بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
إضراب محتمل داخل BFMTV، واحتجاج أكثر من 450 موظفا، واتهامات بالانحياز السياسي والتساهل مع الخطاب العنصري. خلف هذا الصدام المهني سؤال أكبر بكثير: ماذا يحدث حين تتحوّل المؤسسة الإعلامية من حارس للحقيقة إلى طرف في الصراع عليها؟ من يملك حق الكلام داخل الاستوديو؟ ومن يملك حق الاعتراض؟ ومن يقرر أن جملة عنصرية تستحق التصحيح، أو أن خطابا سياسيا يستحق المساءلة، أو أن ضيفا يستحق العودة إلى الشاشة مرة أخرى؟
في الأزمة التي تفجّرت داخل قناة BFMTV، يبدو أن شيئا أعمق من خلاف بين الإدارة والصحافيين قد خرج إلى السطح. فحين تعلن النقابات، وعلى رأسها CGT وSNJ، التعبئة والإضراب، مستندة إلى شكاوى أكثر من 450 موظفا، فإن المسألة تكتسب أبعادا تتجاوز المطالب الاجتماعية والمهنية. نحن أمام مواجهة حول المعنى نفسه الذي ينبغي أن تحمله الصحافة، وحول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والمسؤولية التحريرية، وبين التعددية السياسية والتطبيع مع خطاب الإقصاء. لكن السؤال الأكثر إزعاجا هو: هل تستطيع مؤسسة إعلامية أن تطالب المجتمع بالديمقراطية، بينما يعجز العاملون داخلها عن ممارسة حقهم في مساءلة الخيارات التحريرية؟
الشاشة التي تتسع للجميع… إلا للأسئلة؟
تتحدث النقابات عن حضور لافت لتيارات اليمين واليمين المتطرف في بعض البرامج، وتستند إلى أرقام تقول إن 53 في المائة من الضيوف السياسيين في برنامج سونيا مابروك ينتمون إلى هذين التيارين، مقابل 31 في المائة من اليسار و16 في المائة من الوسط. هذه النسب، إذا صحت المنهجية التي استخرجت منها، تفتح بابا مهما للنقاش. لكنها لا تكفي وحدها لإصدار حكم نهائي على الانحياز التحريري؛ إذ ينبغي معرفة الفترة الزمنية المعتمدة، وطبيعة الضيوف، ومعايير التصنيف، وعدد مرات ظهور كل شخصية، وطبيعة الموضوعات التي استُدعيت لمناقشتها. ومع ذلك، فإن الأرقام تطرح سؤالا لا يمكن الهروب منه: متى يتحول استضافة تيار سياسي من ممارسة للتعددية إلى صناعة لهيمنته الرمزية على المجال العام؟
التعددية ليست أن نضع أطيافا سياسية مختلفة أمام الكاميرات ثم نعلن براءة المؤسسة. التعددية الحقيقية تقتضي أن تتاح للآراء فرص عادلة في الحضور، وأن تخضع جميعها للمساءلة نفسها، وأن لا تتحول الشاشة إلى مصعد يصعد عبره خطاب معين باستمرار، بينما تنتظر أصوات أخرى دورها في ممرات الاستوديو. وهنا تظهر مفارقة الصحافة الحديثة: قد يكون الاستوديو مفتوحاً من الناحية التقنية، لكنه مغلق من الناحية الفكرية. وقد يجلس الضيوف حول الطاولة نفسها، بينما تظل قواعد اللعبة منحازة قبل أن يبدأ الحوار.
العنصرية حين ترتدي ربطة عنق وتجلس أمام الميكروفون
الأمر الأكثر حساسية في احتجاجات العاملين يتعلق بما وصفوه بتطبيع التصريحات العنصرية أو التمييزية على الهواء، وغياب الرد التحريري الواضح عليها. وهذه مسألة تمس جوهر المهنة. فالصحافي ليس مجرد حامل ميكروفون، والمذيع ليس موظفا في إدارة الوقت، والاستوديو ليس مساحة محايدة بالمعنى الذي يسمح بمرور كل شيء دون تدخل. حين يصدر خطاب يحط من كرامة جماعة بشرية، أو يكرّس التمييز ضدها، فإن تركه يمر دون مساءلة قد يمنحه شرعية إضافية، لأن المشاهد لا يستقبل الكلمات وحدها؛ إنه يستقبل أيضا طريقة تعامل المؤسسة معها. الصمت هنا قد يتحول إلى موقف تحريري، حتى لو لم تعترف المؤسسة بذلك. لكن التعامل المهني مع هذه الحالات يحتاج إلى دقة أيضا. فلا يجوز تحويل كل رأي صادم إلى خطاب عنصري، ولا ينبغي الخلط بين نقد السياسات أو الإيديولوجيات وبين استهداف الأشخاص بسبب هويتهم أو أصولهم. المطلوب هو معيار واضح، يطبّق على الجميع، دون انتقائية سياسية أو حسابات تجارية. وهنا يبرز سؤال غريب في بساطته ومخيف في نتائجه: ماذا لو دخلت العنصرية إلى الاستوديو دون أن تحتاج إلى دعوة، لأنها أصبحت تعرف أن أحدا لن يطلب منها المغادرة؟

الصحافة بين الحقيقة واقتصاد المشاهدة
هناك جانب آخر في الأزمة يستحق التوقف: تراجع الموارد المخصصة للمراسلين، وانخفاض عدد العاملين، ورفض بعض عمليات التصوير لأسباب مالية، وفقا لما تقوله النقابات. هذه النقطة ربما تكون من أكثر النقاط عمقا، لأنها تكشف العلاقة بين الاقتصاد والإعلام. حين يصبح التقرير الميداني مكلفا، والانتقال إلى موقع الحدث عبئا على الميزانية، بينما يستطيع الاستوديو إنتاج ساعات طويلة من النقاش بأقل كلفة، يبدأ التحول الهادئ في بنية الصحافة. تتحول الجغرافيا إلى شاشة، والحدث إلى رأي حول الحدث، والشاهد إلى ضيف، والمراسل إلى صورة غائبة يجري الحديث عنها من بعيد. وهكذا قد نجد أنفسنا أمام إعلام يعرف كل شيء عن العالم، لكنه لم يعد يذهب إليه. ما قيمة التغطية الصحافية لمظاهرة إذا لم يرسل الإعلاميون إلى الشارع؟ وما قيمة الحديث عن معاناة المواطنين إذا كانت المؤسسة تكتفي باستضافة أشخاص يتحدثون نيابة عنهم؟ ومن يملك حق وصف الحقيقة حين يغيب عنها من شاهدها وعاين تفاصيلها؟ إن الصحافة الميدانية إحدى وسائل حماية الإعلام من الوقوع في أسر الروايات الجاهزة. فالكاميرا التي لا تغادر الاستوديو قد ترى العالم من خلال عيون الضيوف، لكنها لا تستطيع دائما اكتشاف ما يقع خارج إطارهم.
حين يصبح الإضراب خبرا داخل المؤسسة التي تصنع الأخبار
ثمة مفارقة تستحق التأمل: المؤسسة التي اعتادت تغطية الإضرابات والاحتجاجات قد تجد نفسها هذه المرة موضوعا للاحتجاج. هنا يصبح الصحافي جزءا من الخبر، وتتحول غرفة التحرير إلى ساحة نقاش حول السلطة التي تمارسها على العاملين فيها. لكن كيف ينبغي التصرف عندما تنشأ أزمة من هذا النوع داخل مؤسسة إعلامية؟ أول ما ينبغي فعله هو رفض اختزال الخلاف في معركة أشخاص أو تصفية حسابات بين إدارة وموظفين. فالأزمات التحريرية لا تُحلّ بتبادل الاتهامات، ولا بتصوير كل اعتراض باعتباره تمرّدا على الإدارة، ولا باعتبار كل قرار إداري مؤامرة على استقلال الصحافة. الحل يبدأ بالشفافية. ينبغي فتح نقاش مهني موثق حول طبيعة الاختلالات المزعومة، ونشر معايير اختيار الضيوف، وتوضيح السياسة التحريرية المتعلقة بالتصريحات العنصرية والتمييزية، وإتاحة المجال أمام مراجعة مستقلة للبرامج والتغطيات المختلف بشأنها. كما ينبغي إنشاء آلية داخلية مستقلة لتلقي شكاوى الصحافيين، وحماية العاملين الذين يثيرون قضايا تتعلق بالنزاهة المهنية، وإشراك ممثلي التحرير في القرارات التي تمس جوهر العمل الصحافي.
والأهم من ذلك، ينبغي الفصل بين السلطة الإدارية والسلطة التحريرية. فالإدارة مسؤولة عن استمرارية المؤسسة وتوازنها المالي، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى جهة تملي على الصحافي ما يجب أن يراه أو يقوله أو يتجاهله. وفي المقابل، لا تعني الاستقلالية التحريرية إعفاء الصحافي من المحاسبة المهنية. فالحرية التي لا تقبل المساءلة قد تتحول هي الأخرى إلى سلطة مغلقة. المعضلة الكبرى: من يحمي الصحافي من المؤسسة، ومن يحمي المؤسسة من صحافييها؟
هذا السؤال يستحق أن يطرح دون خوف. فالمؤسسة الإعلامية تحتاج إلى إدارة قوية، لكنها تحتاج أيضا إلى صحافيين قادرين على الاعتراض. تحتاج إلى سياسة تحريرية واضحة، لكنها تحتاج إلى قابلية مراجعة هذه السياسة. تحتاج إلى موارد مالية، لكنها تحتاج إلى ألا يصبح المال المرجع النهائي لتحديد ما يستحق أن يروى وما لا يستحق. والصحافي بدوره يحتاج إلى حماية من الضغوط، لكنه مطالب أيضا بالدقة والإنصاف والتحقق، وعدم تحويل الشاشة إلى منصة لتصفية خلافاته السياسية أو الشخصية. المعادلة صعبة، لكنها ضرورية: لا إدارة تملك الحقيقة وحدها، ولا صحافي يملكها وحده، ولا نقابة تستطيع أن تحل محل الضمير المهني، ولا جمهور ينبغي أن يطلب منه تصديق كل ما يراه لمجرد أنه قدّم في قالب إخباري.
والأغرب أن الأزمة قد تكون أكبر من BFMTV نفسها. فهي تضع أمام الإعلام الفرنسي والدولي سؤالا يتعلق بمستقبل المهنة في زمن تتنافس فيه القنوات على جذب الانتباه، وتتحول فيه الإثارة إلى سلعة، والاستقطاب إلى مادة قابلة للتسويق، والضيف المثير للجدل إلى استثمار مضمون في نسب المشاهدة. في هذا المناخ، قد يصبح الهدوء التحريري أقل جاذبية من الصدام، والتحليل أقل انتشارا من الاستفزاز، والمراسل الميداني أقل حضورا من الشخصية التي تعرف كيف تثير الجدل أمام الكاميرا. وهنا تنشأ صحافة ذات وجهين: وجه يعلن الدفاع عن حرية التعبير، ووجه آخر يكتشف أن حرية التعبير نفسها تحتاج إلى قواعد تمنع تحويلها إلى غطاء للتمييز والإهانة والتلاعب.
من يملك حق إطفاء الميكروفون؟
ليس المطلوب أن تتحول غرف الأخبار إلى محاكم إيديولوجية، ولا أن تمنح جهة واحدة سلطة تحديد الآراء المسموح بها. المطلوب أن تكون هناك قواعد معلنة، ومهنية، قابلة للمراجعة، تحمي حق الاختلاف وتحاسب على تجاوزاته. وإذا كان الإضراب المعلن يوم الخميس 5 نوفمبر، عند الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، سيمنح العاملين فرصة لإيصال اعتراضاتهم، فإن نجاح هذه الخطوة ليس بمدى الارتباك الذي قد تحدثه في جدول البث. النجاح الحقيقي يبدأ حين تتحول الأزمة إلى إصلاح ملموس: موارد أفضل للتغطية الميدانية، وتعددية سياسية قابلة للقياس، ومواجهة واضحة للخطاب التمييزي، وضمانات تحمي استقلالية الصحافيين، ومساحة مؤسسية للاعتراض دون خوف. فهل تستطيع القناة أن تستمع إلى صحافييها بالجدية نفسها التي تطالب بها ضيوفها حين تستجوبهم؟ وهل تستطيع الإدارة أن تقبل بأن بعض الأسئلة التي تطرحها الصحافة على المجتمع يجب أن تطرح عليها هي أيضا؟ وهل يمكن للصحافي أن يظل حارسا لباب الحقيقة إذا كان ممنوعا من السؤال عمّن وضع الأقفال على ذلك الباب؟
لعل أكثر المشاهد غرابة في هذه الحكاية ليس مشهد صحافيين يهددون بالإضراب، بل احتمال أن تضطر مؤسسة إعلامية إلى الاستماع إلى الحقيقة وهي تأتيها من داخل جدرانها، لا من خارجها. ففي اللحظة التي يصبح فيها الاعتراض المهني خطرا على المؤسسة، ينبغي أن نتساءل عما إذا كانت المؤسسة لا تزال تخدم الصحافة، أم أن الصحافة أصبحت مطالبة بخدمة المؤسسة. قد تنطفئ أضواء الاستوديو، وقد تتوقف النشرات لساعات، وقد تتغير الوجوه التي تجلس أمام الكاميرات. لكن السؤال سيبقى معلقا فوق كل شاشة: إذا كانت الصحافة موجودة كي لا يعتاد المجتمع على الخطأ، فمن يضمن ألا تعتاد الصحافة نفسها عليه؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإعلام ليس أن يختلف صحافيوه مع إدارته، بل أن يصلوا يوما إلى مرحلة يتوقفون فيها عن الاختلاف، لأنهم فقدوا الأمل في أن يسمعهم أحد.

لنفكر في وسائل الاعلام يوصلها، كيفما كان الحال، مؤسسة ايديولوجية بالمعنى العام للكلمة: لها خط تحريري، موقف، زاوية للنظر في أشياء العالم، وتخوض المناظرة في إطار صراع قوى ( يمين، يسار، وسط، أقصى اليسار، اقصى اليمين….التكنوقراط) أو في عالم بحكمه ” اقتصاد سياسي” لقول الحقيقة. أما ما يطفو على سطح الشاشة، ليس سوى رأس جبل الجليد….