تتمة,قصة بقلم زكية لعروسي، رئيسة التحرير- باريس2023
عاد إلى وطنه، لكنّه لم يأخذها معه. عاد بجسده فقط، أما روحه فقد بقيت هناك، في المدينة التي جمعتهما، في المقاهي التي شهدت همسهما، وفي الأزقة التي خبأت خطواتهما. كانت حقيبته مليئة بالكتب، برسائل لم تُكتب، وبحنين يزداد ثقله كلما مضت الأيام، لكنها لم تكن مليئة بها. أما هي، فبقيت في مكانها، لكنها لم تبق كما كانت. قررت أن تحوّل ذلك الحنين إلى شيء أكثر نقاء، إلى علاقة تتجاوز الجسد، وتتجاوز الرغبات العابرة، إلى حب يتنفس اللهيب دون أن يلوثه الطين، ودون أن ينطفئ حين يلامس الواقع. أرادت أن تثبت أن الحب والصداقة ليسا نقيضين، بل يمكن أن يتعاليا معا، وأن يصيرا نسيجا واحدا، كالصوف الذي كانت تغزله بيديها: ناعما لكنه صلب، دافئا لكنه لا يحترق.
كانت تتحدث إليه من بعيد، عبر رسائل طويلة لا تحمل توقيعها، وعبر مقاطع شعرية تتركها بين سطور الكتب التي تعرف أنه سيقرؤها. كانت تهرب إليه في الحروف، لكنه لم يكن يعلم، أو ربما كان يعلم لكنه يخشى أن يواجه الحقيقة: أنه، وإن عاد إلى وطنه، لم يغادرها حقا. أما هو، فقد حاول أن يكون عقلانيا. حاول أن يقنع نفسه أن ما كان بينهما لم يكن سوى جنون عابر، لحظة اشتعال كان لا بد لها أن تنطفئ. لكنه كان يشتاق. كان يشتاق إلى حواراتها عن الحياة لا الموت، عن الأمل لا الفناء. كان يشتاق إلى نقاشاتهما عن الشعر والفكر، عن المدن التي لم يزوراها، لكنها صارت أوطانا لهما في الخيال.
وذات يوم، بعد شهور من الصمت، وصلته منها رسالة قصيرة، مقتضبة، لكنها حملت بين سطورها كل ما لم تقله: «هل تظن أن الحب لا يمكن أن يكون فكرة؟ أن يكون كالموسيقى، يعيش في الهواء لكنه لا يُمسك؟» أمسك بالورقة طويلا. شعر كأنه يسمع صوتها وهي تهمس بتلك الكلمات، كأنّها أمامه، تمسك بفنجان قهوتها وتحدّق في البعيد، في شيء لا يراه لكنّه يشعر به. وأدرك فجأة أنه مهما حاول، لن يستطيع أن ينساها. لم تكن مجرد امرأة مرت في حياته، بل كانت الفكرة التي غيرته، والسؤال الذي لم يجد له إجابة، والحب الذي لا يُستهلك ولا ينتهي، لأنّه لا يعتمد على الجسد، بل على نار لا يطفئها الزمن. ابتسم، وكتب لها: «الحب فكرة؟ ربّما. لكنك كنت أجمل أفكاري.»
تنفست الصعداء، كأنّها تستعيد يقينا غاب عنها طويلا، وكتبت له:
«كنت أخشى أن يكون حب العربي مجرد حبر على ورق، وأن يكون أسطورة مسجونة بين صفحات الكتب الصفراء، وماضيا لا يجرؤ الحاضر على إعادته. لكنك جددت ثقتي في العروبة حين تعشق، وفي صدق المشاعر التي لا تُكتب لمجرد البلاغة، بل تُعاش كأنها صلاة، وفي الصوف النقي الذي لا تلوثه الأنانية ولا تضعفه المسافات.»
لم تكن مجرد عاشقة. كانت روحا ترفض أن يسقط الحب في وحل الغرائز. كانت تؤمن أن العشق لا يكون عظيما إلا إذا استعصى على الفناء، وإذا بقي في حيز الفكر، نقيا كضوء القمر فوق كثبان الجنوب، كريح صحراوية تهب دون أن تستأذن أحدا. كانت تعيش مع رابعة العدوية في صوفيتها، وتمزج بهارات قهوتها كل صباح كأنها تكتب بها تعويذة عشق، وتحاكي شهرزاد في سطورها، لا خوفا من الموت، بل شغفا بالحكاية. لكنها لم تكن تريد أن تكون مأساة أخرى في تاريخ الحب العربي. لم تكن تريد أن تكون ليلى أخرى تنتهي في العزلة، أو بثينة يطويها النسيان بعد أن يحرسها عاشق لم يُكتب له الوصال.
كانت تؤمن أن العشق لا يعني النهاية، بل يعني البقاء. ولهذا كتبت له:
«نحن قوم إذا أحببنا… عشنا.»
كانت تلك ثورة، وليست مجرد كلمات. كانت تمحو قرونا من الفناء الذي التصق بالحب العذري. كانت تجعل الحب مقاومة للزمن، وتجعل منه فكرة لا تحتاج إلى جسد كي تتجسد، بل تحيا بذاتها، وتحيا لأنها أقوى من أن تموت. أما هو، فقرأ كلماتها كأنها يقين جديد يُكتب له وحده. كان يراها كما لم ير امرأة من قبل. كانت حلما يراوده، لكنه لا يحتاج أن يمسكه بيديه كي يصدقه. كانت تجسيدا للحب الذي لا يُستهلك، ولا يضعف، ولا يخضع لقوانين الأرض. كتب لها، وكأنه يعلن ولاءه لما خلقته فيه:
«إن كنتِ تعيشين مع رابعة في الصوف، ومع شهرزاد في الحكايات، فأنا أعيش مع قيس في الجنون، ومع جميل في الانتظار. لكنني أعدك، لن أموت عشقا… سأحيا بك. ولكن لا أخفيك أنني أتساءل: لماذا تجتمع في داخلي الرغبة في شم عبير زهرتك، والرغبة في اعتصارها؟»
ابتسمت ابتسامة خفيفة تشبه نسمة تمر بين أغصان شجرة ياسمين في ليلة صيفية. لم يفاجئها سؤاله. كأنها كانت تنتظره منذ زمن بعيد. وكتبت:
«لأنك رجل، ولأن الحب عند الرجال لا ينفصل دائما عن الرغبة. ترى الزهرة فتسحرك رائحتها، لكنك لا تكتفي بالشذا، تريد أن تطبق عليها راحتيك، وأن تضمها بين يديك، كأن الجمال لا يكون كاملا إلا حين يصير قريبا من اللمس. تريد أن تشعر أن الجمال ليس عابرا، بل ملموسا بين أصابعك. لكن هل فكرت يوما أن بعض الزهور تموت حين نعتصرها؟ وأن بعضها لا تُقطف إلا لتموت؟ وأن عبير العطر حين يُحبس، يختنق ويفقد سحره؟ جوهر الزهور في كونها حرة. في كونها تمنحك الجمال دون أن تطلب منك إلا أن تتركها كما هي.»
توقفت لحظة، كأنها تخشى أن يفهم إجابتها كموعظة. تركت لكلماتها أن تتنفس، ثم أكملت:
«أنا لا أريد أن أكون زهرة تُسحق بين يدي الشوق. لا أريد أن أكون زهرة تُقطف ثم تذبل بين يديك. ولا قصيدة تُستهلك على شفتي الاشتياق. أريد أن أكون العطر الذي يلازم أنفاسك حتى وأنت في أقصى الأرض. أريد أن أكون الفكرة التي تسكنك دون أن تحتاج إلى لمسها. أريد أن أكون نارا لا تلسعك، لكنها تدفئك. أريد أن أكون التي تحبها دون أن تضطر إلى امتلاكها. أليس هذا أبلغ من كل الرغبات؟ أليس هذا هو العشق في أسمى تجلياته؟»
كان يقرأ كلماتها كمن يتلقى حكمة لم تخطر له من قبل، كمن يفتح نافذة على سماء لم يرها من قبل، وكمن يكتشف أن العشق ليس صراعا بين الروح والجسد، بل مساحة تتجاور فيها الرغبة والرحمة، والقرب والحرية، دون أن يلغي أحدهما الآخر. أراد أن يكتب لها ردا. أراد أن يجد مخرجا لهذا التيه الذي أوقعته فيه. أراد أن يدافع عن نفسه، عن فطرته، عن ذلك الجزء منه الذي يريد الاقتراب منها لا الاكتفاء بتخيلها. لكنه توقف. وأدرك أن كل ما يمكن أن يقوله سيكون أقل مما قالت. وفي تلك اللحظة، عرف أنها ليست مجرد زهرة. كانت الحديقة كلّها. أرادها نبضا يتجسد في المعنى، وأرادته فكرا يتجلى في اللّغة. كانت سدرة المنتهى في مجرة الظلام، وكان هو النور الذي يتسرب من شقوق المستحيل. عشق احتضن كبرياء العروبة واتساع رحمها، وحكاية لم تُكتب بمداد، بل بدم يسري في عروق الزمن. هو الخلاص، وهي العمق. كائنان من نسيج الأسطورة، يتعانقان كقصيدة صوفية تتلاشى فيها عيون الفلاسفة، كأنهما ولادة ثانية للمعنى في محراب الدهشة.
التقت الروح بالفكر، وتحطمت الحدود بين الحلم والحقيقة. امتزجت اللغة بالفلسفة، كأنهما معراج للمعنى في ليل بلا يقين. هي البحر، وهو الموج. يذوب أحدهما في الآخر دون فكاك. وفي أفق المعنى، تعانقا حتى صار الزمن دهشة، وانكسرت مرايا الاعتياد. هناك، حيث تتلاشى الأضداد، لم يعد السؤال سؤالا. بل صار قدرا. فهل ثمة معترض، أم أن الاعتراض ذاته صار لغزا يبحث عن تأويل؟ تلاشت الكلمات أمام وهج روحها، كأنّها ضوء يتناثر في سماء روحه دون أن يستقر. أدرك فجأة أن الحب ليس وعدا يُكتب، ولا لقاء يُرتّب، ولا جسدا يقترب من جسد. الحب قدر يمضي فيك حتى آخر حدودك، يجعلك أكثر امتلاء كلما فقدت شيئا، وأشد شوقا كلما ابتعدت. لم يكن يبحث عن يقين. فقد صار هو نفسه سؤالا يتردد في صدى وجودها، كأنه نَفَسُها المعلق بين الحضور والغياب، كأنّها الموسيقى التي لا تنتهي. وفي تلك اللحظة، أغلق رسالته دون أن يرسلها. لم يكن ذلك هروبا. كان تحريرا للحب من قيد اللحظة، ومن صغر الكلمات. لم يحتج أن يبوح بشيء، لأن وجودها فيه كان الحقيقة التي لا تحتاج إلى برهان. لم يكن عاشقا في قصيدة ، بل تلميذا في معبد العشق، شاعرا يكتب على جدران الزمن قصة لن تمحوها رياح النسيان. كان حبها شجرة خرافية تنمو في روحه بلا أرض، بلا جذور مرئية، لأنّها وجدت وطنها الأبدي هناك. حيث لا موت. وحيث لا نهاية. حيث الحب هو البداية والنهاية معا.
وفي الجانب الآخر، كانت هي تمضي في صمتها، منهكة من ثقل هذا الحب الذي صار عاصفة تسكن صدرها. كانت تحاور نفسها وسط أنفاس متقطعة: هل أذنبت حين عذّبته دون أن أدري؟ هل كان ذنبي أنني أحببته حد الانهيار؟ ولماذا هو، من بين كل البشر؟ لم تعرف إن كان ذلك نداء الأرواح أم لعبة القدر، لكنّها كانت تعرف يقينا أنّها أحبته حتى آخر ما فيها من نبض، حتى كادت أضلعها تضيق بهذا الشعور. كان حبه زلزالا اجتاح كيانها، اقتلع كل شيء في داخلها، وتركها مكشوفة، تتأرجح بين الخوف والشوق، بين التوق إليه والهروب منه. اختارت الرحيل. لا لأنّه كان الحل، بل لأنّه كان النجاة الوحيدة له. أحبته حد الرغبة في حمايته حتى من نفسها، من أنفاسها، من ظلال تعبها الذي قد ينهكه دون أن تدري. أرادت أن تحفظه نقيا، بعيدا عن كل عاصفة تسكن روحها. فأغلقت الباب على قلبها، على نبضها الذي تردد باسمه، وظلت تراقبه من بعيد. كيف لها أن تجرحه وهو ساكن في أعماقها؟ كيف تؤذيه وهي التي لم تتنفس سوى حلم أن يكون بخير، حتى لو كان ذلك بعيدا عنها؟ كانت تعرف أن هذا الحب لن يموت، لأنه لم يُخلق ليُستهلك في لقاءات عابرة، بل ليمضي في روحيهما كحكاية خالدة، كوشم على صدر الزمن، لا يبهت، ولا يُنسى، ولا ينتهي. لكنها لم تكن تعرف شيئا واحدا. أن الحب الذي نحاول حمايته من الحياة قد يتحول، من حيث لا ندري، إلى سجن. وأن الصمت الذي نختاره رحمة قد يصبح في قلب من نحب أشد أنواع الغياب قسوة.
مرت الأيام. ثم الأسابيع. ثم شهور طويلة صار فيها الشتاء يتعاقب مع الربيع، والربيع مع صيف آخر، بينما بقي شيء واحد لا يتغير: تلك المسافة الغامضة التي لم تكن تفصل بينهما بالأرض، بل بالخوف. كان هو يكتب لها رسائل كثيرة. رسائل عن صباحاته. عن الكتب التي يقرأها. عن المدن التي يمر بها. عن أبيه الذي كان يسأله أحيانا لماذا صار شارد الذهن. وعن أمّه التي كانت تضع فنجان قهوة إضافيا على المائدة دون أن تعرف لماذا. كان يكتب لها، ثم لا يرسل. وكانت هي تفعل الشيء نفسه. تكتب له عن وحدتها. عن القهوة التي لم تعد تشبه قهوتها منذ غاب. عن الكتب التي صارت ثقيلة لأنها لم تعد تجد من تناقشه في هوامشها. عن أغنية سمعتها في مقهى فبكت دون أن تعرف لماذا. ثم تطوي الورقة. وتضعها في صندوق خشبي صغير.
وهكذا، صار لكل واحد منهما أرشيف كامل من الكلام الذي لم يصل. حتى جاء يوم قرر فيه هو أن ينهي هذا الصمت. لم يعد يحتمل أن يعيش حبا لا يعرف هل ما زال حيا في الطرف الآخر أم تحول إلى مجرد ذكرى جميلة. فتح صندوق رسائله. قرأ واحدة. ثم ثانية. ثم ثالثة. حتى وصل إلى آخر ورقة. كانت تحمل جملة واحدة:
«أخشى أن أكون قد أحببتك بالطريقة التي تجعلك تظن أنني لا أريدك، بينما الحقيقة أنني أريدك أكثر مما ينبغي.»
ظل ينظر إليها طويلا. ثم ضحك. لم يكن ضحك فرح. كان ضحك رجل اكتشف متأخرا أن الخوف كان يكتب قصتهما بدلا منهما. في تلك الليلة، اتخذ قرارا. لم يكتب رسالة. لم يرسل قصيدة. لم يبحث عن استعارة جديدة. فقط اشترى تذكرة. وعاد إلى المدينة التي ترك فيها نصف روحه. عاد دون أن يخبرها. وحين وصل، كانت المدينة كما تركها تقريبا. المقهى القديم. الشارع الضيق. شجرة الياسمين التي كانت تتدلى فوق الشرفة. والمقعد الذي جلسا عليه ذات مساء وتحدثا ثلاث ساعات عن الحب، ثم اكتشفا أنهما لم ينطقا كلمة «أحبك» مرة واحدة. وقف أمام المقهى. كان قلبه يخفق كما لو أنه يعود للمرة الأولى. دخل. نظر حوله. لم يجدها. جلس في المكان نفسه. طلب قهوة. ثم انتظر. لم يكن يعرف ماذا ينتظر. بعد دقائق، جاءت النادلة. وضعت الفنجان أمامه. ثم قالت:
هناك امرأة كانت تجلس هنا كثيرا. قالت لي ذات يوم إن رجلا سيعود يوما ما، وإنها لا تعرف متى.» تجمد في مكانه.»سألها:
ماذا قالت أيضا؟
ابتسمت النادلة وقالت:
«قالت: إذا عاد، لا تسألوه أين كان. قولوا له فقط إنني لم أرحل.»
نظر إلى الباب. وفي اللّحظة نفسها، انفتح. دخلت هي. لم تكن ترتدي شيئا استثنائيا. لم تكن تحمل وردا. لم تكن هناك موسيقى. ولم يتوقف العالم كما يحدث في الروايات. كل ما حدث أن عينيها التقتا بعينيه. وكان ذلك كافيا. توقفت في مكانها. لم تتقدم. ولم يتقدم. وبينهما، عبرت كل تلك السنوات في ثانية واحدة. قالت بصوت خافت:
«لماذا عدت؟»
نظر إليها طويلا، ثم قال:
«لأنني اكتشفت أنني كنت أخاف أن أمتلكك، فابتعدت. ثم اكتشفت أنني كنت أخاف أن أفقدك، فعدت.» ابتسمت بحزن. وقالت:
«وأنا رحلت لأنني خفت أن أمتلكك أيضا.»
سكت قليلا. ثم سألها:
«وهل ما زلت تخافين؟»
خفضت عينيها. «نعم.» «وأنا أيضا.» رفعت عينيها إليه. فقال:
«لكنني لم أعد أريد أن أهرب.»
بقيت صامتة. ثم اقتربت خطوة. لا أكثر. وقالت:
«ولا أنا.»
في تلك اللحظة، لم يحتج أي منهما إلى وعد. لم يحتج الحب إلى قسم. ولم يحتج الشوق إلى جسد. جلسا في المقهى نفسه، أمام فنجاني قهوة، كما لو أن الزمن لم يمض. لكن شيئا واحدا كان قد تغير. لم يعودا يريدان أن يعيشا حبهما ضد الحياة. أرادا أن يعيشاه داخلها. لا كقيد. ولا كامتلاك. ولا كحكاية مأساوية جديدة عن عاشقين كتب عليهما الفراق. بل كاختيار. كان هو يريد أن يحبها دون أن يختصرها في جسد. وكانت هي تريد أن تحبه دون أن تحرمه من حقه في الرغبة. فهم كلاهما، أخيرا، أن الحب الناضج لا يعني قتل الرغبة، كما لا يعني الاستسلام لها. إنما يعني أن تعرف أين تنتهي يدك، وأين تبدأ حرية من تحب. مد يده فوق الطاولة. تردد لحظة. ثم تركها هناك. لم تمسكها. وضعت يدها بالقرب منها فقط. وكانت المسافة بين اليدين أصغر من أن تكون فراقا، وأكبر من أن تكون امتلاكا. نظر إليها وقال:
«أتعرفين ما الذي تعلمته؟»
«ماذا؟»
«أنني لم أكن أريد أن أقطف الزهرة.»
نظرت إليه باستغراب. فابتسم وقال:
«كنت أريد فقط أن أتأكد أنني لست أحلم.»
ابتسمت. ثم قالت:
«والآن؟»
نظر إلى عينيها:
«الآن عرفت أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى أن نلمسها كي تكون حقيقية.»
سكتت قليلا، ثم قالت:
«وبعض الأشياء تحتاج أن نقترب منها كي لا تتحول إلى وهم.»
كانت تلك المرة الأولى التي لم يخشيا فيها الحقيقة. اقترب منها. ليس كمن يريد أن يمتلك. بل كمن يريد أن يصغي. وقالت له: «ربما أخطأنا حين ظننا أن علينا الاختيار بين الروح والجسد.»
قال:
«ربما كان علينا فقط أن نتعلم كيف نجعل الجسد لغة للروح، لا سجنا لها.»
نظرت إليه طويلا. ثم ابتسمت. وفي تلك الابتسامة، لم يكن هناك انتصار لرجل ولا استسلام لامرأة. كان هناك شيء ثالث. شيء أكثر ندرة. كان هناك اتفاق بين روحين على أن يحبا دون أن يلغي أحدهما الآخر. خارج المقهى، كانت المدينة تمضي في ضجيجها المعتاد. السيارات تعبر. الناس يركضون. الباعة ينادون. والشمس تنزل ببطء خلف المباني. أما في داخلهما، فقد كان شيء آخر يولد. لم يكن وعدا بالخلود. فالخلود كلمة أكبر من البشر. ولم يكن وعدا بألا يفترقا أبدا. فالحياة لا تقدم مثل هذه الضمانات. كان شيئا أكثر تواضعا وأكثر صدقا: أن يختارا بعضهما كل يوم. أن يحافظ أحدهما على المسافة حين تكون الرحمة في المسافة. وأن يقترب حين يكون القرب صدقا. أن يحب أحدهما الآخر دون أن يحوله إلى ملكية. وأن يتركا للحب نافذة مفتوحة دائما. وهكذا، لم تنته قصتهما حين التقيا. بل بدأت.
لأن بعض قصص الحب تبدأ بالفراق، وتنضج في الغياب، ثم تجد معناها الحقيقي حين يكتشف العاشقان أن المسألة لم تكن يوما في أن يكون أحدهما للآخر. كانت في أن يكون كل واحد منهما أكثر حرية، وأكثر حياة، وأكثر إنسانية بسبب وجود الآخر. وفي آخر الليل، حين خرجا من المقهى، كانت السماء صافية. رفعت رأسها نحو القمر. وقال هو:
«أترين؟»
«ماذا؟»
«ما زلت أؤمن أن الحب فكرة.»
ابتسمت.
«وأنا؟
قال:
«أنت الفكرة التي قررت أن أعيشها.»
ومضيا معا. لا كقيس وليلى. ولا كجميل وبثينة. ولا كعاشقين آخرين ينتظران أن يكتبهما التاريخ. مضيا كاثنين اختارا، للمرة الأولى، أن يكتبا قصتهما بأنفسهما. وكانت المدينة من حولهما تضيء شيئا فشيئا. أما الحب، فلم يكن بحاجة إلى ضوء. فقد كان يعرف طريقه. حيث لا موت. وحيث لا نهاية. وحيث لا يكون العشق امتلاكا للإنسان، بل اعترافا بحريته. وحيث لا تكون النهاية سوى اسم آخر لبداية لم يتعلم القلب بعد كيف يسميها.
