بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليس الكتاب عند الجاحظ شيئا يقع بين غلافين، ولا جسما من ورق يستريح على رفّ، ولا حروفا متراصة كأنّها قطيع نمل أسود يمشي في صحراء بيضاء. إنّما هو عالم انضغط حتى صار في كف، وبحر طويت أمواجه ثم حبست بين جلدتين، ودهر طويل اختصر طريقه، فجاءك في ساعة من نهار. وإذا كان علم النفس قد جعل من الذاكرة والانتباه والخيال أبوابا لفهم الإنسان، وكان علم التاريخ ينظر في بقايا الأمم وآثارها ليعيد تركيب ما انكسر من الزمن، فإن الجاحظ قد جمع هذه المعاني في صورة واحدة، وجعل الكتاب ذاكرة للغائب، ومجالا للعقل، وصحبة للنفس، ومسرحا تتعاقب عليه أعمار الناس. يقول: «الكتاب وعاء مليء علمــا، وظرف حُشي ظرفا، وإناء شُحن مزاحا وجدا». وما أعجب هذا الوعاء الذي لا يفيض إذا ملأته، ولا يثقل إذا حملته، ولا يضيق بما أودعته فيه! إناء يسع الجد والهزل، والحكمة والنوادر، والموعظة والطرفة. فإذا أردت منه صرامة الحكيم وجدته، وإذا طلبت منه خفة الظريف أقبل عليك، وإذا استدعيت فيه صوت الواعظ خرج إليك، وإذا فتشت عن نادرة تضحك بها من عبوس العالم أخرج لك من جيبه ما يوسع به صدر النهار. ولم يقف الجاحظ عند وصف الكتاب بما فيه، بل جعله قابلا لأن يتشكل على مقدار القارئ، فقال: «إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيى من باقل». فالكتاب لا يتكلم وحده، وإنما ينتظر من يفتح له باب الكلام. هو أبكم في يد الغافل، بليغ في يد المتأمل، حكيم عند طالب الحكمة، وظريف عند من يلتمس الطرفة. وكأن الحروف فيه طيور محبوسة، لا تخرج من أقفاصها إلا حين يمد القارئ يده إلى المعنى.
وهذه إحدى عجائب الجاحظ الكبرى: أنه لا يرى القراءة أخذا من الكتاب فقط، بل يراها استنطاقا له. يقول: «صامت ما أسكتته، وبليغ ما استنطقته». فالكتاب عنده ليس خزينة مغلقة، وإنما عقل نائم ينتظر من يوقظه. وما القارئ إلا ساحر يمرر عينه على السطور، فتتحرك في القبر أصوات الموتى، وتنهض من رماد القرون وجوه لم يعد لها في الدنيا ظل. ثم يبلغ الجاحظ في تصويره مبلغا لا تكاد تلحقه فيه عبارة، فيقول: «ومتى رأيت بستانا يحمل في ردن، وروضة تقلب في حجر، وناطقا ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء؟». فالبستان هنا ليس له ماء ولا شجر، وإنما له أفكار تتفرع، ومعان تتورق، وحكم تنضج على أغصانها. والروضة ليست أرضا يطؤها القدم، بل فسحة يطوف فيها العقل. وأما الناطق الذي لا فم له، فهو الكتاب الذي يبعث أصوات من غابوا، ويجعل الميت أقدر على مخاطبتنا من كثير من الأحياء.
ولذلك كان الكتاب عند الجاحظ من أعظم الحيل التي اخترعها الإنسان على الزمن. فالزمن يأكل الوجوه، ويمحو الخطى، ويطمر المدن تحت تراب النسيان، لكن الكتاب يضع في وجهه مرآة لا يقدر على كسرها. فيه أخبار القرون الماضية، وتجارب الأمم البائدة، وحكم الحكماء، وأمثال الناس، وطرائق العيش في البلاد المتنازحة. وما المؤرخ إلا رجل يفتش في هذا الصندوق العجيب عن مفاتيح أبواب أغلقتها السنون. فالكتاب عند الجاحظ لا يحفظ الخبر فحسب، بل يحفظ إمكان عودته إلى الحياة. يقول: «ولا أعلم نتاجا في حداثة سنّه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان وجوده، يجمع من التدابير العجيبة والعلوم الغريبة… ما يجمع لك الكتاب». وكأنّه يقول إن أعجب ما في الكتاب أنّه حديث الولادة، قديم الروح؛ رخيص الثمن، عظيم الخطر؛ صغير الجسم، واسع العمر. تراه في يد غلام، وفي جوفه تجارب شيخ أدرك انقراض أمم؛ تشتريه بدرهم، فإذا به يفتح لك أبواب خزائن لا يستطيع المال وحده أن يفتحها.
ثم يلتفت الجاحظ إلى الجانب الذي لا يقل عجبا عن العلم، وهو صحبة الكتاب للنفس. يقول: «ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك، ولا ينطق إلا بما تهوى، آمن من الأرض، وأكتم للسر من صاحب السر». إن الكتاب عنده رفيق لا يطالبك بأن تكون في أحسن هيئة، ولا يسألك لماذا تأخرت، ولا يعاتبك إذا خالفته، ولا يضيق إذا أعدت السؤال. هو صاحب لا يمد يده إلى وقتك إلا بإذنك، ولا يقتحم عليك خلوتك إلا إذا دعوته. وفي هذا الوصف شيء من علم النفس قبل أن يتخذ علم النفس اسما ومصطلحات. فالجاحظ يدرك أن الإنسان لا يحتاج إلى من يملأ أذنه بالكلام دائما، بل يحتاج أحيانا إلى رفيق يترك له مساحة الصمت، ويمنحه فرصة أن يراجع نفسه، ويعيد ترتيب ما اضطرب في داخله. الكتاب لا يخاصم القارئ، لكنه قد يخاصم أوهامه؛ لا يرفع صوته عليه، لكنه قد يهدم في رأسه بيتا أقامه الجهل حجرا فوق حجر.
ولعل شهادة ابن الجهم التي ساقها الجاحظ تكشف عن هذه اللذة الخفية في أوضح صورها. فقد كان إذا غشيه النعاس في غير وقت نوم تناول كتابا من كتب الحكمة، فوجد في طلب الفائدة من النشاط ما هو أشد إيقاظا من «هدة الهدم». وما هذه الصورة إلا وصف لقلب وجد في المعرفة ما لم يجده في الراحة. ثم إذا استحسن الكتاب، أخذ ينظر ساعة بعد ساعة كم بقي من ورقه، مخافة أن ينفد الكتاب وينقطع ما يسميه الجاحظ، في معنى بديع، مادة القلب. إن القارئ هنا لا يخشى فراغ الرف، بل يخشى فراغ العالم. يخاف أن تنتهي الصفحات كما يخاف المسافر أن تنتهي له الطريق قبل أن يبلغ المدينة التي طال شوقه إليها. فالكتاب عنده ليس شيئا يستهلكه، وإنّما شيء يتغذى به؛ وكل صفحة تنقضي تترك في النفس فراغا يشبه فراغ المائدة بعد الوليمة، إلاّ أنّ الجائع هنا ليس البطن، وإنّما العقل. ومن أجل ذلك يرفع الجاحظ حبّ الكتب إلى مرتبة لا يبلغها إلا من عرف قدر العلم. يقول: «فالإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه، ولا بدّ من أن تكون كتبه أكثر من سماعه». إنّ العلم عنده ليس زينة تعلق على جدار النفس، ولا ثوبا يلبسه المرء أمام الناس، بل هو شهوة عاقلة، ومحنة لذيذة، وإنفاق لا يشعر صاحبه أنّه أنفق، لأنّه كلّما أخرج من ماله شيئا في الكتب عاد إليه من المعنى ما لا يقدر المال على شرائه.
وهنا تظهر عبقرية الجاحظ في أبهى صورها: فهو لا يمدح الكتاب لأنّه يحشد المعلومات، بل لأنّه يصنع من الإنسان إنسانا آخر. يوسّع صدره، ويشحذ طبعه، ويبسط لسانه، ويجود بيانه، ويجعله يرى العالم بأكثر من عين. فالكتاب لا يمنحك عالما جاهزا، وإنّما يمنحك القدرة على أن ترى العوالم التي كانت مختبئة خلف الأشياء. إنّه معلم لا يرفع عصاه، وواعظ لا يعقد مجلسا، ومسامر لا يطلب ضيافة، وناسك يسكن في الورق، وفاتك يضحك من صرامة الناس، وناطق أخرس لا يفتح فمه إلا إذا فتحت أنت عينيك. وهو، فوق ذلك كلّه، حيلة الإنسان في أن يجعل عقله أطول عمرا من جسده. ولذلك فإن حديث الجاحظ عن الكتاب ليس حديثا عن أداة من أدوات العلم، بل عن أحد أعظم اختراعات الروح البشرية. فالكتاب عنده بستان محمول، وروضة مطوية، وذاكرة لا تشيب، وصوت لا يموت، ورفيق لا يمل، وعالم يستطيع الإنسان أن يضعه على ركبتيه، ثم يخرج منه إلى أوسع ما في الوجود. ومن هذا الباب سنعود إلى الجاحظ في مقالات أخرى، فننظر في حديثه عن العرب، وعن الضحك والبكاء، وعن الطباع والعادات، وعن الحيوان واللغة والحكاية، وعن تلك التفاصيل التي كان يلتقطها من أطراف الحياة كما يلتقط الصائغ حبات الذهب من تراب الطريق. فالجاحظ لا يترك شيئا يمر أمامه دون أن يسأله عن سره، ولا يرى في الهامش هامشا، إذ قد يكون في ضحكة ما لا يكون في خطبة طويلة، وقد تختبئ في دمعة واحدة حكاية أمة كاملة.
يتبع…
