ثلاثة ملايين يورو في الجدار: عندما يصبح المال سجّان صاحبه

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

ثلاثة ملايين يورو كانت تعيش داخل الجدران. لا، ليست استعارة أدبية. كانت هناك فعلا، في بيت قرب نابولي، رزم من الأوراق النقدية مدفونة في الجدران، وتحت الأرضية، وتحت حوض الاستحمام، ومختبئة في تجاويف الأثاث. وبالقرب منها، وفق ما أعلنته الشرطة الإيطالية، أسلحة حربية من بينها بنادق كلاشنيكوف، وساعات فاخرة، وأشياء أخرى تنتمي إلى ذلك العالم الغريب الذي يصبح فيه الإنسان ثريا إلى درجة أنه لا يعود يعرف أين يضع ثروته. يبدو المشهد، للوهلة الأولى، كأنه نكتة سوداء كتبها كاتب ساخر في منتصف الليل: رجل يملك ملايين اليوروهات، لكنه لا يستطيع أن يضعها في البنك. فيشتري بيتا. ثم يخاف من البيت. فيحفر الجدار. ثم يخاف من الجدار. فيحفر الأرض. ثم يخاف من الأرض. وفي النهاية يصبح الرجل، بدل أن يكون مالكا للمال، حارسا ليليا لخزينة مخبأة في منزله.

يا لها من مفارقة مذهلة: المال الذي كان يفترض أن يمنحه الحرية، انتهى إلى منحه وظيفة. ثلاثة ملايين يورو لا تشتري شيئا إذا كان عليك أن تقضي حياتك في التفكير: هل يعرف أحد أين أخفيتها؟ وفق المعلومات التي أوردتها الصحافة، اكتشفت الشرطة الإيطالية العام الماضي هذا المبلغ في منزل بمدينة كايفانو، شمال شرقي نابولي، خلال تحقيق بدأ سنة 2023. وأُعلن عن الاكتشاف بعد توقيف 34 شخصا يُشتبه في انتمائهم إلى تنظيم إجرامي مسلح واستخدام أساليب مافيوية في الاتجار بالمخدرات. وكانت المداهمة قد جاءت بعد معلومات من مشتبه به أصبح شاهدا ضد المجموعة. وقال المدعي العام في نابولي، نيكولا غراتيري، إن المحققين كانوا يعلمون بوجود المال، لكنهم لم يعرفوا مكانه، ولذلك فتشوا المنزل بالكامل. عُثر على جزء كبير من الأموال داخل الجدران وفي تجاويف الأثاث، وأخرى تحت الأرضية وتحت حوض الاستحمام، إلى جانب أسلحة وساعات ثمينة. لكن السؤال الذي يظل عالقا في الجدار ليس: كم كان المال؟ بل: لماذا كان يجب أن يكون كل هذا المال هناك أصلا؟

فالمال في الأصل اختراع بسيط جدا. قطعة من الورق تقول لك: «يمكنك أن تحصل لاحقا على شيء آخر». ورقة صغيرة تحمل وعدا. ثم جاء الإنسان، ذلك الكائن الذي لا يثق حتى بوعوده الخاصة، فحوّل الورقة إلى صنم. ثم عبد الصنم. ثم بدأ يدفنه. ثم صار يحرسه من الشرطة، ومن اللصوص، ومن الشركاء، ومن أفراد العائلة، وربما من نفسه. في مرحلة ما، يتوقف المال عن كونه وسيلة. يصبح كائنا له شهية. يقول لك: المزيد. فقط المزيد. مليون آخر. مليون آخر. مليون آخر. ثم فجأة تنظر خلفك فتكتشف أنك أمضيت نصف حياتك في جمع شيء لا تستطيع استعماله. وهنا يظهر أحد أغرب أسرار الثروة غير المشروعة: كلما زاد المال الذي لا تستطيع إنفاقه، قلّت حريتك في امتلاكه. الثري العادي قد يشتري بيتا. أما صاحب المال الخفي فقد يشتري بيتا ليحوّله إلى قبر. الثري العادي يضع ساعته في درج. أما الرجل الذي يخشى مصدر ثروته فقد يحتاج إلى أن يخفي الساعات، والمال، والأسلحة، وحتى ذاكرته. إنها ليست ثروة. إنها حياة كاملة من الاختباء.

ولذلك تبدو صورة الملايين داخل الجدار أكثر فلسفة مما نظن. الجدار هنا ليس جدارا. إنه عقل. هناك، في مكان ما داخل الإنسان، جدار آخر تُدفن فيه الأشياء التي لا يريد أن يراها. الخوف. الجشع. السر. الطمع. والمال. كلها تتحول إلى طبقات. حتى يأتي يوم تفتح فيه الشرطة الجدار، فتخرج الأوراق النقدية كأنها أشباح لم تعد تعرف صاحبها. ثلاثة ملايين يورو! يا للغرابة. ثلاثة ملايين يورو تحتاج إلى الاختباء من العالم. بينما إنسان فقير قد ينام وفي جيبه عشرون يورو ويشعر أنه يستطيع أن يمشي في المدينة دون أن يلتفت خلفه. أيّهما أكثر ثراء؟ الرجل الذي يملك الملايين في الجدار؟ أم الرجل الذي يملك مالا قليلا ولا يحتاج إلى جدار؟

السؤال ليس أخلاقيا فقط. إنه فلسفي. فلاسفة كثيرون فهموا أن الرغبة لا تعمل بالطريقة التي نتخيلها. نحن نظن أننا نرغب في الأشياء.لكننا، في أحيان كثيرة، نرغب في القدرة على امتلاك الأشياء. لا نريد المليون فقط. نريد أن نعرف أننا نستطيع الحصول على المليون الثاني. ثم الثالث. ثم العاشر. الرغبة لا تشبع لأنها لا تطلب الطعام. إنها تطلب إثباتا. إثباتا أننا أقوى. أننا أكثر نفوذا. أننا لا نحتاج إلى الآخرين. والمفارقة أن الإنسان الذي يريد أن يصبح مستقلا تماما عن العالم قد ينتهي إلى الارتهان الكامل لشيء واحد. المال. يصبح المال سيدا، ويصبح صاحبه خادمًا. يستيقظ ليفكر فيه. ينام وهو يخاف عليه. يغير مكانه. يحرسه. يخفيه. يعده. ثم يختبئ معه. وهنا يتحول الجشع إلى سجن بلا قضبان. والسجن الأكثر براعة هو ذلك الذي يقنع السجين بأنّه يعيش في قصر. ربما لهذا تبدو الكامورا، بكل ما تحمله من عنف وسرية وشبكات إجرامية، كأنها مسرح فلسفي كبير عن الوهم القديم نفسه: وهم السيطرة.

الرجل الذي يملك المال يريد أن يسيطر على العالم. ثم يكتشف أن العالم كله يريد أن يعرف أين وضع المال. فيصبح هو والمكان الذي خبأ فيه ثروته متهمين بالصمت. بل قد يصبح الجدار أهم منه. الجدار لا يتكلم. لكن الجدار يعرف. والمفارقة الأكثر سخرية أن الجدار كان، في النهاية، أكثر أمانة من البشر. فهو لم يخبر الشرطة شيئا. احتفظ بالسر بصمت. حتى جاء يوم صار فيه الصمت دليلا. وهكذا سقطت الثروة من السماء إلى الأرض. من ملايين إلى أكياس. من أكياس إلى محضر حجز. من محضر حجز إلى صورة في الصحافة. ومن صورة إلى سؤال يقرأه ملايين الناس: لماذا؟ لماذا يحتاج إنسان إلى ثلاثة ملايين يورو نقدا داخل جدار؟ لماذا لا يكفي مليون؟ لماذا لا يكفي منزل؟ لماذا لا تكفي ساعة؟ لماذا لا تكفي حياة؟ ربما لأن الجشع لا يعرف كلمة «يكفي».,«يكفي» كلمة اخترعتها الحكمة. أما الجشع فيعيش على كلمة أخرى: «بعد». بعدها مليون. بعدها نفوذ. بعدها عقار. بعدها ساعة. بعدها سيارة. بعدها المزيد. ثم يأتي الموت، ذلك الموظف الحكومي الوحيد الذي لا يقبل الرشوة، ويضع ختمه على الملف.

وهنا تحدث الكوميديا السوداء الكبرى: يموت الإنسان. ويبقى المال. يبقى المال الذي أخافه. والمال الذي أخفاه. والمال الذي جعل الجدران أثخن. والمال الذي جعل الأبواب أكثر. والمال الذي جعله لا يثق بأحد. ثم يأتي شخص آخر ليفتح الجدار. كأن المال كان ينتظر فقط تغيير صاحبه. ربما كان الرجل يظن أنه يملك ثلاثة ملايين يورو. لكن الحقيقة الأكثر قسوة قد تكون أن ثلاثة ملايين يورو كانت تملك رجلا. كانت تحدد أين يعيش. وماذا يخفي. ومن يثق به. وممن يخاف. ومتى ينام. وهذه ليست ثروة. هذه عبودية فاخرة. إن أخطر ما في المال ليس أن يكون كثيرا. بل أن يصبح المعنى الوحيد لوجودك. حينها لا تعود تسأل: «ماذا أستطيع أن أفعل بهذا المال؟» بل: «كيف أحصل على المزيد؟»

وهنا تبدأ الحفرة. والغريب أن الحفرة قد تكون داخل الجدار. كما في كايفانو. في مكان ما بين الإسمنت والظلام، كانت هناك ملايين الأوراق النقدية تنتظر أن تكتشف. ربما كانت تنتظر الشرطة. وربما كانت تنتظر الفلسفة. لأن بعض الثروات لا تحتاج إلى محقق لكي يكشف سرها. يكفي أن تسأل صاحبها سؤالا بسيطا: ماذا كنت ستفعل بكل هذا لو أنك لم تكن خائفا؟ قد لا يملك الجواب. وقد تكون تلك هي الحكاية كلها. فالإنسان الذي يكدس المال إلى درجة دفنه في الجدران لا يملك المال فقط. إنّه يدفن معه شيئا آخر: قدرته على الاستمتاع بالحياة. ربما يكون أفقر إنسان في هذه الحكاية هو الرجل الذي وجد الملايين في الجدار. ليس لأنّه لم يملكها. بل لأنّه لم يعرف، ولو للحظة، لماذا أرادها دافنها إلى هذا الحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *