بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
ثمة شيء غريب في المطارات هي الأماكن الوحيدة تقريبا التي يدفع فيها الإنسان كي يغادر، ثم يدفع مرة أخرى كي يصل، ثم يكتشف، وهو يحلّق فوق الغيوم، أن هناك من لم يصعد إلى الطائرة أصلا لكنه كان ينتظر في الأسفل ليحصّل نصيبه من الرحلة. هذه المرة، لن تكون المسألة مجرد زيادة أخرى في سعر التذكرة. ثمة هندسة مالية أكثر التواءً تجري في سماء باريس: مسافرون يستخدمون أورلي سيدفعون أكثر، فيما يُراد بجزء من هذه الأموال أن يمول استثمارات ضخمة في شبكة المطارات التابعة لمجموعة «مطارات باريس» ADP، وعلى رأسها رواسي – شارل دوغول، حيث يتمركز نموذج «الهاب» والعدد الأكبر من رحلات الترانزيت. وفق المعطيات المنشورة، ينص مشروع عقد التنظيم الاقتصادي بين الدولة ومجموعة ADP على برنامج استثماري يبلغ 8.2 مليار يورو لتحديث البنية التحتية للمطارات في منطقة باريس، مقابل ارتفاع تدريجي في الرسوم. وتقول المعطيات إن الرسم على الراكب في الرحلات الداخلية، ورحلات فضاء شنغن، وأقاليم ما وراء البحار، سيرتفع من 11 يورو حاليا إلى 17.11 يورو في 2034، أي بزيادة تبلغ 56 في المائة. وفي الوقت نفسه، سيصل التخفيض الممنوح للمسافرين العابرين «الترانزيت» إلى 60 في المائة، مقابل 40 في المائة حاليا.
الأرقام تبدو باردة. لكن الأرقام، أحيانا، هي أكثر الأشياء قدرة على إخفاء الحرارة. فالـ6.11 يورو الإضافية ليست مجرد أرقام في جدول محاسبي. إنها مقعد على طائرة، حقيبة طفل، رحلة طالب، زيارة أم لابنها، عطلة عائلة، أو عامل يسافر بين مدينتين. وحين تتكرر الزيادة على ملايين الركاب، تتحول القطع الصغيرة إلى نهر مالي قادر على تغيير شكل الخريطة الجوية نفسها. المشكلة ليست أن مطارات باريس تحتاج إلى الاستثمار. لا أحد يستطيع أن يتخيل بنية تحتية جوية ضخمة تعيش إلى الأبد على إسمنت الأمس وممرات الأمس وأنظمة الأمس. المطارات كائنات عملاقة: تستهلك المال كما تستهلك الطائرات الوقود. تحتاج إلى التجديد والأمن والتحول الرقمي والصيانة والقدرة على استيعاب المستقبل. لكن السؤال الأكثر إثارة ليس: «هل ينبغي الاستثمار؟» بل: من الذي ينبغي أن يدفع؟ ولمن تذهب ثمرة الاستثمار؟
هنا يتحول المطار إلى مرآة للدولة الحديثة. لأن الدولة لا توزع دائمًا الكلفة بالطريقة التي توزع بها المنفعة. قد يدفع شخص في أورلي كي تصبح آلة الترانزيت أكثر كفاءة في رواسي. وهذه ليست مجرد مسألة محاسبية؛ إنها مسألة فلسفة اقتصادية. إذا كان المسافر الذي يستقل رحلة مباشرة من أورلي إلى مدينة فرنسية أو أوروبية يدفع رسمًا أعلى، بينما يحصل مسافر الترانزيت على تخفيض يصل إلى 60 في المائة، فإن الرسالة الاقتصادية الضمنية تصبح واضحة: الرحلة التي تمر عبر مركز «الهاب» تصبح أقل كلفة نسبيًا، فيما يتحمل المسافر غير العابر جزءًا أكبر من العبء. وهنا تفهم شركات الطيران في أورلي سبب غضبها. فالاحتجاج، في جوهره، ليس على رقم مجرد، بل على خوف من أن تتحول بنية الرسوم إلى أداة تعيد توزيع القوة بين مطارات المنطقة الباريسية.

أورلي ليس مجرد مدرج إسمنتي. إنه مدينة لها اقتصادها، وموظفوها، وشركاتها، وشبكاتها، وذاكرة سفر كاملة. وعندما تتغير الأسعار بطريقة تجعل نموذجا جويا أكثر جاذبية من نموذج آخر، فإنك لا تغير سعر التذكرة فقط؛ أنت تبدأ، بهدوء، في تغيير الجغرافيا. الجغرافيا هنا لا تُرسم بالخرائط. تُرسم بالفواتير. وهذه واحدة من أكثر حقائق الرأسمالية المعاصرة غرابة: يمكن لجدول رسوم صغير أن يفعل ما تعجز عنه أحيانًا قرارات سياسية كبرى. يستطيع أن يدفع حركة بشرية بأكملها من مكان إلى آخر دون أن يصدر مرسوم واحد يقول للناس: «اذهبوا إلى هناك». فقط أجعل الطريق إلى هناك أرخص. وأجعل الطريق الآخر أغلى. وسيتولى السوق بقية المهمة. وهنا ينبغي أن ننتبه إلى كلمة تبدو بريئة جدا: «الهاب». الـHub ليس مجرد مطار كبير. إنه فلسفة في تنظيم الحركة. طائرة تأتي من مدينة، تحمل ركابا، يهبطون، ثم يصعدون إلى طائرات أخرى، فتلتقي عشرات المدن في عقدة واحدة مثل خيوط عنكبوت ضخمة. كلما كبرت العقدة، ازدادت جاذبيتها، وكلما ازدادت جاذبيتها، صار من الأسهل إضافة رحلات جديدة، فتزداد جاذبيتها أكثر. إنه قانون كرة الثلج. أو، بلغة أكثر شاعرية، قانون الكائن الذي يأكل لكي يكبر، ثم يكبر لكي يأكل أكثر. رواسي، بحكم موقعه ودوره التاريخي، هو العقدة الكبرى في هذه الشبكة. ومن الطبيعي اقتصاديا أن ترغب المجموعة المشغلة في تقويته. لكن السؤال الديمقراطي يبدأ عندما لا يعود الاستثمار في العقدة ممولًا فقط من المستفيدين المباشرين منها، بل من مسافرين يستخدمون أجزاء أخرى من النظام. وهنا لا يكفي أن تقول لنا الإدارة: «سنستثمر 8.2 مليار يورو». علينا أن نسأل: ثمانية مليارات لمن؟ وعلى حساب من؟ وبأي عائد؟
فالاستثمار ليس كلمة مقدسة. قد يكون الاستثمار طريقا إلى المستقبل، وقد يكون مجرد طريقة أنيقة لجعل الحاضر يدفع ثمن مستقبل لم يختره. المفارقة أن الراكب الذي سيدفع الزيادة لن يرى بالضرورة تلك المليارات. لن يراها في حقيبته. لن يراها في مقعد الطائرة. لن يشعر بها عندما ينتظر الإقلاع. سيراها، إن سارت الخطة كما هو متوقع، في بنية تحتية أكبر، وفي منشآت مطورة، وفي مطارات أكثر قدرة على العمل. وهذا هو العقد غير المرئي بين المواطن والبنية التحتية: تدفع الآن كي تحصل على شيء قد لا تراه إلا بعد سنوات. لكن الثقة تنهار عندما يشعر الدافع بأن الآخرين يحصلون على الحصة الأكبر من المستقبل. ومن هنا يصبح غضب شركات الطيران في أورلي مفهوما حتى لو كان ينبغي، في الوقت نفسه، قراءته بحذر. فالشركات ليست جمعيات خيرية، وهي تدافع عن تكاليفها وهوامشها وقدرتها التنافسية. وقد تنتقل بعض التكاليف إلى المسافر في النهاية. لذلك فإن اعتراضها لا يمثل بالضرورة المصلحة العامة كاملة.
لكن تجاهل اعتراضها أيضا سيكون خطأ. لأنها، بحكم موقعها، ترى شيئا قد لا يراه الراكب: كيف تتحول رسوم صغيرة إلى قرارات تشغيلية كبيرة. إذا ارتفعت تكلفة مسار، فقد تتغير جاذبيته. وإذا تغيرت جاذبيته، فقد تتغير شبكة الرحلات. وإذا تغيرت الشبكة، فقد تتغير المدينة التي يسافر منها الناس. ثم، بعد سنوات، قد يستيقظ المرء ليكتشف أن المطار الذي كان يركبه أصبح أقل حضورا، لا لأن أحدا قرر إغلاقه، بل لأن سلسلة من الرسوم والحوافز دفعت الحركة تدريجيا في اتجاه آخر. وهذه هي قوة القرارات التي تبدو تقنية. إنها لا تصرخ. إنها تزحف. لا تغلق الباب. بل تجعل المرور منه أغلى. ولا تقول لك: «لا تذهب». بل تجعل الطريق الآخر أكثر إغراء. وهكذا يصبح الاقتصاد فنّا غريبا لصناعة الاختيارات من دون إصدار أوامر. لكن ثمة سؤالا أكبر من أورلي ورواسي، أكبر حتى من ADP وشركات الطيران. إنه سؤال عن معنى البنية التحتية في القرن الحادي والعشرين. هل نبني المطارات لكي نخدم حركة البشر؟ أم نبني حركة البشر لكي نخدم المطارات؟
السؤال يبدو فلسفيا، لكنه ليس كذلك تماما. فالمدينة التي تُصمم حول البنية التحتية تبدأ، تدريجيا، في معاملة الإنسان كرقم داخل شبكة. الراكب يصبح «وحدة»، الرحلة تصبح «تدفقا»، المطار يصبح «أصلا»، والمدينة تصبح «سوقا». ثم تختفي كلمة واحدة من المعادلة: الإنسان. لهذا فإن الـ8.2 مليار يورو ينبغي ألا تُقرأ فقط بوصفها حجما ماليا ضخما، بل بوصفها وعدا سياسيا ضمنيا: أن المستقبل الذي يُبنى اليوم سيخدم المجال الجوي والاقتصاد والمواطنين على نحو يمكن تبريره. وهنا يجب أن تكون الشفافية أكبر من الإعلان عن حجم الاستثمار. ينبغي أن نعرف: كم سيدفع المسافر فعلا؟ كم ستتحمل شركات الطيران؟ كيف سيتوزع الإنفاق؟ ما الذي سيذهب إلى الصيانة؟ وما الذي سيذهب إلى التوسعة؟ وما الذي سيستفيد منه أورلي مباشرة؟ وما الذي سيذهب أساسا إلى نموذج رواسي؟ وهل ستؤدي الحوافز الجديدة إلى إعادة تشكيل المنافسة بين مطارات المنطقة؟
لأن السؤال الأخلاقي في الاقتصاد ليس فقط: «كم دفعنا؟» بل: «ماذا اشترينا بهذا الدفع؟» قد يكون من الضروري أن يدفع المسافر أكثر كي تحصل المطارات على مستقبل أفضل. لكن من حق المسافر أن يعرف أي مستقبل يشتري. فالسماء، في النهاية، لا تنتمي إلى رواسي ولا إلى أورلي. ولا إلى شركة الطيران. ولا حتى إلى الدولة وحدها. السماء فضاء عام، أما المطارات فهي بوابات خاصة وعامة في آن واحد، تتقاطع عندها مصالح الدولة والشركات والمواطنين. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين أورلي ورواسي. إنها بين تصورين للمستقبل. تصور يقول: فلنضخ الأموال حيث توجد أكبر قدرة على توليد الحركة، ولنجعل مركزا جويا ضخما أكثر قوة وكفاءة. وتصور آخر يسأل: وهل يجوز أن ندفع ثمن هذه المركزية من جيوب أولئك الذين لا يستخدمونها بالطريقة نفسها؟ وبين التصورين توجد الحقيقة المزعجة: لا توجد بنية تحتية مجانية. كل مطار له فاتورة. كل مدرج له ثمن. كل تحديث له ممول.
لكن الفرق بين سياسة عادلة وسياسة لا يشعر بها الناس عادلة ليس في وجود الفاتورة؛ بل في طريقة توزيعها. وربما لهذا السبب تحديدا ينبغي ألا ننظر إلى الـ56 في المائة باعتبارها مجرد نسبة. إنها علامة استفهام. علامة استفهام معلقة في الهواء، فوق الطائرات، فوق أورلي، وفوق رواسي. ومن تحتها يمر ملايين المسافرين. السؤال ليس إن كانت فرنسا تحتاج إلى مطارات أفضل. بالطبع تحتاج. السؤال الذي يستحق أن يبقى معلقا في السماء هو: حين نبني مستقبل الطيران، من الذي نطلب منه أن يدفع ثمنه، ومن الذي نمنحه مفاتيحه؟ ففي المطارات، كما في الحياة، ليست المشكلة دائما في ارتفاع الثمن. المشكلة تبدأ حين يدفع الناس ثمنا لا يعرفون لمن يذهب، ولماذا يدفعونه، وأي عالم يُبنى بأموالهم. عندها لا تعود الطائرة هي التي تقلع. العدالة نفسها هي التي تبدأ في الارتفاع أو الهبوط.
