حين تتذكّر الحضارات موتاها

من أسطورة إيزيس وأوزيريس إلى رجاء القيامة في المسيحية والإسلام

بقلم ماركو باراتو, مراسل «الورقاء» في الفاتيكان- إيطاليا

ثمة مفارقة عميقة تسكن الحضارة المعاصرة: كلما ازدادت قدرتها على إطالة العمر، ومقاومة المرض، وتسخير العلم لتأجيل الشيخوخة، ازداد ميلها إلى إقصاء الموت من مجال رؤيتها، كأن إنكار النهاية قادر على إبطال حقيقتها. لقد غدت الحياة الحديثة سباقًا لا يهدأ نحو الكفاءة والإنجاز والإنتاج، وأضحى الاحتفاء بالشباب صورةً من صور ثقافة لا تستسيغ الضعف، ولا تمنح الشيخوخة ما تستحقه من توقير، ولا تعرف دائمًا كيف تستوعب الحزن حين يطرق أبوابها. وهكذا، لم يعد الموت ذلك الحضور المألوف الذي تشهده البيوت وتحتضنه الجماعات، بل انسحب، شيئًا فشيئًا، إلى المستشفيات وغرف الجنائز وأماكن العزاء، بعيدًا عن الفضاء اليومي الذي تُصنع فيه الحياة وتُروى حكاياتها.

ولم يقتصر هذا التحوّل على تغيير المكان الذي يموت فيه الإنسان، بل امتد إلى الطريقة التي نتعامل بها مع موته. فبعد أن كان الفقد تجربة تتقاسمها الجماعة، وتحيط بها الطقوس والذاكرة والتضامن، بات الحزن في كثير من الأحيان عبئا خاصًا يُترك لصاحبه، وكأن المطلوب منه أن يتجاوز خسارته سريعا، وأن يعود إلى إيقاع الحياة المعتاد من دون أن يربك نظامها أو يعطّل سرعتها. غير أن الموت لا يخضع لمنطق الإنتاجية، ولا يستجيب لمواعيد المجتمع، ولا تنتهي وطأته بمجرد انقضاء مراسم الوداع. إنه الحقيقة التي تظلّ، مهما بلغت الحضارة من أسباب القوة، قادرةً على ردّ الإنسان إلى هشاشته الأولى، ومواجهته بالسؤال الذي لا يشيخ: ماذا يبقى منا حين نغيب؟ وأي معنى للحياة إذا أنكرنا حدودها، وتصرّفنا كما لو أن النهاية لا تخصّنا؟

من هذا الأفق الإنساني والحضاري، تكتسب العودة إلى طقوس العالم القديم دلالة تتجاوز حدود التاريخ والأسطورة. ففي بعض التقاليد الدينية المصرية القديمة، وفيما انتقل منها إلى المجال الروماني، تحتلّ احتفالات إيزيس، المعروفة باسم «الإيزيا» (Isia)، مكانةً لافتة؛ إذ ارتبطت بمأساة أوزيريس، إله البعث والخصب، وبالبحث عن جسده، ثم استعادة وحدته وقيامته في صورة جديدة من الوجود. وتربط بعض إعادة بناء التقويم الطقسي هذه الاحتفالات بالأيام الأخيرة من أكتوبر ومطلع نوفمبر، وإن كانت تفاصيل مواعيدها وممارساتها قد اختلفت باختلاف الأزمنة والتقاليد.

وتروي الأسطورة أن ست، أخا أوزيريس، قتله وبدّد أشلاء جسده، فوجدت إيزيس نفسها أمام فاجعة لم يكن فيها الحب ذكرى ساكنة، بل قوةً تدفع إلى البحث والمقاومة. مضت تجمع ما تناثر من جسد زوجها، وتلاحق آثار الغياب، حتى استطاعت، بما تنسبه إليها الرواية الأسطورية من قوى سحرية، أن تعيد تركيب جسده وتتيح له استعادة الحياة في هيئة أخرى. لم يكن ذلك إلغاءً للموت بقدر ما كان إعادةً لتحديد موقعه في نظام الوجود: فالموت، في هذه الحكاية، لا يمحو كل شيء، والفقد لا يستنفد إمكانات المعنى، وما يبدو نهاية قد يصبح عبورا إلى طور آخر.

ومن هنا غدت صورة أوزيريس، حاكم عالم الموتى، رمزًا لأمل يتجاوز فناء الجسد، وارتبطت حكايته كذلك بدورة الخصب وتجدد النبات وعودة الأرض إلى الإثمار. كانت الطبيعة، في المخيال الديني المصري، تقدّم للإنسان درسًا متجدّدًا: ليس كل ما يغيب قد انتهى إلى العدم، وليس كل ما تذبل مظاهره قد فقد قدرته على التجدد. فالأرض التي تبدو في موسم من المواسم ساكنةً وجرداء قد تستعيد خضرتها، والبذرة التي تُدفن في التراب لا يكون اختفاؤها بالضرورة خاتمةً لوجودها، بل قد يكون بدايةً لتحوّل لا تراه العين في لحظته الأولى. وحين انتقل الإيمان بإيزيس إلى العالم الروماني، اتّسع نطاقه الديني والاجتماعي، ووجد فيه كثير من أتباعه موردا روحيا لمواجهة القلق المتصل بالموت والمصير. ولم يكن الحزن، في مثل هذه الطقوس، أمرًا ينبغي محوه أو إخفاؤه، بل تجربة يمكن أن تتخذ شكلا جماعيّا، تتداخل فيها المشاركة والذاكرة والرجاء. فالطقس لا يردّ الغائب إلى الحياة، لكنه يمنح الأحياء لغة يواجهون بها غيابه، ويحوّل الألم من عزلة صامتة إلى تجربة إنسانية مشتركة.

وليس استحضار هذه التقاليد دعوة إلى الخلط بين المعتقدات القديمة والأديان المعاصرة، ولا إلى إقامة مساواة مصطنعة بين تصوراتها المختلفة للموت وما بعده. إنما تكمن قيمتها في أنها تكشف، عبر اختلاف العصور والرموز، عن حاجة إنسانية عميقة إلى ألّا يُترك الموت عاريا من المعنى، وألّا يتحوّل الفقد إلى فراغ لا تستطيع الجماعة أن تجد له لغةً أو عزاءً. غير أن هذا المعنى يبدو اليوم مهدّدا في مجتمعات تتقدّم فيها المعالجة الطبية للموت على التأمل في دلالته، ويُدفع فيها الحزن إلى المجال الخاص، وتُختزل فيها الشيخوخة أحيانا في تراجع القدرة على العمل والإنتاج. لقد تعلّم الإنسان الحديث كيف يواجه جوانب كثيرة من الألم بالأدوية والتقنيات والمؤسسات، وهي إنجازات لا يجوز الانتقاص من قيمتها؛ لكنه لم يتعلّم بالقدر نفسه كيف يصغي إلى الألم الذي لا يُشفى بمجرد العلاج، وكيف يرافق المفجوع من دون أن يستعجله، وكيف يحفظ للراحلين مكانتهم في حياة الذين بقوا.

إن الخطر لا يكمن في تقدّم الطب، ولا في السعي إلى إطالة العمر، بل في أن تتحوّل هذه الإنجازات إلى ثقافة تتوهّم أن كل ما لا يمكن إصلاحه ينبغي إبعاده عن النظر. فالموت ليس عطبًا في آلة الحياة، والحزن ليس خللًا في انتظامها، والشيخوخة ليست حكمًا بسقوط قيمة الإنسان. وحين تُقاس قيمة المرء بما ينتجه وحده، يصبح الضعفاء والمسنّون والمكلومون أكثر عرضةً للتهميش، وتفقد المجتمعات شيئًا من قدرتها على الرعاية والتكافل والوفاء. إن المجتمع الذي يقصي الموت من وعيه قد يقصي معه الذاكرة، ويضعف فيه الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخرين. فقبول الفناء لا يعني الاستسلام للتشاؤم، ولا الدعوة إلى الانكفاء عن الحياة؛ بل يعني إدراك أن محدودية الزمن هي أحد أسباب نفاسة التجربة الإنسانية. إننا لا نعرف قيمة اللحظة لأنّها تدوم إلى الأبد، بل لأنّها عابرة؛ ولا ندرك عمق المحبة إلا حين نختبر هشاشة الروابط التي تجمعنا بمن نحب. ومن هذا الإدراك تنشأ الحاجة إلى أن نعيش بمزيد من العناية، وأن نمنح علاقاتنا ما تستحقه من حضور، وأن نؤجل قسوة الأحكام، ونخفف من وطأة الوحدة، ونصون كرامة الإنسان في كل مراحل عمره.

وفي مطلع نوفمبر، تستعيد الذاكرة المسيحية هذه الأسئلة من خلال مناسبتين متعاقبتين في التقويم الكنسي: عيد جميع القديسين في الأول من نوفمبر، وتذكار المؤمنين الراقدين في الثاني منه. ولا يقوم التصور المسيحي هنا على عودة دورية لإله ضمن دورة الطبيعة، كما في بعض صور الموروث الديني القديم، بل على الإيمان بقيامة المسيح والرجاء في الحياة الأبدية. وفي هذا الأفق، لا تُنكر المسيحية حقيقة الموت ولا تنفي ألم الفراق، لكنها ترفض أن يكون القبر الكلمة الأخيرة في قصة الإنسان. وتحمل الصلاة من أجل الموتى معنى يتجاوز استعادة الذكريات؛ إنها تعبير عن رابطة روحية لا تنقطع، وعن رجاء يرى أن الموت، على الرغم من انفصاله الحقيقي والمؤلم، لا يستنفد إمكانات الرحمة الإلهية. وفي هذا التقليد، لا يُطلب من الحزن أن يتظاهر بأنه لم يكن، بل أن يجد مكانه داخل أفق أوسع من اليأس، حيث تلتقي الذاكرة بالإيمان، والدمعة بالرجاء، ومرارة الفقد بإمكان التعزية.

وفي الإسلام، تحتلّ حقيقة الموت موقعا جوهريّا في فهم الإنسان لذاته ولمصيره. فالحياة ليست ملكا مطلقا للإنسان، ولا الوجود رحلة بلا نهاية، بل أمانة محدودة تعود في آخر المطاف إلى خالقها. ويختصر القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: 156)، وهي كلمات تتردّد على ألسنة المؤمنين عند نزول المصائب، لا بوصفها إنكارا للحزن، بل بوصفها إقرارًا بالحقيقة واستعانةً بالصبر أمام ما يتجاوز قدرة الإنسان على الردّ أو التغيير. فالعودة إلى الله، في الوعي الإسلامي، تذكير بحدود القوة البشرية، وبأن قيمة الحياة لا تُقاس بطولها وحده، بل بما يُصنع فيها من خير، وما يُؤدّى خلالها من واجب، وما يتركه المرء من أثر في حياة الآخرين. كما أن استحضار الموت يوقظ الضمير، ويحثّ على التوبة والعمل الصالح، ويغذّي الدعاء للراحلين، ويذكّر الأحياء بمسؤوليتهم الأخلاقية في انتظار البعث والحساب. ومن ثمّ، لا يكون تذكّر الموت دعوةً إلى الانصراف عن الدنيا، بل إلى التحرّر من وهم امتلاكها، وإلى العيش فيها بوعي أعمق للواجب والمصير.

وهكذا، تلتقي المسيحية والإسلام، على اختلاف عقائدهما وتفاصيل رؤيتهما للعالم الآخر، في تأكيد أن الموت ليس مجرّد واقعة بيولوجية تنتهي عند توقف الجسد، بل حقيقةٌ تضع الإنسان أمام أسئلة المعنى والمسؤولية والرجاء. وتختلف هذه الرؤى عن التصورات المصرية القديمة، كما تختلف فيما بينها في فهم الخلاص والقيامة والحياة الأبدية؛ غير أنها جميعًا، كلٌّ من موقعه، تفتح مجالًا للتفكير في حدود الوجود الإنساني، وفي الكيفية التي ينبغي أن نعيش بها ما مُنح لنا من زمن. إن ما يجمع هذه التقاليد، من دون أن يمحو الفوارق الجوهرية بينها، هو إدراكها أن الموت لا يخصّ الفرد وحده، بل يمسّ الجماعة التي عاش في كنفها، والروابط التي نسجها، والذاكرة التي يتركها خلفه. فالإنسان لا يغيب من العالم كما يغيب شيء لم تكن له صلة بما حوله؛ إنه يترك فراغا في بيت، وأثرا في قلب، وحكاية في ذاكرة، وربما قيمة تستمر في تشكيل حياة من عرفوه. ومن هنا، فإن الوفاء للموتى ليس مجرّد التفاتة إلى الوراء، بل مسؤولية تجاه الحاضر أيضا: أن نصون ما تعلّمناه منهم، وأن نواصل ما بدأوه من خير، وأن نمنح الأحياء ما يستحقونه من محبة قبل أن يتحوّلوا إلى أسماء في سجلّ الذاكرة.

ولعلّ أعمق ما يمكن أن نستعيده من مواسم تذكّر الموتى هو حقّ الإنسان في الحزن، وحقّه في أن يُمنح الوقت الكافي لفهم خسارته، وحقّ الجماعة في أن تقف إلى جواره من دون أن تطالبه بتجاوز ما لا يُتجاوز بأمرٍ عابر. فالذاكرة ليست إقامةً دائمة في الماضي، كما أن الرثاء ليس استسلامًا للحسرة. إنهما، حين يتّخذان موضعهما الصحيح، ضربٌ من الوفاء للحياة نفسها؛ إذ يذكّراننا بأن الإنسان لا يُختزل في لحظة رحيله، وأن كرامته لا تنتهي بانتهاء قدرته على الفعل، وأن الروابط التي قامت على المحبة تظلّ جزءًا من نسيجنا الأخلاقي، حتى حين يغيب أصحابها عن أعيننا. إن الحضارة التي تعجز عن النظر إلى الموت بعين الحكمة قد تعجز عن فهم الحياة في أبعادها الأعمق. فالحياة ليست سباقا لا ينتهي، ولا مجموعا من الإنجازات التي تُقاس بالأرقام وحدها؛ إنها أيضا رعاية للضعفاء، ووفاء للراحلين، وصبر على آلام الآخرين، واعتراف بأن الإنسان كائن محدود، لكنه قادر على أن يمنح وجوده معنى يتجاوز حدود عمره.

من أسطورة إيزيس التي جمعت أشلاء أوزيريس، إلى الصلاة المسيحية التي تستودع الراحلين رحمة الله، وصولا إلى تسليم المؤمن المسلم أمره إلى خالقه، تمتدّ عبر القرون حكاية الإنسان وهو يحاول أن يفهم الفقد، ويصالح هشاشته، ويحفظ للراحلين مكانهم في عالم الأحياء. إنها تقاليد متباينة في معتقداتها، متنوّعة في رموزها، لكنها تضعنا أمام سؤال لا يفقد راهنيته مهما تبدّلت الأزمنة وتقدّمت العلوم: قد لا نملك أن نمنع الحياة من بلوغ نهايتها، لكننا نملك أن نختار ألّا نسمح للموت بأن يمحو معنى ما أحببناه، أو أن يبدّد أثر من عاشوا بيننا، أو أن ينتزع من حاضرنا القدرة على المحبة والرحمة والوفاء. فربما لا يكون التكريم الأصدق للموتى في كثرة ما نقوله عنهم، بل في نوع الحياة التي نختار أن نحياها بعد رحيلهم؛ حياة أكثر تواضعا أمام الزمن، وأكثر إنصافا للضعفاء، وأشدّ تمسّكا بما يجعل الإنسان جديرا بإنسانيته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *