فاطمة الزهراء المنصوري: ما بعد الرمز… امتحان المسؤولية الحكومية

بقلم سكينة الركراكي،  كاتبة وعضوة ومؤسسة اتحاد العمل النسائي -الرباط

( صياغة زكية لعروسي عن مقال الكاتبة باللغة الفرنسة)

ليست السياسة، في جوهرها العميق، مجرد انتقال للأسماء بين المواقع، ولا تختصر الدولة في لحظة بروتوكولية مهما كانت رمزية أصحابها. ففي حياة الأمم لحظات تتجاوز الأشخاص، لأنها تكشف عن طبيعة التحول الذي يمر به المجتمع، وعن مستوى النضج الذي بلغته المؤسسات، وعن حجم الأسئلة التي لم يعد ممكنا تأجيلها. ومن هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة في 29 شتنبر 2026 باعتباره مجرد واقعة سياسية جديدة، أو باعتباره لحظة رمزية مرتبطة بوصول أول امرأة إلى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب. فالحدث، في دلالته الأعمق، يقع عند تقاطع مسارين: مسار تطور المشاركة السياسية للنساء، ومسار تطور الممارسة الدستورية والمؤسساتية في المملكة.

وقد جاء التعيين، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، بعد الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، والتي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن يعين الملك فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة ويكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة. لكن التاريخ، حين يسجل لحظة كهذه، لا يكتفي بتسجيل من وصل إلى القمة. إنه يسأل أيضا: ماذا سيفعل من وصل؟ وماذا سيضيف إلى الدولة؟ وكيف سيحول الشرعية السياسية إلى سياسات عمومية، والوعود إلى قرارات، والانتظارات إلى نتائج؟ هنا بالضبط يبدأ ما هو أهم من الرمز. هنا تبدأ المسؤولية.

المواطن… المعنى الأول للديمقراطية

لا تستقيم الديمقراطية بمجرد وجود مؤسسات منتخبة، كما لا تصبح المواطنة حقيقة بمجرد تعداد الحقوق في النصوص. فكل مكتسب سياسي لا يجد له سندا في وعي المواطن ومشاركته يظل عرضة للتآكل، وكل حق لا يوازيه شعور بالمسؤولية يتحول مع الزمن إلى علاقة مبتورة بين الفرد والدولة. إن المواطنة ليست مقعدا في صف المتفرجين. إنها حضور في المجال العام، ووعي بالحقوق، وتحمل للواجبات، واستعداد للمشاركة في صناعة المستقبل. ومن هذه الزاوية، فإن مسار المغرب منذ الاستقلال لا يمكن قراءته بمنطق الأبيض والأسود. لقد تغير المجتمع، وتغير الاقتصاد، وتوسعت المدن، وتحولت أنماط العيش، وتبدلت علاقات الدولة بالمجتمع، وبرزت قضايا جديدة مرتبطة بالبيئة والعدالة الاجتماعية والمساواة والحقوق والحريات والتنمية الترابية.

وإلى جانب ما تحقق من مكتسبات، ظلت هناك اختلالات وأسئلة مؤجلة ومواعيد لم تكتمل. والمطلوب ليس أن يتحول النقد إلى جلد للذات، ولا أن تتحول الوطنية إلى إنكار للنقائص. المطلوب هو امتلاك شجاعة النظر إلى المسار الوطني بعين مفتوحة: الاعتراف بما تحقق، وفهم ما تعثر، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، والاستمرار في بناء المستقبل من دون إنكار الماضي ولا الارتهان له. فالدولة التي لا تعترف بمكتسباتها تفقد ثقتها في نفسها، والدولة التي لا ترى اختلالاتها تفقد قدرتها على الإصلاح. وفي قلب هذه المعادلة يقف المواطن. إنه ليس مجرد مستفيد من السياسات العمومية، ولا مجرد رقم في لوائح الناخبين، بل هو الغاية التي تستمد منها المؤسسات جزءا كبيرا من مشروعيتها العملية. ولهذا فإن اتساع مشاعر التشاؤم أو ضعف الثقة في المؤسسات ليسا ظاهرتين ينبغي الاستخفاف بهما. إنهما رسالتان سياسيتان واجتماعيتان تستحقان الإنصات والفهم. فالثقة بين المواطن والمؤسسة، وبين المنتخب والناخب، وبين المجتمع ومؤسساته، ليست ترفا ديمقراطيا. إنها من شروط استقرار الدولة وفعالية سياساتها.

الانتخابات… حين يتجاوز الاقتراع حدود الصندوق

لقد راكم المغرب، منذ الاستقلال، تجربة انتخابية وسياسية طويلة، لم تكن خطا مستقيما ولا مسارا بلا تعثر. كانت هناك محطات تقدم، وأخرى تأخر، وتجارب نجحت وأخرى لم تستكمل وعودها، وتطورات مؤسساتية رافقتها أسئلة حول الممارسة السياسية والثقة في العملية الانتخابية. غير أن الانتخابات لا تبدأ يوم الاقتراع ولا تنتهي بإعلان النتائج. فالانتخاب الحر يفترض أن تكون إرادة المواطن مصانة قبل الوصول إلى الصندوق، وأن تظل تلك الإرادة حاضرة في سلوك المنتخب بعد الوصول إلى البرلمان أو الحكومة. ولهذا فإن كل ممارسة تضعف حرية الاختيار أو تشوش على نزاهة العملية الانتخابية تضر بالمعنى الأعمق للديمقراطية، لأن الديمقراطية ليست مجرد آلية للوصول إلى السلطة، وإنما ثقافة سياسية تفرض على الجميع احترام إرادة الناخب وتحمل تبعاتها.

ومن هنا تكتسب التحولات التي عرفها الإطار الانتخابي والمؤسساتي المغربي أهميتها. فقد أصبحت الشفافية الانتخابية جزءا من النقاش العام، كما تطورت القواعد المؤطرة للعملية الانتخابية، وأصبح الفاعل السياسي نفسه أمام مسؤولية الحفاظ على الثقة التي تمنح للعملية الديمقراطية معناها. وقد شكلت انتخابات 25 نونبر 2011 محطة ذات دلالة خاصة في هذا المسار، عندما تصدر حزب العدالة والتنمية انتخابات مجلس النواب، وتم تطبيق الفصل 47 من دستور 2011 في تعيين رئيس الحكومة. ولم يكن الأمر مجرد تفصيل إجرائي. فقد كان انتقالا واضحا من القاعدة الدستورية إلى الممارسة السياسية. واليوم، بعد انتخابات 23 شتنبر 2026 وتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، تعود القاعدة الدستورية نفسها إلى الواجهة، ولكن في سياق جديد وأسئلة جديدة. السؤال لم يعد فقط: من تصدر الانتخابات؟ بل أصبح: ماذا سيفعل الفائزون بثقة الناخبين؟

الدولة لها هندستها… والحكومة لها مسؤوليتها

إن قراءة المرحلة الجديدة تقتضي، قبل كل شيء، عدم الخلط بين مواقع المؤسسات واختصاصاتها. فالدستور المغربي واضح في هندسته. الملك هو رئيس الدولة، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، والساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي وحقوق وحريات المواطنات والمواطنين والجماعات. وفي المقابل، تمارس الحكومة السلطة التنفيذية، ويتولى رئيس الحكومة تنسيق عملها في إطار الاختصاصات التي يحددها الدستور.

وهذا التمييز ليس مسألة لغوية. إنه جوهر المسؤولية السياسية. فالملك يمارس اختصاصاته الدستورية باعتباره رئيسا للدولة وضامنا لاستمرارها ومؤسساتها، فيما تتحمل الحكومة مسؤولية ممارسة السلطة التنفيذية في المجال الذي حدده الدستور. كما أن تشكيل الحكومة لا يختزل في لحظة تعيين رئيسها. فبعد تعيين أعضاء الحكومة، يعرض رئيس الحكومة البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ويكون النقاش والتصويت جزءا من المسار الذي يقود إلى تنصيب الحكومة دستوريا. إنها هندسة تجعل المسؤولية السياسية قابلة للتحديد، وتجعل الاختصاصات قابلة للفهم، وتجعل المحاسبة جزءا أصيلا من العمل المؤسساتي. وهنا تكمن إحدى أهم فضائل الدستور: أن المسؤولية لا ينبغي أن تظل مفهوما غائما، بل يجب أن تقترن بالاختصاص، والاختصاص يقترن بالمحاسبة.

فاطمة الزهراء المنصوري… من دلالة الوصول إلى امتحان الأداء

لا شك أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يحمل دلالة تاريخية في المجتمع المغربي. لكن الاحتفاء بالسابقة لا ينبغي أن يحجب جوهر المسألة. فالمرأة المغربية لم تدخل المجال العام اليوم. ولم يبدأ حضورها السياسي مع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري. لقد كان لها حضور متدرج في المؤسسات المنتخبة، وفي الحكومة، وفي الإدارة، وفي الأحزاب، وفي المجتمع المدني، كما أن الحركة النسائية المغربية راكمت منذ عقود طويلة نضالا من أجل توسيع دائرة الحقوق والمشاركة والوصول إلى مواقع القرار. ومن ثم، فإن تعيين امرأة على رأس الحكومة لا ينبغي أن يقرأ بوصفه بداية التاريخ، وإنما بوصفه إحدى ثمار تاريخ طويل. والأهم من ذلك أن المرأة، حين تصل إلى موقع القرار، لا ينبغي أن تختزل في جنسها. إنها تصبح مسؤولة عن برنامج، وعن حكومة، وعن سياسات عمومية، وعن نتائج. والكفاءة لا جنس لها. كما أن المسؤولية لا تعفيها الرمزية. وهذا هو المعنى الحقيقي لعبارة «ما بعد الرمز». فالرمز يفتح الباب، لكن الأداء هو الذي يحدد قيمة العبور.

المناصفة… طريق لم ينته

لقد قطع المغرب مسافة مهمة في ترسيخ حضور النساء في الحياة العامة، غير أن الطريق لم ينته.وقد شكل دستور 2011 محطة أساسية في هذا المسار، حين كرس مبدأ المساواة، وأكد سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة، ونص على إحداث هيئة للنهوض بالمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز. لكن المناصفة ليست مجرد نسبة في مؤسسة منتخبة. إنها سؤال يتعلق ببنية المجتمع، وبفرص الوصول إلى القرار، وبالمساواة في التعليم والعمل، وبالاستقلال الاقتصادي، وبالمشاركة في المجال العام، وبالقدرة على ممارسة المواطنة كاملة. ومن هنا، فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة ينبغي أن يكون مناسبة للانتقال من الاحتفاء بوجود المرأة إلى مساءلة شروط حضورها الفعلي والمؤثر. فالمساواة التي تتوقف عند أبواب المؤسسات تظل ناقصة. والمشاركة السياسية التي لا يوازيها تمكين اقتصادي واجتماعي تظل محدودة الأثر.

ذاكرة الحركة النسائية… حين يصبح المجتمع شريكا في الإصلاح

لا يمكن فهم التحولات التي عرفها المغرب في مجال حقوق النساء من دون استحضار دور المجتمع المدني والحركة النسائية. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، ظهرت مبادرات نسائية ومدنية دفعت بقضايا كانت تعد زمنا طويلا من القضايا المسكوت عنها إلى قلب النقاش العمومي. وكان اتحاد العمل النسائي واحدا من أبرز الفاعلين في هذا المسار، من خلال حملاته من أجل الحقوق السياسية للنساء والوصول إلى مواقع القرار، ومن خلال حملة المليون توقيع المطالبة بإصلاح مدونة الأحوال الشخصية، وهي تجربة ارتبطت أيضا بمجلة «8 مارس» التي شكلت جزءا من ذاكرة الحركة النسائية المغربية. إن استحضار هذه الذاكرة ليس استدعاء للماضي من أجل الماضي. إنه تذكير بأن ما يبدو اليوم بديهيا لم يكن دائما كذلك، وأن كثيرا من التحولات القانونية والاجتماعية سبقتها سنوات من النقاش والنضال والاقتراح. وفي ذلك معنى مهم: الديمقراطية لا تصنعها المؤسسات وحدها. تصنعها أيضا المجتمعات حين تنخرط في الدفاع عن قضاياها، وحين تتحول المطالب الاجتماعية إلى أسئلة سياسية وقانونية.

مدونة الأسرة… حيث تختبر الدولة قدرتها على التوفيق

سيكون إصلاح مدونة الأسرة واحدا من الملفات التي تختبر قدرة الحكومة الجديدة على إدارة القضايا الاجتماعية المركبة. فالأسرة ليست مجرد مادة قانونية، وحقوق النساء ليست ملفا منفصلا عن التحولات الاجتماعية. إن المجتمع المغربي تغير، وتغيرت أنماط الأسرة والعمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية، وأصبحت بعض القواعد القانونية أمام أسئلة جديدة تفرضها الحياة الواقعية. وقد أطلقت مقترحات إصلاح المدونة نقاشا واسعا حول حقوق النساء والأسرة والمساواة، وهو نقاش لا يمكن اختزاله في ثنائية المواجهة أو الاستقطاب. إن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى مؤسسة تشريعية فاعلة، وحكومة واضحة الرؤية، ومجتمع مدني يقترح ويناقش، وخبراء ينظرون في الآثار القانونية والاجتماعية، ومؤسسات دستورية تقوم كل واحدة منها بدورها. والتحدي ليس أن ينتصر طرف على طرف. التحدي أن يصل المجتمع إلى قواعد قانونية أكثر قدرة على الاستجابة لتحولاته، في إطار الدستور والثوابت التي يقوم عليها النظام الدستوري للمملكة.

الشباب… الغائب الذي لا يعني أنه غير حاضر

ثمة سؤال آخر يفرض نفسه بقوة: ماذا عن الشباب؟ إن جزءا من الأجيال الجديدة يبدو أقل ارتباطا بأشكال السياسة التقليدية، وأكثر ميلا إلى التعبير خارج القنوات الحزبية والمؤسساتية المعتادة. لكن الابتعاد عن الحزب لا يعني بالضرورة الابتعاد عن الشأن العام. وقد تكون المسألة، في جانب منها، بحثا عن لغة سياسية جديدة، وعن مؤسسات أكثر قدرة على الاستماع، وعن فرص حقيقية للمشاركة وصناعة القرار. الشباب لا يريدون فقط أن يسمعوا عن المستقبل. إنهم يريدون أن يكونوا جزءا من صناعته. ولهذا فإن إدماجهم في الحياة العامة لا ينبغي أن ينحصر في الحملات الانتخابية أو البرامج الظرفية، وإنما يجب أن يتحول إلى سياسة مستمرة في التعليم والتكوين والتشغيل والثقافة والابتكار والمشاركة المدنية. فالشباب ليسوا مجرد كتلة انتخابية. إنهم قوة اقتراح.

المواطن لا يطلب المستحيل

في نهاية المطاف، تختزل السياسة في حياة الناس. المواطن يريد مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر فعالية، وإدارة تحترم وقته وكرامته، وفرصة عمل، وقدرة على مواجهة تكاليف الحياة، وتنمية تصل إلى الأطراف كما تصل إلى المراكز، وعدالة اجتماعية تمنح أبناءه فرصة عادلة في المستقبل. هذه المطالب . لا تحتاج دائما إلى خطاب كبير، بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات قادرة على تحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ والقياس. لقد أصبح المواطن أكثر اطلاعا، وأكثر قدرة على المقارنة، وأكثر سرعة في التعبير عن رضاه أو غضبه. وتتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى فضاء واسع للمشاركة، لكنها في الوقت نفسه فضاء يمكن أن تنتشر فيه المعلومة غير الدقيقة والشائعة أسرع من التصحيح المؤسساتي. ولهذا فإن التواصل الحكومي لم يعد مجرد واجهة. إنه جزء من الحكم نفسه. والثقة لا تبنى بكثرة الكلام، وإنما بالفعل. لا تستعاد بالبيانات وحدها، بل بالشفافية. ولا تترسخ بالوعود، بل بالقدرة على الوفاء بها أو تفسير أسباب عدم الوفاء بها.

المائة يوم الأولى… بين الرمز والاتجاه

لن يكون من المنطقي أن يطلب من حكومة جديدة أن تحل في مئة يوم مشكلات راكمتها سنوات. لكن من المشروع أن يطلب منها، خلال هذه الفترة، أن تكشف عن اتجاهها. أن يعرف المواطن ما هي الأولويات. أن يعرف كيف ستشتغل الحكومة. أن يعرف ما الذي ستغيره، وما الذي ستستمر فيه، وما الذي ستراجعه. وأن يرى في قراراتها الأولى ملامح منهج لا مجرد ردود أفعال. المائة يوم الأولى ليست زمنا سحريا. لكنها زمن كاشف. تكشف فيه الحكومة عن قدرتها على ترتيب الملفات، وعلى اتخاذ القرار، وعلى التواصل، وعلى التنسيق بين مكوناتها، وعلى الانتقال من الخطاب الانتخابي إلى لغة الدولة. ولا ينبغي أن تتحول المعارضة إلى مجرد خصم، كما لا ينبغي أن تتحول الأغلبية إلى حصانة سياسية. فالبرلمان فضاء للمراقبة والنقاش والتشريع، والحكومة مسؤولة عن تنفيذ السياسات العمومية، والمعارضة جزء أصيل من الحياة الديمقراطية. وفي هذا التفاعل تحديدا تتقدم الدولة.

الدولة أكبر من الحكومة… والحكومة لا تستطيع الهروب من المسؤولية

إن الحكومات تتغير. والأغلبيات تتبدل. والأسماء تصعد ثم تغادر. أما الدولة فتستمر. وهنا تكمن أهمية المسؤولية الحكومية: أن تعمل الحكومة داخل استمرارية الدولة، وأن تجعل من ولايتها الزمنية فرصة لإنجاز ما يمكن إنجازه، لا مناسبة لتصفية الحسابات مع الماضي أو لتأجيل الملفات إلى المستقبل. إن المغرب، بما راكمه من مؤسسات وتجارب، لا يحتاج إلى إعادة اختراع الدولة مع كل حكومة. ما يحتاجه هو حكومة تعرف أين تبدأ، وإلى أين تريد الوصول، وكيف تقيس المسافة بين الإثنين. وهذا هو الفارق بين إدارة الزمن السياسي وإدارة المصلحة العامة.

ما بعد الصورة الأولى

ربما يكون أسهل ما في التاريخ أن يصنع صورة. امرأة على رأس الحكومة. حدث أول. سابقة سياسية. عنوان جذاب. لكن التاريخ الجاد لا يكتفي بالصور. إنه يسأل عما جيء بعدها. هل تحولت السابقة إلى ممارسة طبيعية؟ هل تحولت المشاركة النسائية إلى مساواة أعمق؟ هل تحولت الثقة الانتخابية إلى سياسات عمومية؟ هل استطاعت الحكومة أن تقترب من المواطن؟ هل استطاعت أن تستعيد ثقة من ابتعدوا عن السياسة؟ هل تمكنت من أن تجعل الإصلاح مسارا مؤسساتيا لا معركة ظرفية؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد معنى اللحظة.

إن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة حدث تاريخي في مسار المشاركة السياسية للمرأة المغربية، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية السؤال، بل بدايته. فالرمز يفتح الباب. والدستور يحدد الإطار. والانتخابات تمنح الشرعية السياسية. والمؤسسات تضبط المسؤوليات. لكن الأداء وحده هو الذي يمنح كل ذلك معناه. قيمة الحكومات ليست بما تقوله عن نفسها، بل بما تتركه وراءها في حياة الناس. و الديمقراطية ليست فقط بمن يفوز في الانتخابات، بل بقدرتها على تحويل صوت المواطن إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قرارات، والقرارات إلى أثر ملموس. أما التاريخ، فإنه قد يتذكر بسهولة أن امرأة مغربية وصلت يوما إلى رئاسة الحكومة. لكن الأهم بكثير أن يتذكر ماذا فعلت الحكومة التي ترأستها بهذا الامتياز التاريخي. فالتاريخ يسجل لحظة الوصول. أما الشعوب، فإنها لا تتذكر إلا ما غير حياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *