بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة سجون لا تحتاج إلى جدران عالية كي تسجن الإنسان، وثمة جدران من الإسمنت قد تعجز، في لحظة ما، عن سجن فكرة واحدة. في زنزانة ضيقة، حيث لا مكتبة ولا حاسوب ولا شبكة إنترنت، وحيث العالم الخارجي لا يصل إلا على هيئة صوت بعيد أو شريط ضوء يتسلل من نافذة، جلس عالم روسي بورقة وقلم، وبدأ يفعل الشيء الذي تخشاه كل السجون: يفكر. كان أزات ميفتاخوف، عالم الرياضيات الروسي، يقضي سنوات خلف القضبان، ومع ذلك واصل الاشتغال على مسألة رياضية معقدة، مستخدما ما توفر له من ورق وقلم. وكأن السلطة أغلقت عليه الباب، ثم اكتشفت، متأخرة، أن الرياضيات لا تحتاج إلى تصريح دخول.
هنا تصبح الحكاية أكبر من عالم رياضيات في زنزانة. إنها حكاية قديمة عن ذلك الكائن الغريب الذي اسمه العقل، والذي كلما حاول أحدهم وضعه داخل قفص، أخذ يبحث عن ثقب في القفص نفسه. تقول أمي خيرة، في واحدة من حكمها التي تصلح أحيانا لتدريس الفلسفة السياسية من دون أن تضطر إلى ارتداء قبعة أكاديمية: «إلى حبست الجسد، ما تحبسش الفكرة». ثم تضيف، وهي تقلب كأس الشاي كأنها تدير ندوة فلسفية في سوق شعبي: «العقل ما عندوش باب، غير إلا صدق صاحبو أنه مسدود». ربما كانت أمي خيرة تعرف شيئا لم تعرفه السجون منذ آلاف السنين. سقراط لم يحتج إلى جامعة وهو ينتظر الموت. بوثيوس كتب تأملاته الفلسفية وهو ينتظر نهايته. غرامشي حوّل السجن إلى مختبر طويل لفحص السلطة والثقافة واللغة. دوستويفسكي خرج من تجربة السجن أكثر انشغالا بالإنسان، لا أقل. وفي كل هذه الحالات، لم يكن السجن مدرسة للعبقرية، كما يحب الأدب الرومانسي أن يوهمنا، بل كان عائقا حاول العقل أن يعمل من خلاله، لا بسببه.
وهنا تكمن المفارقة. السجن لا يمنح العقل أجنحة. السجن يحاول كسر الجناحين، والعقل، في لحظة عناد غريبة، يبدأ بالطيران حتى بعظام الجناحين. الفرق هائل. لأن تمجيد السجن باعتباره مكانا لصناعة العباقرة نوع من الكوميديا السوداء. لا ينبغي أن نشكر القيود لأنها دفعت الإنسان إلى الإبداع، كما لا ينبغي أن نشكر المرض لأنه جعل شاعرا يكتب قصيدة جميلة. هناك أشياء جميلة تولد رغم القسوة، لا بفضلها. الرياضيات، في هذه القصة، تبدو كأنها أكثر الأشياء سخرية من السجان. فالسجان يستطيع أن يصادر كتابا، ويمنع حاسوبا، ويغلق نافذة، ويحصي الأوراق، لكنه لا يستطيع أن يصادر العدد سبعة، ولا أن يضع رقابة على الاحتمالات، ولا أن يستجوب معادلة عن نواياها السياسية. يمكنه أن يقول للإنسان: لن تخرج. لكن السؤال الرياضي يجيبه: ومن قال إنني أريد الخروج؟
هنا يبدأ العقل في بناء سجنه المضاد. زنزانة داخل الزنزانة، لكن جدرانها من الأسئلة. وفي هذا السجن الثاني لا يكون الإنسان سجينا تماما، لأنه يستطيع أن يغير الجدار كلما غير الفكرة. وهذا هو الشيء الذي تخشاه السلطات المغلقة أكثر من أي احتجاج في الشارع: إنسان اكتشف أن المساحة الحقيقية لحريته لا تبدأ من عرض الغرفة، بل من اتساع السؤال. أمي خيرة كانت ستقول، بلا شك: «إلا ما قدرتش تفتح الباب، قلب على شكون بناه». وربما تكون هذه الجملة البسيطة أكثر خطورة من مئة كتاب في الفلسفة السياسية. لأن السؤال لا يكتفي بمحاولة فتح الباب. السؤال يريد أن يعرف لماذا يوجد الباب، ومن وضعه، ومن يملك المفتاح، ولماذا صدق الجميع أن الباب يجب أن يبقى مغلقا. لهذا ظل الفكر، عبر التاريخ، أكثر المخلوقات إزعاجا للسلطة. ليس لأنه يحمل حجرا، بل لأنه يحمل علامة استفهام.
السجون تعرف كيف تتعامل مع الأجساد. إنها بارعة في الأقفال والممرات والحراس والأرقام. لكنها، منذ العصور القديمة، لم تجد طريقة فعالة لحراسة الفكرة وهي في طريقها إلى الرأس. يمكنك أن تحبس الفيلسوف، لكن لا يمكنك أن تحبس السؤال الذي تركه وراءه. يمكنك أن تصادر القلم، لكن لا يمكنك أن تفتش الجملة قبل أن تولد. يمكنك أن تغلق الباب، لكنّك لن تعرف أبدا من أين دخل الضوء. وهكذا، في مكان صمم لكي يكون نهاية الحركة، يبدأ شيء آخر: حركة لا تحتاج إلى قدمين. ورقة صغيرة، قلم عادي، ومسألة رياضية تبدو للوهلة الأولى كأنّها لعبة اخترعها الكون ليعاقب البشر على غرورهم. ومع ذلك، يجلس إنسان خلف القضبان ويطاردها. العالم كلّه خارج الزنزانة، لكنّه في تلك اللحظة قد يكون أقل حرية من رجل داخلها، لأنّ الحرية ليست دائما القدرة على الذهاب إلى مكان آخر. أحيانا تكون القدرة على الذهاب إلى فكرة أخرى. وهذه، ربما، هي المفارقة التي لم تنتبه إليها السجون طوال تاريخها الطويل: السجن أغلق الباب. لكن أحدا نسي أن يقفل السؤال.
