بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
في التاريخ أحداث تتسلل مثل قطرة حبر إلى ماء صاف، ثم لا يلبث الماء كلّه أن يتغير لونه. ويبدو أن ملف الصحراء المغربية يقف اليوم عند واحدة من تلك اللحظات النادرة: لحظة لا يعلن فيها التاريخ انتصاره دفعة واحدة، وإنما يعيد ترتيب أثاثه في الغرف المغلقة، فيما العالم منشغل بعد الكلمات التي تبدو عادية في بيانات الأمم المتحدة، ولا ينتبه إلى أن كلمة واحدة قد تكون أحيانا أثقل من جيش. التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، المؤرخ في الأول من أكتوبر 2026، ليس وثيقة سلام، ولا اتفاقا نهائيا، ولا إعلانا بقيام حكم ذاتي، لكنه شيء أكثر إثارة للاهتمام: إنه أشبه بخريطة للمتاهة التي بدأ المجتمع الدولي يرسم لها مخرجا. والتقرير هو أول تقرير لغوتيريش بعد القرار 2797، كما أنه آخر تقرير له في هذا الملف قبل انتهاء ولايته في نهاية ديسمبر.
هنا تكمن أهمية التفاصيل. فالقرار 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 بأغلبية 11 صوتا من دون أصوات معارضة، مع ثلاث امتناعات، مدد ولاية المينورسو إلى 31 أكتوبر 2026، وطلب في الوقت نفسه مراجعة استراتيجية لمستقبل المهمة، وجعل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسا للمفاوضات الرامية إلى الوصول إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف. لكنه لم يحول المقترح المغربي إلى اتفاق نهائي، ولم يغلق باب التفاوض أمام بقية التصورات. وهذه المسافة الصغيرة بين «أساس للتفاوض» و«حل مفروض» هي بالضبط المسافة التي ينبغي أن يقرأ منها العقل السياسي ما يحدث. وفي السياسة، ليست الكلمات عبثا. الكلمات خرائط سرية للنيات. حين تقول الأمم المتحدة إن مشروع الحكم الذاتي هو أساس للتفاوض، فإنها لا تكون قد وقعت باسم التاريخ على صك ملكية، لكنها تكون قد نقلت مركز الثقل من سؤال: «كيف نعود إلى نقطة الصفر؟» إلى سؤال أكثر واقعية: «كيف يمكن تحويل هذا الأساس إلى صيغة قابلة للحياة، ومقبولة، ومضمونة؟».
وهذا انتقال هائل. لقد كان النزاع لعقود سجنا لغويا أيضا: استقلال أم مغربية؟ استفتاء أم لا استفتاء؟ جبهة أم دولة؟ مخيمات أم إقليم؟ لكن الدبلوماسية الجديدة تحاول، على ما يبدو، أن تفكك هذا السجن حجرا حجرا، وأن تستبدل سؤال الهوية المجردة بسلسلة من الأسئلة العملية: من يحكم؟ كيف تنتخب المؤسسات؟ من يدير الموارد؟ من يضمن الأمن؟ كيف يتم نزع السلاح؟ كيف تتم المصالحة؟ كيف تحمى الحقوق؟ ومن يضمن ألا تتحول الضمانات إلى ورق جميل يذروه أول اختلاف سياسي؟ هنا تظهر فكرة «المجلس الانتقالي». لكن ينبغي ألا نرتكب الخطأ الذي يقع فيه كثير من القراءات المتسرعة: المجلس الانتقالي لم ينشأ، ولم تقرره الأمم المتحدة، ولم يصبح مؤسسة قائمة. التقرير يعرضه ضمن التصورات التي جرى بحثها في سياق المرحلة الانتقالية، إلى جانب قضايا الموارد والأمن ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والمصالحة والانتخابات والضمانات الدولية.
وهذا، في حد ذاته، بالغ الدلالة. لأن الانتقال لا يعني فقط تغيير المؤسسات؛ إنه يعني اعترافا ضمنيا بأن الحل النهائي لا يمكن أن يرمى على الطاولة كما ترمى ورقة رابحة، بل يحتاج إلى فترة عبور من عالم إلى عالم. والصحراء هنا لا تحتاج فقط إلى «حكم ذاتي» مكتوب، بل إلى هندسة سياسية للحكم الذاتي. وهذا فرق جوهري. فالحكم الذاتي الذي لا يملك مؤسسات منتخبة، وقواعد واضحة لتدبير الموارد، وضمانات قضائية، وترتيبات أمنية، وعلاقة دستورية محددة مع الدولة المركزية، يظل مجرد لافتة سياسية. أما الحكم الذاتي الذي يستطيع أن ينتج سلطة محلية حقيقية، منتخبة وذات اختصاصات واضحة، ويضمن الحقوق ويخلق مجالا فعليا للتدبير المحلي، فإنه يتحول من شعار إلى نظام سياسي. وهنا تحديدا تصبح المبادرة المغربية أمام امتحان تاريخي جديد.
لقد انتقلت من كونها وثيقة سياسية قدمت سنة 2007 إلى شيء أقرب إلى مشروع سياسي يحتاج إلى تفصيل مؤسساتي وقانوني. والتطور الأهم أن المقترح المغربي لم يعد يناقش في الفراغ، وإنما داخل مسار تفاوضي أعيد إطلاقه على أساس قرار مجلس الأمن 2797. أي أن المعركة المقبلة ليست معركة صياغة شعار «الحكم الذاتي»؛ بل معركة صياغة مضمون الحكم الذاتي. وهنا يصبح ستافان دي ميستورا لاعبا أكثر تعقيدا مما يبدو. فالرجل لا يملك ترف إعلان انتصار طرف على آخر، ولا يستطيع أن يكتب في تقريره أن التاريخ قد حسم المسألة. لكنه يستطيع أن يفعل شيئا أكثر دهاء: أن يجعل صيغة معينة تبدو، شيئا فشيئا، الأكثر قابلية للحياة. وهذا ما يبدو أنه يحدث. فالمسار الأممي لا يزال متمسكا بمبدأ تقرير المصير وبحل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، لكنه في الوقت نفسه وضع الحكم الذاتي المغربي في قلب قاعدة التفاوض الجديدة. وهذه ليست نهاية الصراع اللغوي، لكنها بالتأكيد تغير في مركز الجاذبية السياسي للملف. وهنا تكمن العبارة التي ينبغي أن يتوقف عندها العقل المغربي طويلا:
المعركة لم تعد فقط من أجل الاعتراف بالحكم الذاتي؛ بل من أجل جعل الحكم الذاتي قابلا للتصديق دوليا. وهذا يتطلب شيئا أكبر من الخطاب الوطني، رغم أن الوطنية شرط لا غنى عنه. يتطلب دولة واثقة من نفسها إلى درجة تستطيع معها أن تمنح الأقاليم الجنوبية مجالا واسعا للتدبير، من دون أن ترى في اللامركزية تهديدا للسيادة. فالسيادة الحديثة ليست أن تمسك الدولة بكل الخيوط؛ بل أن تكون واثقة من أن الخيوط، مهما امتدت، تنتهي إليها. إن الدولة التي تخشى من مجلس جهوي منتخب تخشى في الحقيقة من صورتها الخاصة في المرآة. أما الدولة الواثقة، فتستطيع أن تمنح مجالها الترابي فسحة من الحرية، لأنها تعرف أن الحرية داخل الدولة ليست بالضرورة مقدمة على الانفصال، بل قد تكون إحدى أقوى آليات منع الانفصال. ولهذا فإن الحكم الذاتي المغربي، إذا أراد أن يكون تاريخيا، ينبغي ألا يفهم بوصفه تنازلا إداريا، وإنما بوصفه صيغة متقدمة لإعادة تعريف العلاقة بين المركز والمجال.
وهنا تلتقي الصحراء بفلسفة الدولة. فالرباط لن تكون مطالبة فقط بأن تقول للعالم: «الصحراء مغربية»، وإنما بأن تقول أيضا: «المغربية تستطيع أن تنتج نموذجا للحكم المحلي أكثر اتساعا وفعالية وحرية». ذلك هو التحدي الحقيقي. والأكثر إثارة أن ملف الموارد الطبيعية دخل في صلب النقاشات المرتبطة بالحل. فالثروات، من الصيد البحري إلى الفوسفاط والمعادن، لم تعد هامشا اقتصاديا، بل أصبحت جزءا من السؤال السياسي نفسه. لأن الحكم الذاتي الذي لا يملك تصورا واضحا عن توزيع الثروة وإدارتها والرقابة عليها سيظل ناقص الروح. وفي المقابل، هناك السؤال الأمني: ماذا يحدث للسلاح؟ ماذا يحدث للمقاتلين؟ من يضمن الأمن؟ وكيف تنتقل منطقة ظلت مرتبطة لعقود بمنطق النزاع إلى منطق المؤسسات؟ ثم يأتي السؤال الأكثر حساسية: من يمثل السكان؟
إنها النقطة التي ستختبر فيها كل الأطراف شجاعتها. لأن التاريخ لا يحب الفراغ، وإذا لم تنتج السياسة مؤسسات تمثل الناس، فإن أحدا آخر سيملأ الفراغ باسمهم. ولهذا تبدو مسألة إشراك السكان والاستشارة السياسية أكثر من تفصيل تقني. إنها محاولة للبحث عن جسر بين مفهوم تقرير المصير وبين نموذج الحكم الذاتي. ليست المسألة أن يختار العالم نيابة عن الصحراويين؛ وإنما كيف تبنى آلية تجعل السكان جزءا من إنتاج التسوية ومؤسساتها. وهنا أيضا تتقاطع المسألة مع مخيمات تندوف، حيث أصبح البعد الإنساني والسياسي جزءا لا يمكن تجاهله في أي تصور للحل. فالإنسان الذي عاش عقودا في المخيمات أو في مدن الصحراء لا يمكن أن يبقى مجرد رقم في دفتر دبلوماسي. أما المينورسو، فإنها تبدو مثل ساعة معلقة على جدار النزاع. كل عام تمدد الأمم المتحدة عقاربها سنة أخرى، وكأنها تقول للأطراف: لم نصل بعد. لكن مستقبل المهمة أصبح الآن موضوع مراجعة استراتيجية. فالقرار 2797 طلب من الأمين العام تقديم مراجعة لمستقبل ولاية المينورسو في ضوء تطورات المفاوضات، فيما تشير النقاشات الأممية إلى احتمال إعادة ترتيب مهامها إذا تحقق اتفاق سياسي، بما قد يشمل مراقبة وقف إطلاق النار أو دعم ترتيبات أمنية وانتقالية جديدة. وهذه ليست تفصيلة بيروقراطية.
إنها إشارة إلى أن المينورسو قد لا تبقى إلى الأبد كما كانت. فإذا تغيرت طبيعة النزاع، فلا بد أن تتغير طبيعة الآلية الدولية التي ولدت في زمن آخر. وهنا ربما يكمن أحد أكبر التحولات الصامتة في الملف: السؤال لم يعد فقط «هل ستبقى المينورسو؟»، بل «أي مينورسو نحتاج إذا انتقل النزاع من البحث عن تسوية إلى تنفيذ تسوية؟». ذلك سؤال المستقبل. فالمرحلة المقبلة تتقاطع فيها إعادة تشكيل الحكومة مع إعادة تشكيل موقع المغرب في النظام الإقليمي والدولي. والصحراء ليست ملفا خارجيا منفصلا عن السياسة الداخلية. إنها، بطريقة ما، أحد اختبارات نضج الدولة كلها. فكلما اقترب الحل السياسي الدولي، زادت الحاجة إلى جبهة داخلية لا تختزل المعارضة في العرقلة. المغرب يحتاج إلى معارضة قوية حتى عندما تكون القضية الوطنية فوق الحسابات الحزبية. وفي المقابل، تحتاج المعارضة نفسها إلى أن تفهم أن قضية الصحراء ليست ملكا لحكومة ولا لحزب ولا لأغلبية برلمانية. إنها ملك الدولة والمجتمع والتاريخ.
وقد تكون المفارقة الأكبر أن اللحظة التي يقترب فيها المغرب من تحول دبلوماسي محتمل في ملف الصحراء هي نفسها اللحظة التي يحتاج فيها إلى تحول سياسي داخلي: من سياسة الأشخاص إلى سياسة المؤسسات، ومن منطق الولاء الحزبي إلى منطق المسؤولية الوطنية، ومن الخوف من الخلاف إلى القدرة على إدارة الخلاف. السؤال هو: أي مغرب يريد أن يدخل المرحلة المقبلة؟ مغربا يخاف من السياسة لأنها تزعجه، أم مغربا يعرف أن الديمقراطية ليست غرفة نوم هادئة، وإنما ورشة صاخبة لصناعة الشرعية؟ ذلك أن الشرعية التي يحتاجها الحكم الذاتي في الصحراء لن تكون دبلوماسية فقط؛ ستكون أيضا شرعية مؤسساتية وتنموية وسياسية.
العالم لن ينظر فقط إلى الخريطة. سينظر إلى الإنسان الذي يعيش فوق الخريطة. سينظر إلى المؤسسات. إلى الانتخابات. إلى القضاء. إلى توزيع الثروة. إلى الحقوق. إلى قدرة الدولة على تحويل الصحراء من جغرافيا نزاع إلى فضاء استقرار وإنتاج وكرامة. وفي هذا المعنى، فإن المعركة الحقيقية قد بدأت للتو. لقد كان المغرب يقاتل طويلا من أجل أن يجعل العالم يعترف بأن مقترح الحكم الذاتي جدي وواقعي وذي مصداقية. أما الآن، فإذا استمر المسار الحالي، فسيكون عليه أن يخوض معركة أكثر صعوبة: أن يجعل العالم يرى أن هذا الحكم الذاتي قابل للحياة. وهنا يصبح الرمل دستورا. ليس لأنه يكتب القوانين، بل لأنه يختبرها. ففي الصحراء، كل فكرة سياسية ستجد نفسها مضطرة إلى النزول من سماء الخطابة إلى أرض الواقع: أين الماء؟ أين المدرسة؟ أين المستشفى؟ أين الاستثمار؟ أين القضاء؟ أين المنتخب؟ أين نصيب المواطن من القرار؟ أين حدود سلطة الرباط؟ أين حدود سلطة المؤسسات المحلية؟ أين الثروة؟ ومن يحاسب من؟
هذه هي الأسئلة التي ستقرر، في النهاية، ما إذا كان الحكم الذاتي مجرد صيغة دبلوماسية أم مشروعا سياسيا قابلا للحياة داخل الدولة المغربية. ولذلك ينبغي ألا يقرأ المغاربة تقرير غوتيريش بخوف، ولا بنشوة. لا مكان للنشوة قبل الاتفاق، ولا للخوف ما دام التفاوض مفتوحا. ينبغي قراءته بعين الدولة. بعين تعرف أن التاريخ لا يقدم الهدايا مجانا. القرار 2797 كان لحظة مهمة، والتقرير الجديد يوضح أن المسار الذي أعقبه لم يكن مسارا احتفاليا، وإنما مسارا تفاوضيا معقدا، دخلت إليه مسائل الانتقال والضمانات والموارد والأمن والتمثيل والاستشارة والمينورسو. لكن الطريق لا يزال طويلا. فالجزائر لم تختف من المعادلة، والبوليساريو لم تعلن قبولها بالحكم الذاتي، وتقرير المصير ما زال حاضرا في اللغة الأممية، والمفاوضات لم تنتج بعد اتفاقا نهائيا. بل إن المواقف الجوهرية للأطراف لا تزال متباعدة، وهو ما يجعل أي حديث عن نهاية وشيكة للنزاع سابقا لأوانه. وهنا ينبغي للمغرب أن يتصرف لا كمن انتصر، بل كمن اقترب من امتحان النصر. فالانتصار الدبلوماسي الحقيقي ليس أن تجعل خصمك يصمت، بل أن تجعل الحل الذي تقترحه قادرا على أن يعيش بعد أن يصمت الجميع. وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق للحظة الراهنة: لقد بدأ النزاع يتحرك من سؤال «لمن الصحراء؟» إلى سؤال أكثر قسوة وذكاء: ماذا سنفعل بالصحراء عندما ينتهي النزاع؟ ذلك هو السؤال الذي يهرب منه السياسيون عادة، لأنّه أصعب من رسم الحدود. فالحدود يمكن رسمها بالقلم. أما المستقبل فلا يرسم إلا بالمؤسسات.
وفي مكان ما بين نيويورك والرباط والجزائر ونواكشوط، بين غرف الأمم المتحدة ورمال الصحراء ومخيمات تندوف، يبدو أن تاريخا جديدا يحاول أن يولد. لم يولد بعد. لكنه يتحرك. والتاريخ، حين يتحرك، لا يسمع له الناس صوتا. فقط، بعد سنوات، يكتشفون أن شيئا ما كان قد تغير في ذلك اليوم، وأن الكلمات التي مرت أمام أعينهم كأنّها مجرد كلمات كانت في الحقيقة مفاتيح لأبواب لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون هذا هو سر اللحظة الصحراء وصوفية الرمال الجديدة: أن الحل لم يعد يبحث فقط عن نهاية للنزاع، بل عن بداية لنظام سياسي جديد؛ وأن المعركة المقبلة لن تكون على من يملك الصحراء فحسب، بل على من يستطيع أن يمنحها مستقبلا يستحق أن يكون مغربيا، وأن يكون في الوقت نفسه مقنعا للعالم وللإنسان الذي يعيش فوق رمالها. هناك، تحديدا، يبدأ الاختبار الحقيقي. وهناك أيضا، ربما، يبدأ الفصل الذي لم تكتبه الأمم المتحدة بعد.
