من ظلال سيدي يحيى بن يونس إلى تخوم الروح
من زكية لعروسي إلى صديقي الكاتب قيس بنيحي
رسالة من باريس الأنوار إلى رباط الوهج و الشرفاء
شكرا لك، صديقي الكاتب قيس بنيحي، لأنك كتبت عن وجدة، مدينتي التي أحب، وعن سيدي يحيى بن يونس، ذلك الإسم الذي لم يكن بالنسبة إلينا اسما لمقام أو ضريح فحسب، بل كان سماء طفولتنا، وظلا طويلا ترعرعنا بين أحضانه، ممتدا في دروبنا ومنازلنا وذاكرتنا. شكرا لأنك فتحت نافذة في جدار الزمن، فدخل منها هواء قديم، يحمل رائحة الأزقة، وصوت الخطى، وارتعاش الحنين.راق لي أن أصوغ نصك للحنين إلى مدينتي، وأن أترك للكلمات أن تعبر من وجدة إلى سيدي يحيى، ومن سيدي يحيى إلى تلك المنطقة الغامضة التي لا تعرفها الخرائط، حيث يسكن الإنسان نفسه.
كان الطريق من بركان إلى وجدة يبدو، في ظاهره، مجرد طريق يعبر الأرض، لكنه في داخلي كان يعبر شيئا آخر. كنت أرى المدن تتراجع خلف نافذة السيارة، والحقول تنسحب ببطء، والسماء كأنها تطوي صفحة من كتاب قديم، فيما كانت وجدة تقترب، لا كمدينة أصل إليها، بل كموعد أعود إليه. وجدة لم تكن بالنسبة إلي مجرد مدينة عند الحدود. كانت هي نفسها عتبة. والعتبة ليست نهاية مكان وبداية مكان آخر فقط، بل هي تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان بين عالمين، فلا يكون قد غادر الأول تماما، ولا دخل الثاني بكامل روحه. ولعل هذا هو سر وجدة. مدينة تبدو على تخوم الجغرافيا، لكنها في العمق تقف على تخوم الروح. مدينة الحدود، لكنها لا تعرف الحدود حين يتعلق الأمر بالإنسان. وفي تاريخها، كما في ذاكرتها، ظلت الأبواب مفتوحة على جهات كثيرة. هنا مر زيري بن عطية، وهنا ترك المغراوة والزناتة آثارا لا تزال الأرض تحفظ صداها، كأن التراب نفسه ذاكرة لا تنسى. وحين أتأمل الجدران، أفكر دائما في أننا نحن الذين نبنيها ثم نصدق أنها أقوى منا. نبني الجدران بين المدن، وبين البلدان، وبين القلوب، ثم ننسى أن الباب الذي نضعه في الجدار هو اعتراف صامت بأن العبور ممكن. كل جدار يحمل في داخله سرا صغيرا: أنه ينتظر ذات يوم أن يفتح.
وربما لهذا كانت وجدة، في تجربتي، مدينة الأبواب أكثر مما هي مدينة الجدران. وفي هذه المدينة عاشت زليخة نصري، أو بالأحرى عاشت وجدة في قلبها كما لو أنها وطن صغير لا يغادرها. أكثر من عشر سنوات من التواصل اليومي جعلتني أرى فيها معنى آخر للانتماء. لم يكن تعلقها بوجدة مجرد حنين إلى مكان، بل كان وفاء لمسؤولية، وإيمانا بأن خدمة الناس يمكن أن تكون شكلا من أشكال العبادة. كانت تعرف أن الوفاء ليس كلمة تقال، وإنما طريق طويل يمشيه الإنسان حتى حين لا يصفق له أحد. ومن خلال عملها، ومن خلال حضورها في قضايا الناس، ومن خلال زياراتها المتكررة إلى وجدة في إطار مؤسسة محمد الخامس للتضامن، تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس، كان المكان يتحول أمامي إلى معنى. كانت وجدة بيتها. وكان الشرق بالنسبة إليها ليس مجرد جهة في خريطة المملكة، بل انتماء ومسؤولية وذاكرة. وكان الاعتزاز بالشرق لا يعني الانغلاق عليه، بل حمله إلى فضاء أوسع، حيث يصبح حب المكان طريقا إلى خدمة الإنسان.
وحين دخلت وجدة في إحدى المرات ولم تكن زليخة نصري معي، شعرت بأن غياب شخص واحد يمكن أن يفتح في المكان حضورا آخر. فالذين نحبهم لا يغادروننا تماما. إنهم يغيرون طريقة رؤيتنا للأماكن. يصبح الشارع الذي مشينا فيه معهم مختلفا. والبيت الذي دخلناه معهم يحمل ظلا لا تراه العين. والمدينة نفسها تصبح أكثر امتلاء لأن أحدا ترك فيها جزءا من روحه. ومن وجدة كان الطريق يقودني دائما إلى سيدي يحيى بن يونس. هناك، يتغير إيقاع الأشياء. لا يعود المكان مجرد مكان. تصير الأشجار كأنها تحفظ أسرارا أقدم من الكلام، وتصير الحجارة كأنها تعرف أسماء الذين مروا بها، وتصير الريح رسولا بين زمنين.
سيدي يحيى ليس فقط مقام رجل صالح. إنه مقام ذاكرة. وفي هذه الذاكرة تتجاور حكايات المسلمين واليهود، وتلتقي آثار أناس عاشوا في المكان، وصلوا، ودعوا، وأحبوا، وماتوا، وتركوا خلفهم ما لا تستطيع الخرائط أن تمحوه. هناك يصبح التاريخ أقل صخبا. ويصبح الإنسان أكثر قربا من نفسه. وقد يقول المؤرخ شيئا، ويقول المؤمن شيئا آخر، لكن الحقيقة العميقة للمكان ليست دائما في ما يمكن إثباته بالوثائق. هناك حقيقة أخرى تسكن الوجدان. حقيقة لا تحتاج إلى برهان لأنها عاشت طويلا في قلوب الناس. وفي سيدي يحيى، كان الوقوف أمام المقام يجعلني أشعر بأن الزمن نفسه فقد حدوده. الماضي لم يعد خلفنا. والمستقبل لم يعد أمامنا. كلاهما كان واقفا معنا في اللحظة نفسها. حتى تلك العطية الملكية التي أحاطت بالمكان بمعنى الرعاية والوفاء، بدت لي كأنها امتداد لعهد قديم بين الأرض وأهلها، بين الذاكرة ومن يحميها، بين المكان ومن يعرف أن صيانة الذاكرة مسؤولية.
ثم تأتي الصلاة. وحين تبدأ الصلاة، يسقط كل شيء آخر. يسقط الإسم. وتسقط الحدود. وتسقط المسافات. ويكتشف الإنسان أن ما كان يبحث عنه في الطرق ربما كان يسكن فيه منذ البداية. هنا أفهم شيئا من ابن عربي. ذلك العارف الذي لم ير القلب سجنا ضيقا، بل رأى فيه اتساعا يكاد لا ينتهي. القلب، في التجربة الصوفية، ليس غرفة مغلقة. إنه أفق. وكلما اتسع القلب، ضاقت الحدود. وكلما اتسعت الروح، بدا الآخر أقل غربة. ولعل أعظم الحدود ليست تلك التي تفصل بين الدول، بل تلك التي يقيمها الإنسان داخل نفسه. هناك حدود بين الخوف والمحبة. بين الأنا والآخر. بين الذاكرة والنسيان. بين ما نظنه يقينا وما نكتشف بعد سنوات أنه كان مجرد جدار بنيناه حول أرواحنا. ومن هنا يصبح سيدي يحيى بن يونس أكثر من مكان. يصبح مرآة. نقف أمامه فنرى أنفسنا. نرى الطفل الذي كان يمر في تلك الدروب، ويرى الظل الممتد فوق البيوت. نرى وجدة القديمة. نرى وجوه الذين رحلوا. نرى الذين ظلوا. ونرى أنفسنا كما كنا، وكما أصبحنا، وكأن الزمن كله انحنى للحظة كي يسمح لنا بأن نلتقي. وحين تنتهي الصلاة، لا ينتهي شيء. يعود الصمت. لكن الصمت هذه المرة ليس فراغا. إنه امتلاء. كأن المكان قال ما يكفي، ثم ترك لنا مهمة الإصغاء.
نغادر سيدي يحيى، لكن سيدي يحيى لا يغادرنا. نعود إلى المدينة، لكن المدينة لم تعد كما كانت. فالذي يتغير في مثل هذه الرحلات ليس المكان وحده. نحن الذين نتغير. نكتشف أن الإنسان نفسه عتبة. وأن كل قلب يمكن أن يكون بابا. وأن كل ذاكرة يمكن أن تكون طريقا. وأن كل مدينة نحبها تترك فينا نافذة لا تغلق. وعندما ابتعدت عن سيدي يحيى، شعرت أنني لم أغادر المكان فعلا. كنت أحمله معي. في الطريق. في الصمت. في الذاكرة. وفي تلك المسافة الصغيرة بين نبضة وأخرى. فربما لا توجد حدود حقيقية إلا تلك التي نضعها في قلوبنا. وربما تكون الرحلة كلها، منذ بركان إلى وجدة، ومن وجدة إلى سيدي يحيى، ومن سيدي يحيى إلى أعماق الروح، رحلة واحدة: أن يتعلم الإنسان كيف يصبح واسعا بما يكفي ليستقبل الآخر، من دون أن يغادر الله قلبه. لهذا أحب وجدة. ولهذا أحب سيدي يحيى بن يونس. ليس لأنهما مكانان في الجغرافيا، بل لأنهما مكانان في الذاكرة. والذاكرة، حين تكون صادقة، لا تعيدنا إلى الماضي فقط. إنها تعيد إلينا أنفسنا.
شكرا لك، قيس بنيحي، لأنك كتبت. وشكرا لأنك جعلت الحنين يستيقظ. فبعض النصوص لا نقرأها. بعض النصوص تفتح لنا أبوابا كنا نظن أنها أغلقت منذ زمن. وأنت فتحت باب وجدة. فدخلت منه ذاكرتي. ودخل معه ظل سيدي يحيى وأمي الطاووس وخيرة. ودخلت طفولتي وعائلتي. ودخلت مدينتي التي ما زالت، رغم كل السنوات، تعرف الطريق إلى قلبي.
