عن سعد لمجرد، وعن الفن حين يصطدم بالحدود التي لا تستطيع الشهرة أن تمحوها

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

في نهاية المطاف، لا تستطيع الشهرة أن تحاكم بدل صاحبها، ولا يستطيع التصفيق أن يكون محاميا، ولا يمكن للأغنية، مهما بلغت من سحر، أن تمحو سؤالا بسيطا ومزلزلا: أين يبدأ حق الآخر، وأين تنتهي رغبة الذات؟ في فرنسا، أُسدل الستار في 26 شتنبر 2026 على فصل جديد من قضية سعد لمجرد. فقد قضت محكمة الاستئناف في كريتاي بسجنه عشر سنوات بتهمة اغتصاب شابة في باريس سنة 2016، بعدما كان قد حكم عليه في الدرجة الأولى سنة 2023 بالسجن ست سنوات. وقد أعلن دفاعه عزمه الطعن بالنقض، وهو طريق قانوني لا يعيد محاكمة الوقائع على نحو محكمة الموضوع. والقضية التي عادت إلى الواجهة اليوم ليست وليدة أمس. إنّها قصة تمتد قرابة عقد كامل، تشابكت فيها المحاكمة والاستئناف والتحقيقات الإضافية والاتهامات المضادة، بل وملف منفصل يتعلق بمحاولة ابتزاز أفضت إلى إدانة خمسة أشخاص، فيما بُرئت المشتكية في ذلك الملف من محاولة الابتزاز نفسها. كما أن لمجرد يواجه قضية أخرى منفصلة في فرنسا، صدر فيها بحقه حكم بالسجن خمس سنوات عن وقائع تعود إلى 2018، وهو استأنف ذلك الحكم أيضا.

لكن بعيدا عن تفاصيل الملف القضائي، وبعيدا عن الانفعال الذي يصاحب اسم فنان ذائع الصيت، ثمة سؤال أكبر يطل من خلف الستار: هل نحن أمام شهوة جامحة تسكن بعض رجال الفن حين تضع الشهرة بين أيديهم مفاتيح الأبواب، أم أننا أمام حكاية أقدم من الفن نفسه، أقدم من السينما والمسرح والموسيقى، حكاية الإنسان حين يخلط بين الرغبة والحق، وبين الإغراء والامتلاك، وبين «أريد» و«يحق لي»؟ ربما يكون السؤال أقدم من الإنسان نفسه. فالإنسان، منذ أن اكتشف جسده، اكتشف معه رغبة امتلاكه. ومنذ أن اكتشف السلطة، اكتشف إمكانية استخدامها على الآخرين. ومنذ أن اكتشف الشهرة، اكتشف أخطر أنواع السلطة: تلك التي تجعل صاحبها يظن، أحيانا، أن العالم أكثر استعدادا للتسامح معه مما هو مستعد للتسامح مع الآخرين.

الفنان ليس وحشا لأنه فنّان. والرجل ليس مذنبا لأنه رجل. والشهرة ليست جريمة. والرغبة الجنسية في ذاتها ليست جريمة. لكن هناك خطا رفيعا، واضحا في القانون والأخلاق، يفصل بين الرغبة والاعتداء، بين الإغواء والإكراه، بين علاقة يختارها طرفان بحرية، وفعل يُفرض على أحدهما دون رضاه. وهذا الخط، مهما كان رفيعا، ليس ملكا للفنان ولا للمنتج ولا للمخرج ولا للنجم. إنه ملك الإنسان. فالفن، في جوهره، يفترض أن يكون احتفاء بالإنسان؛ بالجسد حين يصبح لغة، بالصوت حين يصبح ذاكرة، بالخيال حين يصبح نافذة على العالم. لكن المفارقة المريرة أن بعض العوالم الفنية نفسها يمكن أن تتحول إلى مساحات كثيفة من النفوذ غير المتوازن: نجم أمام شخص أقل شهرة، مخرج أمام ممثلة، منتج أمام شابة تبحث عن فرصة، مغنّ أمام معجبة، أو شخصية عامة تعرف أن اسمها وحده يفتح الأبواب ويغلقها. وهنا لا تعود المسألة مسألة رجل وامرأة فقط. تصبح مسألة سلطة. من يملكها؟ ومن لا يملكها؟ ومن يستطيع أن يقول «لا» دون أن يخشى أن يدفع ثمنها؟ ومن يستطيع أن يقول «لا» ويجد من يسمعه؟

هذه الأسئلة هي التي جعلت موجة #MeToo أكثر من مجرد سلسلة من الفضائح. لقد كانت، في جانب منها، محاولة لإعادة تعريف الحدود داخل عالم اعتاد طويلا أن يخلط بين الجرأة والانتهاك، وبين التحرر والفوضى، وبين الصمت والرضا. وفي فرنسا، لم يعد الأمر محصورا في قضية لمجرد. فملف باتريك برويل، مثلا، تحول خلال 2026 إلى قضية قضائية ومجتمعية واسعة، مع تعدد الشهادات والشكاوى والتحقيقات، بينما ينفي الفنان الاتهامات الموجهة إليه. كما أعادت قضية لوك بيسون إشعال النقاش بعد طلب الممثلة ساند فان روي دعم النيابة لإعادة فتح التحقيق، رغم أن القضاء سبق أن أنهى القضية بقرار عدم إحالة أُيّد لاحقا حتى أمام محكمة النقض. وفي سبتمبر، تقرر أن يُحاكم الفنان التشكيلي كلود لفيك في قضية تتعلق باتهامات بوقائع جنسية ضد قاصرين تعود إلى سنوات بعيدة.

لكن هنا ينبغي التوقف لحظة. ليس كل اتهام إدانة. وهذه ليست جملة قانونية باردة؛ إنها إحدى ركائز العدالة. فكما ينبغي أن نسمع الضحية المفترضة وألا نسخر من ألمها، ينبغي أيضا ألا نحول الإعلام إلى محكمة بديلة، ولا مواقع التواصل إلى مقصلة، ولا الشهرة إلى قرينة ذنب. العدالة لها إيقاعها البطيء. والحقيقة القضائية لا تُستخرج من عدد التغريدات ولا من عدد المتابعين ولا من قوة الغضب الشعبي. قد تتأخر العدالة، لكنها تظل مطالبة بأن تفصل بين الشبهة والدليل، وبين الرواية والحقيقة، وبين الاتهام والإدانة. وهنا تكمن إحدى أعظم المفارقات في عصرنا: نحن نريد عدالة سريعة للضحايا، لكننا نحتاج في الوقت نفسه إلى عدالة عادلة للمتهمين. لا يمكن التضحية بأحدهما لإنقاذ الآخر. فإذا ألغينا قرينة البراءة، ظلمنا العدالة.

وإذا تجاهلنا أصوات الضحايا، ظلمنا العدالة أيضا. العدالة ليست أن نصدق الجميع؛ وليست أن نشك في الجميع. العدالة أن نبحث عن الحقيقة وفق قواعد لا تتغير بتغير شهرة الأشخاص. وهنا تصبح قضية سعد لمجرد أكبر من سعد لمجرد. فالرجل الذي كان يدخل المسارح وسط آلاف الأصوات، ويظهر على الشاشات وسط ملايين المشاهدات، وجد نفسه أمام أكثر جمهور صمتا في العالم: هيئة قضائية تنصت إلى الوقائع. لا تصفيق. لا موسيقى. لا إضاءة. لا جمهور يهتف باسم النجم. فقط أسئلة. وأجوبة. وأدلة. ومحامون. وقضاة. وذاكرة امرأة تقول إنها تعرضت لما لم توافق عليه، ورجل يقول إنه لم يفعل ما اتُّهم به. وهنا تسقط أسطورة الشهرة للحظة. فالعدالة لا تعرف «مغنيا» ولا «نجما» ولا «ملك المسرح». إنها تعرف متهما ومشتكية وملفا وحكما وطرقا للطعن. ربما يكون هذا أجمل ما في العدالة، وأقسى ما فيها في الوقت نفسه. أنها، عندما تكون مستقلة، تستطيع أن تقول للنجومية: انتظري خارج الباب. لكن ثمة سؤالا فلسفيا لا ينبغي أن ندفنه تحت لغة المحاكم: لماذا يتكرر هذا النوع من القصص في عوالم الفن؟ هل الفن يجعل الإنسان أكثر تحررا من القيود؟

أم أن بعض البيئات الفنية، بسبب طبيعتها القائمة على الجسد والحضور والكاريزما والعلاقات الشخصية، يمكن أن تجعل الحدود أكثر ضبابية؟ ليس من العقل أن نقول إن الفنانين أكثر ميلا إلى الاعتداء من غيرهم؛ لا يوجد ما يبرر هذا التعميم. لكن من المعقول أن نسأل عن البيئات التي تتجمع فيها الشهرة والسلطة والمال والجاذبية والفرص غير المتكافئة. فالإنسان لا يتغير بالضرورة عندما يصبح مشهورا. لكن العالم يتغير من حوله. والناس يبدأون في معاملته بطريقة مختلفة. الأبواب تفتح. والرفض يصبح أكثر صعوبة. والصمت يصبح أحيانا أكثر تكلفة. وهنا تكمن خطورة السلطة الناعمة. فالرجل الذي يستطيع أن يمنح فرصة فنية، أو يمنعها، أو يرفع اسما، أو يخفضه، لا يدخل الغرفة بصفته رجلا فقط. يدخل ومعه ميزان مختل. وقد لا يحتاج إلى تهديد صريح. يكفي أحيانا أن يعرف الطرف الآخر من يكون. وهذا هو السبب الذي يجعل مفهوم الرضا أكثر تعقيدا من مجرد غياب كلمة «لا». فالرضا الحقيقي ليس خوفا صامتا. وليس استسلاما بسبب فارق القوة. وليس نتيجة ضغط مهني. وليس ثمنا لفرصة. إنه اختيار حر. ومن دون الحرية، تصبح كلمة «نعم» أحيانا مجرد قشرة لغوية فوق شيء آخر. ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يبقى في قلب النقاش ليس: هل الرجال سيئون؟ ولا: هل النساء دائما ضحايا؟

كلا. السؤال هو: كيف نبني عالما يستطيع فيه الطرف الأضعف أن يقول «لا» دون أن يدفع ثمنا باهظا، ويستطيع فيه الطرف الآخر أن يسمع «لا» دون أن يعتبرها إهانة لسلطته أو لرجولته؟ ربما هنا يبدأ التحضر الحقيقي. لا في الملابس. ولا في الأبراج الزجاجية. ولا في عدد المهرجانات. ولا في حجم المسارح. بل في قدرة الإنسان على ضبط أقوى شيء يملكه: رغبته حين تصطدم بحرية إنسان آخر. وقد تكون هذه هي المعركة القديمة جدا، القديمة قدم الإنسان. منذ قابيل وهابيل، والإنسان يتعلم بصعوبة أن الآخر ليس امتدادا لرغبته. المرأة ليست جسدا متاحا. والرجل ليس آلة رغبات. والفنان ليس فوق القانون. والمعجب ليس ملكية. والنجومية ليست رخصة. والجمال ليس موافقة. والصمت ليس بالضرورة قبولا. لكننا، رغم آلاف السنين من الفلسفة والشرائع والقوانين، ما زلنا نعيد السؤال نفسه بوجوه جديدة. كأن الحضارة طبقة رقيقة جدا فوق غابة قديمة. تحتها ما زالت الغرائز تتحرك. وما زال الإنسان مطالبًا بأن يتعلم الفرق بين أن يرغب وأن يمتلك. وهذا الفرق، ربما، هو أحد أعظم اختبارات الحضارة. لذلكلا ينبغي أن يكون الحكم على سعد لمجرد مناسبة لتصفية حساب مع الفن المغربي، ولا مناسبة لإطلاق أحكام جماعية على الرجال المغاربة، ولا ذريعة للقول إن الفن العربي أو المغربي يحمل في داخله مرضا أخلاقيا. ذلك كله تبسيط مخل. الفن المغربي أكبر من فنان. والمغرب أكبر من قضية. والرجل المغربي ليس متهما جماعيا بسبب رجل واحد. لكن من حق المغرب، ومن حق كل مجتمع، أن يسأل أبناءه المشاهير سؤالا بسيطا: ماذا تفعلون بالشهرة حين تنفردون بعيدا عن الكاميرا؟

فهناك، في المنطقة المعتمة بين الضوء والظل، تظهر شخصية الإنسان الحقيقية. الفن يصنع صورة. أما السلوك فيصنع الحقيقة. وقد يكون أشد ما في هذه القضية إيلامًا أن الشهرة التي تمنح الإنسان آلاف الأصوات لا تستطيع أن تمنحه صوتا واحدا فوق صوت المحكمة. هناك، ينتهي المسرح. تطفأ الموسيقى. تسقط الأقنعة. ويعود الإنسان إلى حجمه الأول: إنسانا مسؤولا عن أفعاله. وربما لهذا فإن الحكم الصادر في كريتاي لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره نهاية فصل في قضية سعد لمجرد، بل بوصفه جزءا من سؤال أوروبي وفرنسي وعالمي أكبر حول علاقة القوة بالرغبة، والشهرة بالمسؤولية، والحرية بالحدود. ففي فرنسا نفسها، تتسع النقاشات القانونية والسياسية حول العنف الجنسي؛ وهناك مشروع تشريعي واسع قيد البحث في البرلمان يهدف إلى إعادة بناء منظومة مكافحة العنف القائم على النوع والعنف الجنسي، متأثرًا بسلسلة من القضايا التي هزت الرأي العام الفرنسي خلال السنوات الأخيرة.

لكن القانون وحده لن يغيّر الإنسان. يمكن للقانون أن يعاقب. ولا يستطيع وحده أن يعلّم الرغبة كيف تتواضع. يمكن للمحكمة أن تقول: مذنب أو غير مذنب. لكنها لا تستطيع أن تدخل إلى أعماق التربية، حيث يتعلم طفل صغير للمرة الأولى أن جسد الآخر ليس ملكا له. ولا تستطيع أن تصل إلى تلك اللحظة التي يتعلم فيها الشاب أن الرجولة ليست في القدرة على أخذ ما تريد، وإنما في القدرة على احترام ما لا يُمنح لك. وهنا ربما يكون مستقبل المعركة. ليس في السجون وحدها. بل في المدارس. في البيوت. في الجامعات. في غرف الإنتاج. في الفن. في الإعلام. وفي الطريقة التي نربّي بها أبناءنا على فهم الحب والرغبة والرفض والكرامة. لأننا إذا انتظرنا الجريمة كي نتحدث عن الأخلاق، نكون قد وصلنا متأخرين جدا. والفن، لا يحتاج إلى أن يصبح أكثر براءة. يحتاج إلى أن يصبح أكثر مسؤولية. والرجولة لا تحتاج إلى أن تصبح أضعف. تحتاج إلى أن تصبح أكثر نضجا. والمرأة لا تحتاج إلى أن تتحول إلى رمز للضعف. تحتاج إلى أن تُعامل باعتبارها إنسان كامل الإرادة. أما الشهرة، فليست تاجا. إنّها امتحان. وكلما ارتفع الإنسان في الضوء، اتسع ظله خلفه. والسؤال الحقيقي ليس كم شخصا يصفق لك حين تظهر على المسرح. السؤال الذي لا يستطيع المسرح الإجابة عنه هو: من أنت حين تُغلق الأبواب، وينطفئ الضوء، ولا يبقى في الغرفة إلا أنت والآخر؟ هناك، بعيدا عن الموسيقى، تبدأ الحكاية التي لا يستطيع أي فنان أن يغنيها عن نفسه. وهناك، أيضا، يبدأ الامتحان الأصعب للإنسان: أن يعرف أن الرغبة حق، لكن الآخر ليس حقا لك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *