بقلم د. عبد الرحمن مكاوي -باريس
هناك لحظات في حياة الدول لا تعود فيها النخب مجرد نخب، ولا الجامعات مجرد جامعات، ولا العقول المهاجرة مجرد مواطنين يعيشون خلف الحدود. تصبح العقول نفسها جزءا من الأمن القومي. ويبدو أن الجزائر دخلت هذه اللحظة. فالقرار المتعلق بإنشاء المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية في الخارج، والاجتماعات التي تلته، ثم المرسوم الرئاسي الذي حدد الإطار القانوني للمؤسسة، لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد مبادرة أكاديمية لاستعادة التواصل مع الباحثين الجزائريين في الخارج. خلف هذه الواجهة العلمية تتحرك معادلة سياسية أكثر تعقيدا: كيف تستطيع سلطة تواجه ضغوطا اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية أن تعيد إنتاج شرعيتها عبر النخبة التي فقدتها البلاد قبل أن تفقدها السلطة؟ هنا تبدأ قصة “عملية الأدمغة”. وهي، في جوهرها، ليست عملية استعادة علماء. إنها محاولة لاستعادة صورة الدولة.
زرهوني: حين يتحول العالم إلى رمز سياسي
في 27 سبتمبر، استقبل الرئيس عبد المجيد تبون أعضاء المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية في الخارج، بعد اجتماعهم الأول. في مقدمة هذا المشهد يقف البروفيسور إلياس زرهوني، أحد أبرز الوجوه العلمية الجزائرية على الساحة الدولية، والمدير السابق لمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية. اختيار زرهوني ليس تفصيلا بروتوكوليا. إنه يحمل رسالة. فالسلطة الجزائرية لا تستدعي إلى الداخل مجرد خبراء. إنها تستدعي رموزا تمتلك شرعية لا تأتي من الدولة الجزائرية نفسها، وإنما من المؤسسات العلمية الدولية. وهذه نقطة شديدة الأهمية. فحين تستند السلطة إلى عالم صنع جزءا كبيرا من مكانته خارج النظام المحلي، فإنها تحاول استيراد نوع آخر من الشرعية: شرعية الكفاءة الدولية. إنها تقول، بصورة غير مباشرة: الجزائر ليست دولة مغلقة على نفسها. الجزائر تستطيع أن تتحدث مع العالم بلغة العلم. لكن هذه الرسالة تحمل في داخلها مفارقة مؤلمة. فالعالم الذي تحتاجه الجزائر اليوم هو في جانب منه نتيجة مباشرة لعجزها بالأمس عن الاحتفاظ بعلمائها. وهنا يتحول نجاح الشتات العلمي إلى مرآة لفشل الدولة في إدارة رأس مالها البشري.
من “هجرة الأدمغة” إلى “دبلوماسية الأدمغة”
لسنوات طويلة، كان مصطلح “هجرة الأدمغة” يحمل دلالة سلبية واضحة. طبيب يرحل. مهندس يهاجر. باحث يستقر في جامعة أوروبية. أستاذ يجد مختبرا أفضل في أمريكا. ثم تبدأ الدولة في خسارة شيء أكبر من الموظف أو الباحث: تخسر الشبكة التي كان يمكن أن يبنيها داخل الوطن. لكن اللعبة تغيرت. العقل المهاجر لم يعد بالضرورة خسارة كاملة. إذا استطاعت الدولة ربطه بمؤسساتها، فقد يتحول من مهاجر إلى أصل استراتيجي عابر للحدود. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمجلس الجديد. فالجزائر لا تحتاج بالضرورة إلى إعادة كل علمائها إلى الجزائر. قد تحتاج إلى شيء أكثر ذكاء: إعادة الجزائر إلى شبكات علمائها. أن يبقى الباحث في بوسطن، أو باريس، أو مونتريال، أو جنيف، لكن يصبح جزءا من منظومة بحث وطنية. أن تعمل المختبرات الجزائرية مع الجامعات الأجنبية. أن تنتقل المعرفة قبل أن ينتقل الأشخاص. أن يصبح الشتات العلمي شبكة نفوذ علمية، وتكنولوجية، واقتصادية، ودبلوماسية. هذه هي دبلوماسية الأدمغة. وهي أكثر أهمية من مجرد تنظيم مؤتمر سنوي للعقول الجزائرية.
خمسة ملفات تكشف طبيعة المعركة
السيبراني. الطاقة. الصحة. الغذاء. الماء. هذه ليست قائمة أكاديمية. إنها قائمة أمن قومي. فالجزائر التي تدخل العقد المقبل لن تكون مهددة فقط من نقص الإيرادات أو تقلبات أسعار النفط والغاز. ستكون مهددة أيضا بالتأخر التكنولوجي. من يسيطر على البيانات يملك جزءا من السيادة. ومن يملك التكنولوجيا الطبية يملك جزءا من الأمن الصحي. ومن يملك تقنيات الماء والغذاء يملك قدرة أكبر على الصمود. ومن يملك الطاقة دون امتلاك التكنولوجيا سيظل، في النهاية، مالكا لمورد قابل للاستنزاف. ولهذا فإن وضع المجلس في مدار الرئاسة ليس اعتباطيا. إنه يعكس إدراكا بأن العلم لم يعد ملفا جامعيا ضيقا. العلم أصبح ملف دولة.
لكن هناك لغما في الداخل
المشكلة أن السلطة تستطيع استدعاء النخب من الخارج، لكنها لا تستطيع استيراد الشرعية من الخارج. وهنا تبدأ المشكلة. إذا ظهر المجلس في صورة ناد مغلق للعلماء العائدين من أمريكا وفرنسا، بينما يشعر الباحث الجزائري في جامعته بأنه موظف من الدرجة الثانية، فإن العملية ستنتج أثرا عكسيا. بدلا من أن تقول الدولة: “نحن نستعيد أبناءنا” قد يسمع المجتمع الرسالة التالية: “نحن لا نثق في أبنائنا الموجودين هنا.” وهذا هو الفخ. فالجزائر لا تعاني فقط من نقص العقول. إنها تعاني من مشكلة في البيئة التي تسمح للعقل بأن يتحول إلى قوة إنتاج. يمكنك استدعاء أفضل عالم في العالم، لكن إذا وجد أمامه إدارة بطيئة، وتمويلا غير مرن، وبيروقراطية خانقة، وضعفا في الربط بين البحث والسوق، فسوف يتحول المشروع كله إلى صورة جماعية جميلة. والصور لا تبني اقتصادا.
الجامعة: ساحة المعركة الصامتة
الجامعة الجزائرية ستكون على الأرجح أول ساحة لاختبار هذه السياسة. فالجامعة ليست مؤسسة محايدة في التاريخ السياسي الجزائري. إنها مساحة تشكلت فيها صراعات الهوية، واللغة، والحداثة، والإسلام السياسي، والفرنكوفونية، والدولة الوطنية. ولذلك يمكن للتيارات الإسلامية والسياسية المعارضة أن تقرأ المشروع بطريقة مختلفة تماما عن القراءة التي تريدها السلطة. قد تقول إن الدولة تستورد نخبة “مفرنسة”، مكونة في بيئات غربية، بعيدة عن المجتمع. وقد يتحول المسار العلمي لبعض الشخصيات إلى مادة للاتهام السياسي. وهنا يصبح الخطر أكبر من مجرد خلاف حول الأسماء. إنه خطر تحويل المعرفة إلى قضية ولاء. حين يصبح العالم مشبوها بسبب الجامعة التي درس فيها، أو المختبر الذي عمل فيه، أو الدولة التي أقام فيها، فإن الجزائر تدخل منطقة خطرة: منطقة يصبح فيها الانفتاح العلمي نفسه موضع اشتباه. والدولة التي تخاف من شبكات المعرفة الدولية لن تستطيع بناء اقتصاد معرفة.
المعركة الطبقية
لكن الإسلاميين ليسوا الخطر الوحيد. هناك غضب آخر، أكثر صمتا، وقد يكون أكثر اتساعا. غضب الموظف. غضب الأستاذ. غضب الطبيب. غضب المهندس. غضب الشاب الذي درس سنوات ثم وجد نفسه أمام سوق عمل محدود. في هذه البيئة، يمكن لراتب عالم عائد من الخارج أن يتحول إلى قضية سياسية. السؤال لن يكون: “لماذا نستعيد علماءنا؟” بل: “لماذا لا يحصل العالم الذي بقي هنا على الظروف نفسها؟” وهذا سؤال مشروع. إذا أرادت السلطة جعل عودة الأدمغة مشروعا وطنيا، فعليها ألا تجعل العائد من الخارج هو البطل الوحيد. البطل الحقيقي يجب أن يكون المنظومة. وإلا ستنشأ طبقة جديدة من “النخب المستوردة”، بينما يشعر آلاف الباحثين المحليين بأنهم خارج اللعبة. وهنا يمكن أن يتحول المشروع من أداة للشرعية إلى أداة للاحتقان.
الشباب لن يكتفي بالتصفيق
الجيل الجديد من الجزائريين مختلف عن الأجيال السابقة. إنه أكثر اتصالا بالعالم. يرى الجامعات الأجنبية على هاتفه. يعرف كيف تعمل المختبرات العالمية. يتابع رواتب الباحثين. يشاهد الشركات الناشئة. ويقارن. وهذا الجيل لا يريد أن يكون زبونا سلبيا لعملية استيراد النخب. هو يريد أن يعرف: من يقرر؟ من يمول؟ من يراقب؟ من يستفيد؟ ومتى تظهر النتائج؟ الشاب الجزائري لم يعد مقتنعا بأن صورة عالم كبير في قصر الرئاسة تكفي لإثبات أن الدولة تتقدم. يريد أن يرى شركة ناشئة. مختبرا يعمل. براءة اختراع. جامعة تنافس. وظيفة ذات قيمة. ومسارا يسمح له بأن يصبح هو نفسه العالم الذي ستستدعيه الدولة بعد عشرين عاما. هذه هي المعركة الحقيقية.
الجيش والبحث عن عقد شرعي جديد
في الخلفية، تقف المؤسسة العسكرية. لا يمكن فهم بنية السلطة الجزائرية من دون فهم الوزن التاريخي والسياسي للجيش الوطني الشعبي. لكن السنوات المقبلة تفرض معادلة أكثر صعوبة. الاقتصاد الريعي لم يعد قادرا على لعب الدور نفسه الذي لعبه في العقود السابقة. الغاز والنفط يظلان مصدر قوة، لكنهما لم يعودا وصفة مكتملة للاستقرار. فالاقتصاد العالمي يتحول. الطاقة تتحول. التكنولوجيا تتحول. والقيمة الاقتصادية تنتقل تدريجيا من استخراج الموارد إلى امتلاك المعرفة وسلاسل القيمة. لهذا فإن السلطة تحتاج إلى سردية جديدة. سردية تقول إن الدولة لا تحمي الماضي فقط، بل تستطيع إنتاج المستقبل. ومن هنا تصبح عملية الأدمغة جزءا من بحث أوسع عن الشرعية. إنها محاولة لإقناع الداخل والخارج بأن النظام قادر على استدعاء أفضل ما في الجزائر، وإعادة وضعه في خدمة الدولة. لكن الشرعية العلمية لا تستطيع وحدها إنقاذ شرعية سياسية. يمكن لعالم مرموق أن يمنح الدولة مصداقية في يوم. لكن إصلاح الجامعة والاقتصاد والمؤسسات هو الذي يمنحها المصداقية لعقد.
باريس وواشنطن وبروكسل تراقب
هناك أيضا جمهور خارجي. فرنسا. الولايات المتحدة. الاتحاد الأوروبي. وحتى العواصم الإفريقية. كل هذه الجهات لا تنظر إلى المجلس من زاوية أكاديمية فقط. الجزائر تريد أن تقول للخارج إنها ليست مجرد دولة طاقة في المتوسط. إنها تريد أن تقدم نفسها بوصفها شريكا علميا وتكنولوجيا يمكن الاعتماد عليه. وهذا مهم خصوصا في مرحلة تتعرض فيها علاقات الجزائر مع فرنسا لتوترات متكررة، بينما تتسع المنافسة المغاربية وتتحرك الإمارات بقوة في إفريقيا، وتتداخل مشاريع الطاقة مع خرائط النفوذ الجديدة. العالم الجزائري يمكن أن يصبح هنا نوعا من الدبلوماسي غير الرسمي. لا يحمل حقيبة دبلوماسية. يحمل شبكة علاقات. ولا يمثل وزارة الخارجية. يمثل مختبرا وجامعة وشركة ومؤسسة بحثية. وهذه قوة ناعمة يصعب على الدبلوماسية التقليدية إنتاجها.
المغرب ليس بعيدا عن المشهد
في شمال إفريقيا، لا توجد مشاريع طاقة بمعزل عن السياسة. ولا توجد بنية تحتية استراتيجية من دون جغرافيا سياسية. ولا يوجد خط أنابيب من دون سؤال: من يربط بمن؟ ومن يمر عبر ماذا؟ ومن يمول؟ ومن يربح؟ ولهذا فإن التنافس حول مشاريع الغاز الإفريقية يتجاوز الاقتصاد. إنه تنافس على موقع الجزائر والمغرب في الخريطة الجديدة للطاقة الإفريقية. لكن الجزائر يجب أن تنتبه إلى خطأ استراتيجي قديم: الاعتماد على الجغرافيا وحدها. الجغرافيا تمنح الدولة موقعا. لكن التكنولوجيا تمنحها قوة. الطاقة تمنحها موردا. لكن المعرفة تمنحها قدرة على تحويل المورد إلى نفوذ. والمسافة بين الإثنين هي بالضبط المسافة التي يجب أن يقطعها مشروع الأدمغة.
الاختبار الحقيقي ليس في المجلس
سيكون من السهل الاحتفال بالمجلس. سيكون من السهل نشر الصور. سيكون من السهل الحديث عن العلماء العائدين. لكن الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما ينتهي الاحتفال. هل ستتغير آليات تمويل البحث؟ هل ستصبح الجامعات أكثر استقلالا؟ هل ستنشأ حوافز حقيقية للباحثين؟ هل ستربط الدولة المختبرات بالصناعة؟ هل يستطيع العالم إنشاء شركة دون أن يغرق في البيروقراطية؟ هل تستطيع الجزائر تحويل المعرفة إلى صادرات؟ هل تستطيع حماية الملكية الفكرية؟ هل تستطيع جذب الاستثمارات التكنولوجية؟ هل يستطيع الباحث الشاب في وهران أو قسنطينة أو سطيف أن يجد مستقبلا في بلده؟ إذا كانت الإجابة لا، فإن المجلس سيظل جزيرة من الكفاءة وسط بحر من الاختلالات. أما إذا كانت الإجابة نعم، فإن الجزائر قد تكون أمام نقطة تحول حقيقية.
من استعادة العقول إلى استعادة الدولة
ربما تكمن القيمة الحقيقية للعملية كلها في شيء واحد: أن السلطة بدأت، ولو بصورة جزئية، تفهم أن المعركة المقبلة ليست معركة نفط. إنها معركة عقل. وليست معركة حدود فقط. إنها معركة شبكات. وليست معركة استثمارات فقط. إنها معركة معرفة. وهنا يصبح المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية في الخارج تجربة سياسية بقدر ما هو تجربة علمية. إذا نجح، فقد يفتح الباب أمام نموذج جديد: دولة صغيرة في شبكة عالمية من الكفاءات، لا تحتاج إلى إعادة كل مواطنيها، بل تحتاج إلى جعل العالم كله جزءا من قدرتها الوطنية. وإذا فشل، فسوف يتحول إلى فصل جديد من التاريخ الطويل للمؤسسات التي تبدأ بوعد كبير وتنتهي بتقرير محفوظ في الأدراج.
السؤال الذي لا تستطيع الجزائر تأجيله
في النهاية، ليست المشكلة في أن الجزائر تستدعي علماءها. المشكلة هي: أي جزائر ستستقبلهم؟ هل هي جزائر الاقتصاد الريعي؟ أم جزائر اقتصاد المعرفة؟ هل هي جزائر الإدارة الثقيلة؟ أم جزائر المبادرة؟ هل هي جزائر النخبة المغلقة؟ أم جزائر الكفاءة المفتوحة؟ هل تريد الدولة من العالم أن يأتي ليعطيها شرعية؟ أم تريد منه أن يأتي ليشارك في بناء مؤسسات لا تحتاج إلى شرعية مستوردة؟ هذا هو الفارق بين مشروع علاقات عامة ومشروع دولة. يمكن للجزائر أن تجمع أفضل عقولها حول طاولة واحدة. لكنها لن تستعيد مستقبلها إلا إذا جعلت هذه الطاولة بداية، لا نهاية. فالدماغ الجزائري ليس مجرد مورد بشري. إنه احتياطي استراتيجي. والشتات ليس مجرد جغرافيا للغياب. إنه شبكة نفوذ كامنة. لكن الاحتياطي لا يصبح ثروة إلا إذا عرفت الدولة كيف تستثمره. والشبكة لا تصبح قوة إلا إذا امتلكت الدولة رؤية. أما إذا بقيت السياسة الاقتصادية على حالها، وبقيت الجامعة رهينة البيروقراطية، وبقيت الاحتكارات تحرس أبواب السوق، فإن “عملية الأدمغة” ستظل مجرد قناع أنيق لأزمة أعمق. قناع مصنوع من العلم، لكنه يخفي سؤالا سياسيا لا يمكن تأجيله: هل تريد الجزائر استعادة عقولها فقط، أم تريد أن تستعيد الدولة التي جعلت تلك العقول تغادر؟ في الإجابة عن هذا السؤال سيتحدد ما إذا كان مجلس العلماء الجديد سيكون مجرد مؤسسة أخرى في أرشيف الجمهورية، أم الشرارة الأولى لتحول استراتيجي طال انتظاره. فالجزائر لا ينقصها العلماء. ما ينقصها هو النظام الذي يجعل العلم قوة دولة.
