ترامب ومنبر الأمم المتحدة: هل يخطب رئيس العالم أم يخطب العالم في نفسه؟

بقلم زكية لعروسي، رئيسة التحرير-باريس

هناك أماكن في هذا الكوكب لا ينبغي للسياسي أن يدخلها كما يدخل إلى مؤتمره الصحفي. أحدها منبر الأمم المتحدة. فهذا المنبر ليس خشبة مسرح عادية، ولا شاشة عملاقة لحسابات انتخابية، ولا غرفة صدى لزعيم يريد أن يسمع صوته أعلى من أصوات الآخرين. إنّه، في فكرته الأصلية، المكان الذي تحاول فيه البشرية – ولو بالكلمات – أن تقنع نفسها بأنّها ما زالت قادرة على الجلوس حول طاولة واحدة قبل أن تجلس حول حفرة واحدة. ولهذا يبدو صعود دونالد ترامب إلى ذلك المنبر حدثا يتجاوز ترامب نفسه. الرجل الذي يعود إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026 يأتي إلى مؤسسة كان قد سأل عنها، في خطابه السابق، سؤالا يكاد يكون أكثر قسوة من الشتيمة: ما جدوى الأمم المتحدة؟ وفي العام الماضي هاجم أداءها، واشتكى حتى من تعطل جهاز القراءة الآلية والسلم الكهربائي، بينما كانت القاعة تنتظر حديثا عن الحروب والهجرة والطاقة والنظام الدولي.

هذه المفارقة هي جوهر المشهد كله. رئيس القوة الأعظم في العالم يقف أمام المؤسسة التي يفترض أنها تجسد فكرة أن القوة وحدها لا تكفي. وهنا يبدأ الكابوس الجميل. تخيلوا أن الأمم المتحدة، في تلك اللحظة، ليست مبنى من الزجاج والرخام، بل مريضاً عجوزاً على سرير، تحيط به دول العالم. يدخل ترامب، ينظر إلى الأجهزة، إلى الستائر، إلى الممرضين، ثم يقول للمريض: «المشكلة فيك أنك لم تفهم أنك تحتاج إلى طبيب عظيم مثلي». ثم يخرج. لكن الأمم المتحدة ليست مريضا. أو لعلها مريضة فعلاً، إلا أن مرضها أقدم من ترامب، وأعقد منه، وأقل قابلية للتغريد. إنها مؤسسة نشأت من خوف البشرية من تكرار الكارثة، ثم اكتشفت تدريجياً أن البشر قادرون على تحويل حتى فكرة السلام إلى ساحة أخرى للصراع. واليوم، في الجمعية العامة الحادية والثمانين، يأتي العالم إلى نيويورك وسط حروب وتوترات وانقسامات عميقة، فيما تؤكد الأمم المتحدة نفسها أن شعارها الأول هو «نحن الشعوب»، لا «نحن الأقوياء».

وهنا تحديدا يصبح ترامب مثيرا للاهتمام، لا لأنه ترامب فقط، بل لأنه يجسد سؤالا سياسيا وفلسفيا هائلا: ماذا يحدث عندما تدخل فلسفة القوة إلى معبد صُمم أصلا لتقييد القوة؟ قد يبدأ الخطاب بإيران. وهذا شبه حتمي في المشهد الحالي، لا لأن ترامب يحب إيران كموضوع خطابي، بل لأن الحرب الأمريكية – الإيرانية ألقت بظلها على أسعار الطاقة والملاحة والأمن الإقليمي، وأصبحت واحدة من أثقل الملفات التي يواجهها العالم في هذه الدورة من الجمعية العامة. وقد يتحدث ترامب عن الضربات الأمريكية، وعن البرنامج النووي الإيراني، وعن الردع، وعن السلام الذي يقول إنه حاول صنعه. لكن المشكلة في كلمة «السلام» أنها كلمة مسكينة. كل سياسي يحبها. الجميع يريدها. الجميع يتحدث باسمها. ثم يأتي السؤال الذي يفسد الحفلة: أي سلام؟ وبأي ثمن؟ ومن يقرر متى يبدأ؟ ومن يقرر متى انتهى؟

في خطابه عام 2025، قدم ترامب نفسه باعتباره صانعا للسلام، وعدّد حروبا قال إنه أنهى أو ساهم في إنهائها، وتحدث عن إيران وغزة، بل عاد إلى فكرة جائزة نوبل للسلام التي يرى أنه يستحقها. وهنا يمكن للمرء أن يتخيل نوبل نفسها جالسة في الصف الأخير، ممسكة بورقة صغيرة، وتقول للكرسي المجاور: «هل أنا جائزة سلام أم أصبحت جزءا من الحملة الانتخابية؟» السخرية هنا ليست من ترامب وحده. إنها من عصر كامل أصبح فيه السلام نفسه يحتاج إلى مدير تسويق. كل زعيم يريد أن يقول: أنا أوقفت الحرب. لكن الحرب، تلك السيدة الثقيلة التي لا تقرأ البيانات الصحفية، لا تتوقف دائما لأن أحدا أعلن أنها توقفت. ولهذا ستكون غزة، كما إيران، اختبارا للغة أكثر منها للبلاغة. فترامب يريد أن يقدم جهوده الدبلوماسية بوصفها إنجازا، بينما يبقى السؤال الدولي أكبر من الرواية التي يريد أي زعيم أن يرويها عن نفسه. وقد أظهر خطابه السابق بوضوح أنه يستخدم منصة الأمم المتحدة أيضا لإعادة سرد إنجازاته من زاويته الخاصة.

ثم هناك أوكرانيا. حرب كان ترامب قد جعل إنهاءها جزءا بارزا من صورته السياسية، لكنها بقيت عصية على الاختصار في جملة من نوع «لقد حللت المشكلة». وهذا بالضبط هو الشيء الذي يكره السياسي الشعبوي مواجهته: العالم لا يطيع الحبكة التي كتبها له. قد تقول إنك أوقفت حربا، فتستيقظ الحرب صباح اليوم التالي. قد تقول إنك دمرت قدرة خصمك، فيظهر الخصم في مكان آخر. قد تقول إنك صنعت السلام، فيسألك السلام نفسه عن أوراق اعتماده. السياسة الحديثة تعاني من مرض خطير: تحويل التاريخ إلى مؤتمر صحفي. وترامب، ربما أكثر من غيره، بارع في هذا الفن.

لكن لا ينبغي أن نخطئ في قراءة المسألة. من السهل جدا أن نضحك على رجل يتحدث عن السلم الكهربائي في مبنى للأمم المتحدة بينما يتحدث العالم عن الحرب. لكن السؤال الأعمق هو: لماذا أصبح العالم مستعدا أصلا للاستماع إلى ذلك؟ لأن ترامب لم يصنع وحده أزمة النظام الدولي. هو ابن الأزمة، كما أنه أحد صانعيها. الأمم المتحدة نفسها تعاني من عجز حقيقي، ومجلس الأمن أسير توازنات القوى وحق النقض، والحروب تتكاثر بينما تتراجع قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على فرض حلول حاسمة. حتى رئيسة الجمعية العامة السابقة أنالينا بيربوك حذرت من فكرة أن الأمم المتحدة غير ضرورية، داعية إلى النظر في البديل الذي قد ينتج عن غيابها.

إذن حين يقول ترامب، بصورة مباشرة أو ساخرة، إن الأمم المتحدة لا تقوم بما يكفي، فإن السؤال ليس فقط: هل هو محق؟ السؤال هو: ماذا يحدث إذا كان البديل عن الأمم المتحدة هو عالم لا يحتاج حتى إلى التظاهر بأنه متفق؟ قد يبدو العالم أكثر سرعة من دون بيروقراطية دولية. قد يبدو أكثر «واقعية». أكثر قوة. أكثر وضوحا. لكن التاريخ لديه عادة سيئة: يجعل الأشياء تبدو بسيطة قبل أن تنفجر. ولهذا فإن منبر الأمم المتحدة مهم، حتى عندما يفشل. بل ربما يصبح أهم عندما يفشل. لأنه المكان الذي تقف فيه القوة أمام صورتها الجماعية.

ترامب لا يخطب أمام الأمم المتحدة فقط. هو يخطب أمام الصين وروسيا وأوروبا وإيران وإسرائيل والعالم العربي وأوكرانيا، وأمام خصومه وحلفائه، وأمام الرأي العام الأمريكي أيضا. والأهم: يخطب أمام التاريخ. وهذا هو الجزء الذي لا تستطيع الكاميرات تصويره. خلف كل تصفيق هناك حساب. خلف كل ابتسامة دبلوماسية سؤال. خلف كل مصافحة دولة تفكر في الدولة التي ستحتاج إليها غدا. الأمم المتحدة تشبه سفينة ضخمة قديمة، كثيرة الثقوب، بطيئة، يتشاجر ركابها على اتجاهها، لكنهم جميعا يعرفون أن القفز منها في منتصف المحيط ليس خطة ممتازة. أما ترامب فيأتي إليها مثل رجل يمتلك قاربا سريعا ويقول: «لماذا تحتاجون إلى هذه السفينة؟»

وقد يكون في كلامه شيء من الحقيقة. لكن المشكلة أن القارب السريع ملكه هو. والسفينة، بكل عيوبها، ملك الجميع. وهنا تصبح المسألة فلسفية. هل العالم يحتاج إلى مؤسسة مثالية؟ أم يحتاج إلى مؤسسة سيئة تمنع الأقوياء، أحيانا، من تحويل قوتهم إلى قانون؟ ذلك هو السؤال الذي يجب أن يبقى في الهواء بعد أن ينتهي التصفيق. لا يهم كثيرا إن قال ترامب جملة ساخرة عن المهاجرين، أو مدح نفسه، أو هاجم الأوروبيين، أو اشتكى من مبنى الأمم المتحدة، أو تحدث عن النفط، أو عاد إلى جائزة نوبل. كل ذلك هو الدخان. النّار الحقيقية تحت المنبر. إنها سؤال بسيط ومخيف: هل ما زلنا نعيش في عالم تحكمه قواعد، أم في عالم تحكمه قدرة كل قوة على فرض روايتها عن القواعد؟

عندما يصعد رئيس أمريكي إلى منبر الأمم المتحدة، لا يصعد بصفته دونالد ترامب وحده. يصعد ومعه الطائرات، والدولار، والأساطيل، والعقوبات، والقواعد العسكرية، والتحالفات، والاقتصاد، وحق النقض، والقدرة على تغيير أسعار العالم بجملة واحدة. ولهذا يصبح حتى المزاح ثقيلا. قد يضحك العالم إذا تحدث ترامب عن سلم كهربائي. لكن العالم لا يستطيع أن يضحك بالطريقة نفسها عندما تتحدث القوة عن الحرب. هناك، تنتهي الكوميديا. أو ربّما تبدأ الكوميديا السوداء الحقيقية. لأنّ أغرب ما في هذا القرن أن البشرية أنشأت منظمة دولية لتمنع العالم من التصرف كأنّه غابة، ثم أمضت عقودا وهي تتفاوض داخلها حول من يملك أكبر عصا. ويأتي ترامب الآن إلى المنبر، يحمل عصاه، ويقول للعالم: «انظروا كم هي جميلة.» فيصفق البعض. ويغضب البعض. ويضحك البعض. ثم ينظر الجميع إلى الباب. فلا أحد يعرف تماما ما إذا كان الخطاب قد انتهى. أو أن العالم نفسه بدأ لتوّه في كتابة خطابه المضاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *