟ هنا يصبح الاقتصاد أشبه بجسد غريب. الرأس في باريس. المصانع في الأقاليم. التمويل في الأسواق. الطاقة تأتي من شبكات أوروبية. المواد الخام من قارات أخرى. والرقائق الإلكترونية قد تأتي من مكان بعيد لا يعرفه المستهلك أصلا. ثم يأتي حدث جيوسياسي صغير… فيتضح أن كل هذا الجسد كان مربوطا بخيط واحد.

الهاوية ليست بالضرورة في الأسفل

لهذا أتحفظ على العبارة السهلة: «فرنسا ذاهبة إلى الهاوية الاقتصادية». الاقتصاد أكثر دهاء من ذلك. الهاوية الاقتصادية الحقيقية لا تكون حفرة سوداء. قد تكون اقتصادا يظل واقفا، لكنه يفقد تدريجيا الأشياء التي تجعله قادرا على الوقوف وحده. مصنع يغلق هنا. سلسلة توريد تنتقل هناك. شركة تشتريها مجموعة أجنبية. تقنية تصبح مستوردة. مهارة صناعية تختفي مع جيل من العمال. ثم يأتي شخص بعد عشر سنوات ليسأل: أين ذهب كل هذا؟ ولا يجد لحظة واحدة يمكن أن يسميها «لحظة السقوط». لأن السقوط حدث على دفعات صغيرة، مهذبة، إدارية، وبلا موسيقى. وهنا ربما تكمن المسألة الأهم بالنسبة إلى فرنسا. السيادة الاقتصادية لا تعني أن تصنع فرنسا كل شيء. ذلك مستحيل وغير عقلاني. ولا تعني أن تغلق أبوابها أمام العالم. بل تعني شيئا أكثر برودة: أن تعرف أي الأشياء يمكنك أن تفقدها، وأي الأشياء إذا فقدتها فقدت معها القدرة على اتخاذ القرار. قد تستورد هاتفا. لكن ماذا لو لم تستطع إنتاج الرقائق التي يحتاجها جيشك؟ قد تستورد الطاقة. لكن ماذا لو أصبحت أسعارها مرتبطة بحرب في مكان آخر؟ قد تعتمد على مصنع في الخارج. لكن ماذا لو أصبح المصنع، في ليلة واحدة، جزءا من قرار سياسي لا تملكه؟ هنا لا يعود السؤال: كم نربح؟ بل: كم من قرارنا الاقتصادي ما زال بأيدينا؟

موسكو ليست باريس، لكن المرآة واحدة

لا ينبغي مقارنة النظام الاقتصادي والسياسي الروسي بالفرنسي؛ الفارق هائل. لكن روسيا تقدم صورة متطرفة لما يمكن أن يحدث عندما تتحول الملكية العابرة للحدود إلى مسألة جيوسياسية. وهذه الصورة يجب أن تقرأ في باريس لا كإنذار روسي، بل كدرس أوروبي. لأنّ أوروبا بنت جزءا كبيرا من ثروتها على فكرة أن التجارة تخفف الصراعات، وأن الاعتماد المتبادل يجعل الجميع أكثر عقلانية. ثم جاء القرن الجديد ليقترح احتمالا معاكسا: قد يجعل الاعتماد المتبادل الجميع أكثر ثراء في زمن السلم، وأكثر هشاشة في زمن الصراع. وهذه ليست نهاية العولمة. إنّها نهايتها البريئة. العولمة المقبلة ستكون أكثر حذرا، وأكثر سياسية، وأكثر اهتماما بالموانئ والطاقة والرقائق والمعادن النادرة والبيانات. سيصبح المدير التنفيذي مضطرا إلى قراءة خريطة العالم قبل قراءة تقرير الأرباح. ربما لهذا يتغير تعريف رجل الاقتصاد نفسه. لم يعد ذلك الرجل الذي يجلس أمام شاشة مليئة بالمنحنيات ويحسب معدل العائد. إنّه الرجل الذي يسأل: ماذا يحدث إذا أغلق المضيق؟ ماذا يحدث إذا تغيرت الحكومة؟ ماذا يحدث إذا أصبحت التكنولوجيا التي أحتاج إليها خاضعة لعقوبات؟ ماذا يحدث إذا امتلك الآخرون المصنع، وأنا أمتلك فقط العلامة التجارية؟ ماذا يحدث إذا بقيت الشركة فرنسية في الإسم، لكنّها أصبحت أجنبية في القرار؟ هذه الأسئلة ليست تشاؤما. إنّها محاسبة جديدة للخطر. والاقتصاد الفرنسي يحتاج إليها أكثر من حاجته إلى العبارات الكبيرة.

آخر المشهد

في القرن الماضي، كان يمكن أن تتخيل المصنع كقلعة. اليوم هو أقرب إلى كائن بحري شفاف: قلبه في مكان، وأعصابه في مكان آخر، وغذاؤه يعبر خمسة حدود، ومعلوماته تطير عبر الأقمار الصناعية، وماله لا يحمل جواز سفر. ثم تأتي دولة ما، في لحظة سياسية واحدة، وتضع يدها على أحد أطرافه. فيكتشف العالم أنّ الكائن الذي ظنّه بلا وطن كان له وطن. وأنّ الخريطة، التي بدت طوال عقود مجرد خلفية للصفقات، كانت تجلس في الغرفة نفسها. صامتة. تراقب. وتنتظر اللّحظة التي يصبح فيها الموقع أهم من السعر، والسيادة أهم من الكفاءة، والقدرة على الاستمرار أهم من الربح نفسه. السؤال الفرنسي، إذن، ليس إن كانت فرنسا ذاهبة إلى الهاوية. السؤال أكثر هدوءا وأشد قسوة: حين يأتي العالم المقبل، هل ستكون فرنسا مالكة لاقتصادها، أم مجرد مالكة لأسهم فيه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *