حين أعادت إسبانيا امرأة من باكستان كانت في حافة القفص

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

ثمة أخبار تمرّ أمامنا كما تمرّ الغيوم: نقرأها، نهزّ رؤوسنا قليلا، ثم نواصل الحياة. لكن بعض الأخبار لا ينبغي أن تُقرأ؛ ينبغي أن تُفكَّك، كما تُفكَّك قنبلة صامتة، لأنّ ما يبدو حادثة عائلية صغيرة يخفي في داخله سؤالا هائلا عن الإنسان، وعن السلطة، وعن ذلك المكان الغامض الذي يبدأ فيه الحب وينتهي عند حدود الملكية. امرأة من برشلونة ذهبت إلى باكستان في سبتمبر 2025، بعدما قيل لها إن عائلتها تصالحت أخيرا مع علاقتها برجل باكستاني يقيم في برشلونة. سافرت وهي تحمل في حقيبتها، على الأرجح، شيئا من الطمأنينة وشيئا من الماضي وبعض الأوهام الجميلة التي تجعل الإنسان يصدق أن العائلة، مهما طال خصامها، يمكن أن تعود ذات يوم إلى طاولة المصالحة. لكن الطائرة لم تأخذها إلى المصالحة. أخذتها إلى الفخ.

بحسب ما أعلنت الشرطة الإسبانية، صودر جواز سفرها، واحتُجزت في منزل عائلي، ثم جرى ترتيب زواجها من أحد أقاربها رغم رفضها. وفي أبريل، انكشف الخيط بعدما أبلغ شريكها عن القضية عقب تعرضه لهجوم بسكين في برشلونة. وبعد تعاون بين الشرطة الإسبانية والسفارة الإسبانية في باكستان، أمكن تحديد مكان المرأة وتأمين عودتها إلى إسبانيا، حيث تلقت رعاية متخصصة. كما أوقف رجلان يبلغان 41 و45 عامًا للاشتباه في الاتجار بالبشر بغرض الزواج القسري، وفق الرواية التي أوردتها الشرطة الكاتالونية هنا، فجأة، يصبح جواز السفر أكثر من ورقة. إنه قطعة صغيرة من السيادة الشخصية. وحين يُنتزع من يد إنسان، لا يُنتزع منه فقط حق العبور من بلد إلى بلد؛ يُنتزع منه شيء أكثر بدائية: القدرة على أن يقول «سأذهب» بدل «سيسمح لي أن أذهب». ولذلك فإن أكثر ما يثير الرعب في هذه القصة ليس الزواج وحده. الزواج، في صورته الإنسانية، عقد بين إرادتين. أما حين تُمحى إرادة أحد الطرفين، فإن الإسم يبقى «زواجا» لكن الجوهر يصبح شيئا آخر تماما: احتجازا يرتدي ثياب الاحتفال.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل. العائلة، في المخيال الإنساني، هي المكان الأول الذي نتعلم فيه معنى كلمة «الأمان». البيت هو المساحة التي يفترض أن يسقط عند عتبتها الخوذ والأسلحة والحذر. لكن ماذا يحدث عندما يصبح البيت نفسه غرفة مغلقة؟ ماذا يحدث عندما تتحول القرابة من شبكة حماية إلى شبكة حصار؟ عندها لا يعود السجن بناء من إسمنت. قد يكون ابن عم. قد يكون عمًا. قد تكون غرفة في بيت العائلة. وقد يكون جواز سفر مخبأ في درج لا تستطيع الوصول إليه. وهذا هو الجانب الأكثر قسوة في الزواج القسري: أنه لا يحتاج دائما إلى قضبان حديدية. يكفيه أحيانا الخوف، والقرابة، والعار الاجتماعي، والاعتماد الاقتصادي، وفكرة قديمة تقول للمرأة إن رغبتها شأن ثانوي أمام «مصلحة العائلة». الزواج القسري، بهذا المعنى، ليس مجرد انتهاك لحق عاطفي. إنه مصادرة لفكرة الشخص نفسه. لأن الإنسان لا يكون إنسانا كامل الحرية إذا كان الآخرون يقررون عنه مع من يعيش، وأين يعيش، ومتى يتزوج، وماذا يفعل بجسده وحياته.

وقد وثقت جهات دولية وحقوقية أن الزواج القسري يرتبط بأشكال أخرى من العنف والسيطرة، وأن النساء والفتيات قد يجدن أنفسهن أمام العنف الأسري أو الاحتجاز أو صعوبة الوصول إلى العدالة والحماية. لكن ثمة سؤالًا أكثر إزعاجًا ينبغي ألا نهرب منه: هل ينبغي أن ننظر إلى هذه القصة باعتبارها قصة «ثقافة» بعينها؟ الجواب الأكثر عقلانية هو: لا، ليس بهذه البساطة. لأن اختزال الجريمة في هوية جماعة أو دين أو بلد قد يمنحنا راحة فكرية زائفة. يجعلنا نشير بأصابعنا إلى «الآخر» ونغادر المكان الذي يجب أن نبدأ منه: الإنسان. فالزواج القسري ليس ظاهرة حكرا على شعب بعينه. إنه يظهر حيث تتغلب الجماعة على الفرد، وحيث يصبح مفهوم «الشرف» أقوى من مفهوم الحرية، وحيث يُنظر إلى حياة الإنسان باعتبارها ملكا لعائلته أو عشيرته أو محيطه الاجتماعي.

إن المشكلة تبدأ في اللحظة التي تقول فيها الجماعة للفرد: «نحن نعرف مصلحتك أكثر منك». ومن هذه الجملة الصغيرة يمكن أن يولد تاريخ طويل من المآسي. ما فعلته إسبانيا في هذه القضية يستحق القراءة من زاوية أخرى أيضا. فالشرطة لم تتعامل مع المرأة بوصفها مجرد مواطنة عالقة في نزاع عائلي بعيد، ولم تقل إن ما يجري «شأن عائلي» ينبغي أن يُترك داخل الأسرة. تدخلت، وتعاونت مع سفارتها، وحددت مكانها، وأعادتها إلى إسبانيا، ثم وفرت لها رعاية متخصصة. هذه ليست مجرد عملية نقل جغرافي. إنها، في معناها الأعمق، إعادة للإنسان إلى حقه في أن يكون صاحب حياته. فالحدود السياسية تفصل الدول، لكنها لا ينبغي أن تفصل الحقوق عن أصحابها. وحين تكون امرأة تحمل جنسية إسبانية محتجزة خارج البلاد، فإن الدولة لا تواجه فقط مشكلة قنصلية؛ إنها تواجه سؤالا أخلاقيا وقانونيا عن مدى قدرتها على الوصول إلى مواطنتها عندما تصبح حريتها مهددة.

ولعل المفارقة الأشد غرابة أن الرحلة التي بدأت بوعد عائلي انتهت بعملية إنقاذ دولية. سافرت لتلتقي أهلها. فعادت برفقة الدولة. سافرت بجواز سفر. ثم سُلب منها جواز السفر. وعادت إلى وطنها بعدما استُعيد لها، بطريقة ما، ليس جواز السفر وحده، بل حقها في اختيار مصيرها. ومن هنا يصبح الرجل الذي أُعلن عن علاقته بالقضية، والذي تعرض للطعن بحسب الرواية التي نقلتها الشرطة، جزءا آخر من هذه المتاهة؛ فالقصة لم تكن محصورة في امرأة جرى احتجازها بعيدا عن برشلونة، بل امتدت آثارها إلى المدينة نفسها، حيث انكشف الخيط الذي قاد إلى القضية. وهكذا تعمل بعض الجرائم مثل العنكبوت: لا تُرى الشبكة كاملة إلا عندما يتحرك طرف منها. لكن ربما علينا أن نذهب أبعد من الشرطة والمحاكم والسفارات. علينا أن نسأل: لماذا تحتاج امرأة إلى دولة كي تقول لعائلتها «لا»؟ السؤال موجع، لأنه يكشف هشاشة فكرة الحرية في بعض البيئات. نحن نحب أن نتخيل الحرية شيئا مكتملا بمجرد أن يبلغ الإنسان سن الرشد، ويحصل على جواز سفر، ويعيش في مدينة حديثة. لكن الحرية ليست ورقة، ولا عنوانًا في بطاقة الهوية، ولا جوازا أوروبيا. الحرية تبدأ عندما يكون «لا» الذي يقوله الإنسان مسموعا.

ولهذا فإن الزواج القسري هو، في جوهره، حرب على كلمة واحدة: «لا». «لا» التي تقولها امرأة لعائلتها. «لا» التي تقولها لجماعة اجتماعية. «لا» التي تقولها لرجل اختير لها. «لا» التي تقولها لتاريخ يريد أن يقرر مستقبلها نيابة عنها. وحين تصبح هذه الـ«لا» غير مسموعة، يبدأ العنف حتى لو لم تُرفع يد، وحتى لو لم يُطلق رصاص، وحتى لو أُضيئت قاعة الزواج بالشموع. هناك عنف أكثر هدوءا من الضرب: أن تُجبر إنسانا على أن يعيش الحياة التي اختارها له آخرون. وهنا تحديدا تكمن أهمية هذه القصة. إنّها لا تقول لنا فقط إن امرأة نجت. إنها تقول إن النجاة أحيانا تبدأ عندما تعترف الدولة بأن ما يحدث داخل العائلة ليس مقدسًا لمجرد أنه يحدث داخل العائلة. فالأسرة قيمة، نعم. لكن الإنسان الذي داخلها قيمة قبلها. والتقاليد يمكن احترامها، لكن لا تقوى التقاليد على إلغاء الإرادة الحرة. والثقافة جديرة بالحماية، لكن لا ينبغي أن تصبح الثقافة اسما آخر للخوف. والعائلة يمكن أن تكون وطنا صغيرا، لكنها تفقد معناها حين تتحول إلى دولة داخل الدولة، لها حدودها السرية، وسجونها الخاصة، وقوانينها التي لا يستطيع الفرد الطعن فيها.

لهذا تبدو عودة المرأة من باكستان إلى برشلونة أكبر من رحلة جوية. إنها عبور من مكان كانت فيه إرادتها محتجزة إلى مكان تستطيع فيه أن تستعيد صوتها. ربما ليست المسألة أن إسبانيا «أنقذت امرأة من باكستان». المسألة الأكثر عمقا هي أن إنسانا كان قد كاد يتحول إلى ملكية عائلية، ثم جاءت دولة لتقول: لا أحد يملك إنسانا. لا أب. لا أمّ. لا عم. لا ابن عم. لا جماعة. لا تقليد. ولا حتى التاريخ نفسه. لأن الإنسان، في اللحظة التي يولد فيها، لا يوقّع عقدا يمنح الآخرين حق امتلاك مستقبله. وهذا هو الدرس الأكثر قسوة في الحكاية: أحيانًا لا تكون الحرية بابا مفتوحا. أحيانا تكون شخصا يستعيد جواز سفره. وأحيانا تكون طائرة تقلع ليلا من بلد بعيد. وأحيانا تكون امرأة تجلس قرب نافذة الطائرة، تنظر إلى السحب تحتها، وتدرك، للمرة الأولى منذ زمن، أن حياتها عادت إليها. ربما في تلك اللحظة فقط يصبح للسماء معنى آخر. فالسماء لا تعِدنا بشيء. لكنها، على الأقل، لا تختار لنا من نتزوج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *