الغضب الذي لم يجد من يسمعه

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

في الحادية عشرة ليلا من مساء الثلاثين من سبتمبر، كان الرقم قد استقر عند 356. ليس عددا أوليا، وليس حلا لمعادلة، بل عدد المباني المدرسية التي تحولت الى ساحات معارك في بلد يسمي نفسه موطن العقل والتنوير. 356 ثانوية في فرنسا. 625 توقيفه. 83 عنصرا من قوات الأمن مصابا. 119 من الطلاب والموظفين مصابا، بينهم 34 من الموظفين. لكن هذه الأرقام، بصراحتها الفجة، ليست سوى الجزء الطافي من حكاية أعمق، حكاية عن أمة لم تتعلم بعد كيف تسمع أبنائها. بدأ الأمر قبل اسبوع تقريبا، في ثانويات قليلة من ضواحي باريس. لم تكن البداية حريقا ولا مواجهة، بل كلمة. صفوف مكتظة، اساتذة غائبون لا يعوضون، مبان تتهاوى من الإهمال، وشرط تعلم لم يعد قابلا للحياة. هكذا ولدت الحركة: من تفاصيل صغيرة مذلة، من ممرات ضيقة وكراسي ناقصة وحصص غذائية لا تكفي. ثم جاء الإغلاق، وجاءت المظاهرات، وجاء مندوبو الاعلام الذين يبحثون عن اللهب لا عن السبب. وفي الطريق، تحول التلاميذ من أطفال يحلمون بامتحان  البكالوريا إلى “اأفراد” و“محرضين” و“خارجين عن القانون”، إلى أجساد تحصى في نشرات الأخبار كما تحصى الحاويات المحترقة.

في سان دوني، المدينة التي تحمل اسم القديس الذي نزع جلده حيا، وقف العمدة بالي باگايوكو بين جماهير التلاميذ. رجل ينتمي إلى حزب “فرنسا الأبية”، حزب يعرف ان من هم دون الرابعة والعشرين يشكلون خزانا انتخابيا لا يستهان به في استحقاق 2027. وقف وقال، أو هكذا نقل عنه: “العنف، في لحظة معينة، قد يكون مشروعا.” ثم أضاف، في محاولة لاحقا أن تبتلعها السرديات: “لكن كلّما أمكن تجنبه، كان ذلك أفضل”. لم يسمع الاستدراك. سمعه القانون. قائد شرطة باريس، پاتريس فور، أصدر تقريره وفق المادة الأربعين من قانون الإجراءات الجنائية. التهمة: “التحريض على ارتكاب جريمة”. لم يكن ما قاله العمدة في نظر القانون سوى جريمة، لا رأيا. قال إن العنف قد يكون “استجابة مفهومة أو مشروعة” لفعل قوات الأمن. القانون لا يعرف “مفهوما”. يعرف فقط “مشروعا” و“غير مشروع”. وفي هذا التقسيم، لا مكان لسؤال من نوع آخر: لماذا يصل أطفال في السادسة عشرة إلى نقطة يرون فيها في حرق  حاوية قمامة شكلا من أشكال التواصل؟

لم يقتصر الرد على القانون. أضافت ڤاليري پيكريس، رئيسة منطقة إيل-دو-فرانس، فاتورة بقيمة 100 ألف يورو إلى مكتب العمدة، تعويضا عن بوابة ثانوية پول-إيلوار المحترقة. وفي باريس، تسابق المسؤولون على إدانة “العنف” الذي “لا يمكن تبريره أبدا”. غابرييل أتال، المرشح الرئاسي، قال إن على المنتخبين “أن يدينوا العنف دائما”. إريك سيوتي قال أن العنف “لا يكون مشروعا أبدا”. حتى رافاييل غلوكسمان، من اليسار، قال: “العنف لا يكون مشروعا في الديمقراطية. أبدا.” لكن في هذا الإجماع المقدس حول “لا عنف”، شيء ما يظل غير مسموع. شيء يشبه إصرار على تعريف العنف فقط حين يأتي من الأسفل، لا حين يمارس عليها من الأعلى. العنف هو حاوية تحترق. العنف ليس صفا يضم أربعين تلميذا وأستاذا واحدا. العنف هو تلميذ يصاب في عينه بقنبلة مسيلة للدموع. العنف ليس مطعما مدرسيا لا يستطيع الجميع دخوله. عندما قال النائب اليساري أورليان لو كوك أن التلاميذ “يعانون عنفا اجتماعيا” يوميا، كان يطرح سؤالا لم يجد صدى: هل يمكن مقارنة حاوية تحترق بمدرسة تتحلل؟

في العمق، ما يحدث في فرنسا اليوم ليست أزمة تعليم. انه ازمة سماع. جيل كامل من المراهقين، أغلبه من الضواحي الشعبية، حاول ان يتحدث بلغة المدرسة، بلغة الاستفسار والمطالبة، فلم يجد أذنا تسمع. ثم حاول أن يتحدث بلغة الاغلاق، فقوبل بالتنديد. ثم تحدث بلغة النار، فلقي الاتهام. كل لغة جديدة كانت تقابل برفض أشد من سابقتها، وكان هناك قرار مسبق ولا يسمع شيء. ليس صدفة ان معظم الموقوفين كانوا من القاصرين. ليس صدفة أن حركة بدأت في ضواحي باريس، حيث يعيش من يسمون “من أصول مهاجرة”، حيث تتراكم إحصاءات البطالة والمعاناة. الرمزية الأشد إثارة للجنون ليست في التوقيفات ولا في الفاتورة، بل في الفيديو. مقطع يظهر العمدة باگايوكو “ضاحكا، راقصا” قرب حاوية تحترق. انتشر الفيديو، وتضخم، وأصبح دليلا على“تواطؤ مسؤول منتخب مع العنف”. ثم نشرت صحف مثل “لومانيتيه” و“ليبراسيون” نسخا أطول: العمدة كان يسحب الحاوية المشتعلة بعيدا عن سياج الثانوية، يمنع انتشار النار إلى المبنى. لكن النسخة الأولى ظلت هي السائدة. أصبح الرقص دليلا، وإن لم يكن رقصا بل محاولة إطفاء. تحول الفعل  إلى نقيضه عبر بتر بسيط.

هذا ليس حدثا إعلاميا. هذا هو الوضع الطبيعي للسياسة عندما تتحول إلى مسرحية بصرية، حيث كل مشاهد يختار الزاوية التي تريحه. في الجانب الآخر من المشهد، كان هناك آخرون يرقصون أيضا، لكن بلا كاميرات. ثلاثة تحقيقا لـ“المفتشية العامة للشرطة الوطنية” فتحت بعد إصابات تعرض لها تلاميذ. في تور، أصيب شاب في السادسة عشرة بعينه، والجروح “متوافقة” مع إصابة بسلاح من نوع LBD. في سان-وان-لومون، أظهرت فيديوهات إطلاق قنبلة غازية من مسافة صفر. هذه التحقيقات لا تبث على مدار الساعة، ولا تصنع منها فيديوهات “فيروسية”. إنها إجراءات روتينية، تعلن في نشرات الأخبار الرسمية، ثم تنسى. ما الذي يبقى بعد أن تطفئ الحرائق وترفع الحاويات وتصلح البوابات؟ يبقى سؤال لم يجب عليه أحد: ماذا كان هؤلاء التلاميذ يقولون بالضبط قبل أن يبدأوا في حرق القمامة؟ الجواب موجود في ملفات وزارة التعليم: نقص الأساتذة، الاكتظاظ، المباني المتداعية، غياب الموظفين. وزارة الداخلية، في تقريرها الاخير، تذكر أن 21٪ من الشباب بين 15 و24 عاما في فرنسا عاطلون عن العمل، وأنه من بين كل خمسة شباب  هناك واحد بلا وظيفة ولا دراسة ولا تدريب. هذه ليست مجرد أرقام. هذه هي الشروط المادية التي تجعل حرق حاوية قمامة فعلا له معنى. معنى اليأس. في نهاية المطاف،هؤلاء الشباب، فحاول أن يترجم غضبهم الى كلمات، فانزلق في لحظة، ثم صحح، لكن التصحيح لم يسمع. وهو الآن يواجه القضاء لأنه نطق بما لم يرد له أن ينطق: أن العنف ليس دائما شرا محضا، وأنه أحيانا يكون الطريقة الأخيرة التي يجدها إنسان لا يجد طريقا آخر ليقول: أنا هنا. أنا موجود. أنا أرفض أن أختزل في رق. الغضب لا يحتاج إلى شهود. يحتاج فقط إلى من يسمعه قبل أن يصبح لهبا. في فرنسا، 356 ثانوية أرسلت تلك الليلة رسالة. من يقرأها الآن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *