المشاورات السياسية في المغرب: انفتاح لتوسيع أفق التوافق الوطني

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن – الدنمارك

ليست المشاورات التي باشرتها فاطمة الزهراء المنصوري مع مختلف الأحزاب السياسية مجرد إجراء بروتوكولي يسبق تشكيل الحكومة، ولا ينبغي اختزالها في حسابات ضيقة مرتبطة بعدد المقاعد التي أفرزتها صناديق الاقتراع. فما يجري يحمل، في تقديري، دلالة سياسية أوسع: محاولة لفتح نافذة للحوار مع مختلف مكونات المشهد الحزبي، واستقراء مواقفها وتصوراتها قبل رسم معالم المرحلة المقبلة. إن استقبال الأحزاب، دون إقصاء مسبق، يطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة هذه المبادرة: هل هي مجرد جسّ لنبض القيادات السياسية التي تراجعت أحزابها انتخابيا، أم أنها تعبير عن إرادة في إعادة بناء جسور التواصل بين الدولة والمشهد الحزبي، وبين الحكومة المقبلة ومختلف القوى الوطنية؟

والواقع أن نتائج الانتخابات لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن السياق السياسي والاجتماعي العام. فالتراجع الانتخابي الذي عرفته بعض الأحزاب التاريخية يمكن أن يفهم باعتباره رسالة من الناخبين، أو تعبيرا عن حالة من عدم الرضا تجاه أداء قيادات سياسية ومواقف حزبية معينة. غير أن ضعف الحضور البرلماني لا يعني بالضرورة محو التاريخ السياسي لهذه الأحزاب، ولا إلغاء الأدوار التي لعبتها في بناء الحياة الوطنية المغربية. وهنا تكمن أهمية المشاورات الحالية. فالحوار مع الأحزاب التي تراجعت انتخابيا لا يعني بالضرورة دعوة لها إلى المشاركة في الحكومة، كما أن استقبال قياداتها لا ينبغي أن يفسَّر تلقائيا باعتباره بحثا عن تحالفات أو توزيع للمواقع. قد يكون الهدف الأبعد هو الاستماع إلى تصوراتها، واستحضار خبرتها، ومعرفة ما تراه ضروريا لمواجهة التحديات المقبلة، ثم إدماج ما يمكن أن يخدم المصلحة الوطنية ضمن التصور العام للسياسة الحكومية. ومن هذه الزاوية، فإن الانفتاح على مختلف القوى السياسية يمكن أن يتحول إلى رصيد سياسي مهم، خصوصا في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى توسيع دائرة الحوار، وتخفيف حدة الاستقطاب، وإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها فضاء لإنتاج الحلول وليس مجرد ساحة لتبادل الاتهامات.

إن المغرب يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية متشابكة، وهو ما يجعل تشكيل حكومة قادرة على استيعاب تعقيدات المرحلة أمراً يتجاوز منطق الأغلبية البرلمانية وحده. فالحكومة، مهما كانت تركيبتها، ستحتاج إلى الاستماع أيضا إلى المعارضة وإلى القوى السياسية التي تمتلك تجربة تاريخية ورصيدا وطنيا، حتى وإن لم تعكس نتائجها الانتخابية الحالية حجم ذلك الرصيد. ولذلك فإن فتح المشاورات على نطاق واسع يمكن أن يشكل فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الحكومة والأحزاب: علاقة لا تقوم فقط على منطق الأغلبية والمعارضة، وإنما على مسؤولية وطنية مشتركة تجاه الملفات الكبرى التي تمس مستقبل البلاد واستقرارها وتماسكها الاجتماعي. وفي هذا السياق، تكتسب شخصية فاطمة الزهراء المنصوري ودورها في هذه المرحلة أهمية سياسية خاصة. فنجاح المشاورات هي بقدرتها على تحويل تلك اللقاءات إلى أفكار وتصورات وسياسات قابلة للترجمة، وبمدى قدرتها على الانتقال من مجرد الاستماع إلى بناء أرضية سياسية أوسع للتوافق.

كما أن انفتاحها على الأحزاب ذات التاريخ الوطني، رغم تراجع تمثيليتها الانتخابية، يمكن أن يقرأ باعتباره رسالة مفادها أن السياسة لا تختزل في صناديق الاقتراع وحدها، وأن التجربة التاريخية والرصيد الوطني والخبرة المتراكمة تظل عناصر يمكن استثمارها في صياغة السياسات العامة. غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يظل رهينا بقدرتها على تجاوز المجاملة السياسية. فالمشاورات لا تكون ذات قيمة حقيقية إذا تحولت إلى لقاءات شكلية تنتهي بانتهاء التصريحات الصحفية. القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول مخرجات الحوار إلى عناصر ملموسة في بناء السياسات العمومية، وعندما يشعر الفاعلون السياسيون والمجتمع المدني والرأي العام بأن آراءهم لم تكن مجرد مادة للاستماع، بل مدخلا لصناعة القرار.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي أمام فاطمة الزهراء المنصوري ليس فقط تشكيل حكومة، وإنما المساهمة في خلق مناخ سياسي جديد يقوم على الحوار والانفتاح والاستماع، ويمنح مختلف القوى الوطنية فرصة للمساهمة في التفكير في مستقبل البلاد، كل من موقعه. وإذا كان من المبكر إصدار حكم نهائي على هذه الاستراتيجية، فإن المؤكد أن الانفتاح على مختلف الأحزاب، بما فيها تلك التي عاقبها الناخبون انتخابيا، لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره تناقضا مع نتائج صناديق الاقتراع. فالانتخابات تمنح الشرعية التمثيلية، لكنها لا تلغي التاريخ السياسي ولا الخبرة الوطنية ولا حق أي قوة سياسية في التعبير عن تصورها لمستقبل البلاد.

إن المطلوب اليوم هو بناء سياسة تتسع للاختلاف، وتستفيد من التجارب، وتستمع إلى المعارضة كما تستمع إلى الأغلبية، وتتعامل مع المشهد السياسي باعتباره ملكا وطنيا مشتركا، لا حكرا على طرف دون آخر. وفي نهاية المطاف، قد تكون القيمة الأهم لهذه المشاورات أنها تضع أمام المغرب فرصة لإعادة الاعتبار إلى ثقافة الحوار السياسي؛ حوار لا يهدف فقط إلى تشكيل حكومة، وإنما إلى بناء تصور أوسع للمرحلة المقبلة، يستحضر تطلعات المواطنين، ويستفيد من خبرة الأحزاب، ويبحث عن نقاط الالتقاء بدل توسيع مساحات الخلاف. ذلك هو الاختبار الحقيقي: هل تستطيع فاطمة الزهراء المنصوري أن تجعل من هذه المشاورات بداية لمسار سياسي أكثر انفتاحا، لا مجرد محطة عابرة في الطريق إلى تشكيل الحكومة؟ الجواب لن تصنعه التصريحات، بل ستصنعه النتائج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *