من مختبر أوكرانيا إلى الخليج والساحل الافريقي: كيف تعيد المسيّرات الرخيصة رسم اقتصاد الحرب وقواعد الردع؟
بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس
لم تعد المسيّرات سلاحا مساعدا في الحروب الحديثة. لقد أصبحت، بصورة متزايدة، منظومة قتالية قائمة بذاتها: استطلاعا، وتشويشا، وضربا، واعتراضا، واستنزافا اقتصاديا، وأداة لضرب البنية التحتية في العمق. والتحول الأهم ليس تقنيا فحسب، بل اقتصاديا وعقائديا. ففي الحروب السابقة كان التفوق يرتبط غالبا بمن يملك الطائرة الأغلى، والصاروخ الأدق، والرادار الأبعد مدى. أما في حرب المسيّرات، فقد يصبح السؤال مختلفا تماما: كم منصة تستطيع أن تنتج؟ وكم منها تستطيع أن تطلق؟ وكم يكلف إسقاط الواحدة منها؟ هنا تكمن المفارقة التي بدأت أوكرانيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة، كل منها بطريقته، في تحويلها إلى قاعدة جديدة للحرب: السلاح الرخيص يستطيع أحيانا إجبار الخصم على استخدام سلاح أغلى بكثير.
أولا: أوكرانيا – المختبر الذي تحول إلى مصنع حرب
إذا كان القرن العشرون قد جعل الدبابة والطائرة النفاثة رمزاً للقوة العسكرية الصناعية، فإن أوكرانيا تقدم في القرن الحادي والعشرين نموذجا مختلفا: المسيّرة بوصفها منتجا صناعيا جماهيريا قابلا للتحديث المستمر. في يوليو 2026 أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن أوكرانيا تنتج حاليا نحو 10 ملايين مسيّرة سنويا، مع حديث عن إمكانية مضاعفة الرقم. ويجب التعامل مع الرقم باعتباره إعلانا رسميا عن القدرة الإنتاجية، لا باعتباره بالضرورة عددا من المنصات التي دخلت الخدمة فعليا في الميدان. المغزى الاستراتيجي يتجاوز العدد. فالمسيّرة الأوكرانية لم تعد منتجا عسكريا مغلقا؛ إنها أقرب إلى منصة برمجية طائرة. تتغير الكاميرا، والاتصال، والحمولة، ونظام الملاحة، ومقاومة التشويش، والخوارزمية، خلال دورات تطوير أقصر بكثير من دورات تطوير الطائرات والصواريخ التقليدية.
وتشير دراسة كمية مفتوحة المصدر إلى أن تكلفة كثير من مسيّرات FPV الأوكرانية تدور حول مئات الدولارات، مع متوسط يقارب 400 دولار في العينة التي درستها، فيما بلغ معدل نجاح الضربات في تلك الدراسة نحو 38.8%. وهذه أرقام بحثية تقديرية وليست معيارا رسميا موحدا لجميع وحدات القوات الأوكرانية. وهنا تظهر القاعدة الجديدة: إذا كان السلاح رخيصا بما يكفي، فإن خسارته لا تعني بالضرورة فشلا. قد تطلق عشرات المسيّرات للوصول إلى هدف واحد، بينما تكون الكلفة الإجمالية للعملية أقل بكثير من كلفة منظومة الدفاع المستخدمة لإسقاطها. الأكثر دلالة أن وزارة الدفاع الأوكرانية قالت في أغسطس 2026 إن قواتها حيّدت أكثر من 260 ألف مسيّرة روسية منذ بداية العام، منها نحو 195 ألف مسيّرة ثابتة الجناح و66 ألفا متعددة المراوح، وفق بيانات جرى توثيقها في منظومة DELTA الأوكرانية. وفي سبتمبر ظهرت تقديرات أوكرانية أحدث رفعت العدد إلى أكثر من 350 ألفا، ما يوضح سرعة تغير حجم المعركة، وإن كانت هذه الأرقام تبقى بيانات صادرة عن طرف في الحرب.
وفي المقابل، لم تتوقف موسكو عند نموذج شاهد-136 التقليدي. ففي فبراير 2026 وحده، أحصى Ukraine Air War Monitor نحو 5,059 مسيّرة بعيدة المدى أطلقتها روسيا، كان نحو 63% منها من نمط شاهد، بينما صنفت البقية أساسا كمسيّرات خداعية أو أنواع أخرى. وتؤكد دراسة لمعهد Science and International Security الرقم نفسه تقريبا، مع تقدير نحو 3,220 مسيّرة هجومية من فئة شاهد ضمن الإجمالي. وفي الخريف، دخل عامل آخر إلى المعادلة: المسيّرات النفاثة الأسرع، التي باتت تمثل تحديا أكبر للدفاعات الجوية الأوكرانية. وقد أظهرت الهجمات الروسية في سبتمبر 2026 أن سرعة المسيّرة ومسارها والحمولة باتت عوامل لا تقل أهمية عن عددها. وهكذا انتقلت الحرب من سباق «من يملك المسيّرات؟» إلى سباق أكثر تعقيدا: من يستطيع إنتاجها، وتحديثها، وتوجيهها، واعتراضها، وإعادة إنتاجها أسرع من الخصم؟
ثانيا: الشرق الأوسط … اقتصاد الاستنزاف الجوي
في الشرق الأوسط، يأخذ نموذج المسيّرة شكلا أكثر وضوحا في حرب السلاح الرخيص ضد الدفاع الغالي. الإرث الإيراني في هذا المجال مهم بصورة خاصة. فمسيّرات شاهد/غيران، بما فيها النسخ المستخدمة من جانب روسيا، أثبتت أن منصة بسيطة نسبيا تستطيع الوصول إلى أهداف بعيدة وإجبار الخصم على تشغيل شبكة دفاع جوي كاملة من أجل مواجهتها. وليس مهما هنا الرقم الدقيق لتكلفة كل نسخة بقدر أهمية الفارق بين تكلفة الهجوم وتكلفة الاعتراض. ولهذا السبب بدأت الولايات المتحدة نفسها في تبني فلسفة مختلفة. ففي ديسمبر 2025 أعلنت القيادة المركزية الأميركية إنشاء Task Force Scorpion Strike، وهي أول قوة أميركية في المنطقة مخصصة لمسيّرات الهجوم أحادية الاتجاه منخفضة الكلفة. ومن بينها منظومة LUCAS التي قالت القيادة المركزية إن تكلفة المنصة الواحدة منها تبلغ نحو 35 ألف دولار.
المعنى السياسي والعسكري بالغ الأهمية: واشنطن لم تعد تنظر إلى المسيّرة الرخيصة باعتبارها سلاح الخصوم فقط؛ بل بدأت في إدخالها إلى بنية الردع الأميركية نفسها. وهذا تطور عقائدي قبل أن يكون تقنيا. فإذا كانت المنظومة الدفاعية التقليدية تفترض اعتراض صاروخ بصاروخ أو طائرة بطائرة، فإن انتشار المسيّرات يفرض منظومة طبقية جديدة تضم المدافع، والحرب الإلكترونية، والمسيّرات الاعتراضية، وأسلحة الطاقة الموجهة، والصواريخ، والمقاتلات. وفي مارس 2026 ظهرت الصورة بصورة أكثر وضوحا عندما أصابت هجمات بطائرات مسيّرة إيرانية منشآت تابعة لـAWS في الإمارات والبحرين، وفق رويترز. ولم يعد الهدف العسكري التقليدي وحده في قلب المعركة؛ بل دخلت مراكز البيانات والسحابة الرقمية والبنية التحتية المدنية ذات القيمة الاقتصادية إلى قائمة الأهداف المحتملة. وهذه ربما تكون أهم نقطة في حرب المسيّرات المقبلة: الهدف لم يعد بالضرورة دبابة أو مدفعا؛ قد يكون مركز بيانات.
ثالثا: الخليج … البحث عن «المسيّرة التي تسقط المسيّرة»
في الخليج، تخلق هذه المعادلة ضغطا مزدوجا. الدول الغنية تستطيع شراء أنظمة دفاع جوي متقدمة، لكنها تواجه مشكلة اقتصادية عندما تصبح الهجمات جماعية ومتكررة. فالدفاع عن منشأة استراتيجية باستخدام منظومة صاروخية باهظة ضد موجة من المسيّرات الرخيصة قد يؤدي إلى استنزاف مخزون الاعتراض قبل استنزاف المهاجم. لذلك يتجه الاهتمام إلى المسيّرات الاعتراضية منخفضة التكلفة. وهنا تصبح الخبرة الأوكرانية ذات قيمة مباشرة. ففي مارس 2026 أعلن رئيس الوزراء البريطاني أن خبراء أوكرانيين سيساعدون شركاء خليجيين في مواجهة المسيّرات الإيرانية، في مؤشر واضح على انتقال الخبرة العملياتية من ساحات الحرب الأوروبية إلى الخليج. إنها دائرة استراتيجية جديدة: إيران تنتج سلاحا جويا منخفض التكلفة؛ روسيا تطوره وتوسع استخدامه؛ أوكرانيا تتعلم كيفية اعتراضه؛ ثم تنتقل الخبرة الأوكرانية إلى الخليج؛ والولايات المتحدة تبدأ بدورها في بناء أسطولها الخاص من المسيّرات منخفضة التكلفة. وهكذا لم تعد أوكرانيا مجرد ساحة حرب. لقد أصبحت، عمليا، مدرسة عمليات للمواجهة بين المسيّرات والدفاعات المضادة لها.
رابعا: إفريقيا … حين تصبح المسيّرة أداة استيراد ووكالة
في إفريقيا، لا يتكرر النموذج الصناعي الأوكراني، بل يظهر نموذج آخر: الاعتماد على الاستيراد، ثم التوطين الجزئي للمعرفة والتشغيل. وبحسب تحليل يستند إلى بيانات SIPRI، استوردت تسع دول إفريقية مجتمعة 107 منظومات مسيّرة عسكرية رئيسية بين 2022 و2025، تصدرتها جمهورية الكونغو الديمقراطية بـ29 منظومة، ثم السودان بـ17، ومالي بـ15. الأرقام لا تبدو ضخمة إذا قورنت بأوكرانيا، لكنها تكشف اتجاها مهما: المسيّرة أصبحت سلاحا يمكن للدول الإفريقية، والجيوش، وأحيانا الجماعات المسلحة، الحصول عليه دون بناء صناعة طيران عسكرية كاملة. وهنا تظهر أهمية النماذج التركية والصينية وغيرها، التي جعلت الاستطلاع المسلح بعيد المدى أكثر سهولة نسبيا بالنسبة إلى دول كانت محرومة من قدرات جوية متقدمة. لكن الأخطر هو انتقال المعرفة التشغيلية. ففي الساحل، ظهرت خلال السنوات الأخيرة أدلة وتقارير عن تعاون أوكراني مع خصوم جماعة فاغنر والقوى المرتبطة بها في مالي. وأفادت تحقيقات صحفية بأن عناصر من جماعة CSP تلقوا تدريبا على استخدام وصناعة مسيّرات صغيرة، وأن مدربين أوكرانيين عملوا في المنطقة. وفي ليبيا، ذهبت تحقيقات فرنسية إلى الحديث عن وجود أكثر من 200 عسكري وخبير أوكراني، وربطت بين بعضهم وبين الهجوم بمسيّرة بحرية على ناقلة الغاز الروسية Arctic Metagaz في البحر المتوسط. هذه الرواية منسوبة إلى تحقيق صحفي ومصادر مجهولة، ولذلك ينبغي التعامل معها كادعاء موثق صحفيا لا كحقيقة عسكرية مستقلة محسومة. لكن حتى مع التحفظ، فإن الاتجاه العام واضح: المسيّرة تمنح القوى المتوسطة والصغيرة قدرة على التأثير في مساحات جغرافية تفوق بكثير حجمها العسكري التقليدي. وهذا هو جوهر حرب الوكالة الجديدة.
خامسا: من «سلاح» إلى «نظام بيئي»
الخطأ الأكبر هو النظر إلى المسيّرة باعتبارها قطعة سلاح منفردة. المسيّرة الحديثة هي جزء من منظومة تضم:
– المستشعرات؛
– الاتصالات؛
– الحرب الإلكترونية؛
– الذكاء الاصطناعي؛
– الملاحة؛
– التصنيع السريع؛
– تحليل البيانات؛
– الدفاع الجوي؛
– وسلاسل توريد الشرائح والمحركات والبطاريات.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية لا تدور فقط في السماء. إنها تدور في المصانع والمختبرات ومراكز البيانات وسلاسل الإمداد. ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبح إنتاج المسيّرات جزءا من السياسة الصناعية للدول. فبريطانيا، مثلا، أعلنت في أبريل 2026 عن حزمة تتضمن أكثر من 120 ألف مسيّرة لأوكرانيا خلال العام، وتشمل منصات للاستطلاع والضرب واللوجستيات والقدرات البحرية. المسيّرة إذن تتحول من منتج دفاعي إلى صناعة استراتيجية.
سادسا: الذكاء الاصطناعي … المرحلة التالية
إذا كانت المرحلة الأولى من حرب المسيّرات هي مرحلة الكثرة، فإن المرحلة الثانية هي مرحلة الكثرة الذكية. المئات من المسيّرات التي تتواصل فيما بينها، وتوزع الأهداف، وتغير المسارات، وتتعرف إلى أنماط الدفاع، قد تكون أكثر خطورة بكثير من مئات المسيّرات التي تعمل بصورة منفصلة. وهنا يبرز عامل الألياف البصرية. المسيّرة المرتبطة بالألياف لا تعتمد بالضرورة على الوصلة اللاسلكية التقليدية التي يمكن التشويش عليها، الأمر الذي يجعل الحرب الإلكترونية أقل قدرة على تعطيلها في بعض الظروف. لكن القول إن الألياف البصرية ستجعل التشويش «عتيقا» سيكون مبالغة؛ فالمعركة ستنتقل ببساطة إلى طبقات أخرى من الاستشعار والاعتراض والهجوم على المنصة نفسها. وهذا هو المسار الأكثر واقعية: التشويش لن يمُت؛ لكنه سيتحول.
الخلاصة: حرب بثلاث سرعات
يمكن قراءة خريطة حرب المسيّرات في 2026 عبر ثلاث سرعات مختلفة. أوروبا هي مختبر الحرب الصناعية الجماعية: إنتاج هائل، تحديث سريع، حرب إلكترونية، مسيّرات اعتراضية، ومنافسة مستمرة بين الهجوم والدفاع. وتقدم أوكرانيا المثال الأكثر كثافة على هذا التحول. الشرق الأوسط هو مختبر اقتصاد الاستنزاف: مسيّرة منخفضة الكلفة في مواجهة شبكة دفاعية باهظة، مع انتقال المعركة من المنشآت العسكرية إلى الطاقة والبيانات والبنية التحتية الحيوية. إفريقيا هي مختبر الانتشار: استيراد المنصات، نقل الخبرة، التدريب، والحرب بالوكالة، بما يسمح للاعبين محدودي القدرات الجوية التقليدية بإحداث تأثيرات تتجاوز وزنهم العسكري. أما القاعدة التي تجمع المسارح الثلاثة فهي بسيطة: لم تعد القوة الجوية تقاس فقط بعدد الطائرات التي تستطيع الدولة إطلاقها، بل بعدد المنصات التي تستطيع إنتاجها، وتحديثها، وتعويضها، واعتراضها.
وهذا يغير اقتصاد الحرب. فالجيش الذي ينفق ملايين الدولارات لاعتراض سرب من المسيّرات الرخيصة قد ينتصر تكتيكيا، لكنه يخسر اقتصاديا إذا اضطر إلى تكرار العملية آلاف المرات. ومن هنا تبدأ المرحلة الجديدة من سباق التسلح: ليس سباق الطائرات الأسرع. ولا الصواريخ الأبعد. بل سباق الخوارزميات والمصانع وسلاسل الإمداد. وإذا كانت الحرب الصناعية في القرن العشرين قد جعلت المصنع جزءا من الجبهة، فإن حرب المسيّرات في القرن الحادي والعشرين تذهب أبعد من ذلك: المصنع، ومركز البيانات، والمهندس، والمبرمج، والبطارية، والهوائي، والخوارزمية … جميعها أصبحت أجزاء من ساحة المعركة. ولهذا فإن السؤال الذي سيحدد شكل الحروب المقبلة ليس: من يملك أفضل مسيّرة؟ بل: من يستطيع أن يجعل السماء نفسها قابلة للإنتاج على نطاق صناعي؟
