حين يكتشف الحريق الإيراني أن في فرنسا دخانا

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

إيران، التي لم يبق لها في البيت إلا أن تنصح الجيران بإطفاء شمعة يا لها من لحظة تاريخية تستحق أن تُحفظ في متحف المفارقات الدولية: إيران، بكل ثقلها الجيوسياسي، وبكل ملفاتها المفتوحة، وبكل حرائقها التي لم تجد بعد رجل إطفاء، وجدت الوقت الكافي كي تنظر إلى الضفة الأخرى من العالم، وتضع نظارتها على أرنبة أنفها، ثم تقول لفرنسا، بنبرة الأستاذ المتجهم: «العنف ضد المتظاهرين مقلق.» يا للعظمة! الحريق، فجأة، اكتشف أن بيت الجيران ساخن. الذي يمشي فوق الجمر منذ سنوات قرر أن يشرح للآخرين خطورة حرارة الأرض. والذي يعيش في منزل تتدلى من سقفه أسئلة العنف والاحتجاج والقمع، فتح النافذة على باريس وقال: «يا جماعة، خففوا قليلا من استعمال القوة.» لا أعرف أيّهما أكثر غرابة: التصريح الإيراني، أم قدرة السياسة الدولية على إنتاج هذه الكوميديا السوداء في وضح النهار.

إيران ترتدي قبعة الشرطي الفرنسي

بحسب التصريح المنقول عن الخارجية الإيرانية، فإن استخدام «عنف غير متناسب» ضد المتظاهرين الفرنسيين أمر «غير مبرر». حسنا. فلنضع الجملة قليلا تحت المجهر. ليس لأننا نريد الدفاع عن أي تجاوز فرنسي؛ فإذا أخطأت الشرطة الفرنسية، فالمساءلة حق، والقانون فوق الجميع، والاحتجاج السلمي ليس جريمة في دولة ديمقراطية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن فرنسا وحدها. السؤال هو: من الذي يتكلم؟ وهذه ليست مسألة صغيرة. ففي العلاقات الدولية، أحيانا لا تكفي صحة الجملة. ينبغي أيضا أن ننظر إلى فم من خرجت منه. لو أن طبيبا حذّرنا من الحمى، استمعنا إليه. أما لو جاءنا رجل مشتعل من الرأس إلى القدم، يحمل في جيبه ميزان حرارة محترقا، ثم قال لنا: «أنتم ترتفع حرارتكم»، فقد نضطر أولا إلى سؤاله: «وأنت، يا أخي، كيف حالك؟»

المثل المغربي يعرف هذه الحكاية منذ زمن

في تراثنا الشعبي المغربي، ثمة ذلك الحس الفطري الساخر الذي لا يحتاج إلى وزارة خارجية كي يفهم المفارقة. نقول: «اللي فيه الفز كيقفز.» أي إن من يحمل شيئا في نفسه سرعان ما يفضحه اضطرابه. وهناك أيضا: «اللي دارها بيديه، يفكها بسنيه.» والمعنى، في سياق السياسة الدولية، بالغ القسوة: من صنع مشكلته، فليتحمل مشقة حلها. لكن الأشد ملاءمة للمشهد كله هو ذلك المعنى الشعبي الذي يختصره المغاربة بعبارات مختلفة: لا تكن مشغولا بعيوب الناس بينما بيتك يحتاج إلى مكنسة. وفي العربية القديمة شيء قريب من هذا المعنى في المثل: «رمتني بدائها وانسلت.» يا له من مثل يصلح لأن يكون شعارا مصغرا لبعض الخطابات السياسية في العالم! فالمرء قد يقضي عمره في بناء جدار من الأسئلة، ثم يخرج من نافذته ليحاكم جدار جاره.

إيران تغرق حتى الأنف… ثم تبحث عن عوامة فرنسية

المشهد يكاد يكون سرياليا.تخيّل رجلا واقفا في وسط بحر، والماء بلغ ذقنه، وهو يلوّح بيده لقارب بعيد: «انتبهوا! يبدو أن عندكم بركة ماء في القارب!» ثم يضيف، بجدية دبلوماسية: «إنني أدين بشدة عدم التناسب في استخدام الماء.» هذه هي النكتة السوداء في أصلها. ليست القضية أن فرنسا معصومة من الخطأ. ليست كذلك. الديمقراطية لا تعني أن الشرطة ملائكة، ولا أن المتظاهرين ملائكة، ولا أن الدولة فوق النقد. الديمقراطية تعني أن هناك مؤسسات، وقضاءً، وصحافة، ومجتمعًا مدنيًا، وآليات مساءلة تسمح بطرح السؤال: ماذا فعلت الشرطة؟ لكن السؤال الآخر مشروع أيضا: من يملك أهلية الوعظ في هذه المسألة؟

«اللي ما عندو ما يدير، كيتسلّى فعيالات الناس»

في الدارجة المغربية مثل ساخر شديد القسوة في وصف الشخص الذي يترك شؤونه جانبا وينشغل بشؤون الآخرين. ولنقلها هنا، بقدر من الأدب الدبلوماسي: هناك من يملك من مشاكله ما يكفيه لثلاثة أعمار، ومع ذلك يجد في جدول أعماله خانة فارغة مخصصة لمشاكل الآخرين. وهذه ليست ظاهرة إيرانية وحدها. السياسة الدولية كلها مصابة بهذا المرض. الدول لا تنظر دائما إلى المرآة. أحيانا تفضل النظر إلى منظار الآخرين. لأن المرآة محرجة. أما المنظار، فيمنحك شعورا جميلا بأنك فوق سطح العالم.

لكن المفارقة لا ينبغي أن تعمينا عن فرنسا

هنا يجب أن نكون عادلين. السخرية من التدخل الإيراني لا تعني منح الشرطة الفرنسية شيكا على بياض. إذا كانت هناك تجاوزات ضد متظاهرين، فالمطلوب التحقيق فيها. وإذا استخدمت قوة غير متناسبة، فالقانون يجب أن يقول كلمته. وإذا كان هناك اعتداء على الشرطة أو الممتلكات، فيجب أيضًا أن يخضع للقانون. هذه هي الفكرة التي تفصل الدولة الديمقراطية عن منطق العصابة: لا أحد يملك احتكار البراءة. الشرطة تحاسب. المتظاهر يُحاسَب إذا خالف القانون. الوزير يحاسب. والحكومة تحاسب. والصحافة تسأل الجميع. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول دولة أخرى إلى واعظ أخلاقي، وهي تدخل قاعة الدرس بملابس ممزقة وتبدأ بإلقاء محاضرة عن حسن الهندام.

السياسة الخارجية: فنّ اختيار المرآة

الدول لا تتدخل في العالم لأنها تحب العالم. هذه إحدى أكثر الأكاذيب أناقة في الخطاب السياسي. الدول تتحرك لأنها ترى مصالح. تبحث عن نفوذ. ترسل إشارات. تختبر حدود الخصم. وتستثمر في الصورة. حين تتحدث إيران عن فرنسا، فهي لا تتحدث بالضرورة عن فرنسا وحدها. إنها تتحدث إلى جمهور آخر: إلى الأوروبيين. إلى خصومها. إلى حلفائها. إلى جمهورها الداخلي. وإلى العالم الذي تريد أن تقول له: «نحن أيضا لدينا موقف من حقوق الإنسان.» وهنا تصبح المسألة أكثر طرافة. لأن السياسة الدولية لا تحتاج دائما إلى أن تكون مقنعة. يكفي أحيانا أن تكون قابلة للتسويق.

المشكلة ليست أن إيران تحدثت

ولنكن دقيقين. من حق أي دولة أن تنتقد ما تراه انتهاكا لحقوق الإنسان. ومن حق إيران، من حيث المبدأ، أن تتحدث عن أحداث في فرنسا. لكن الحق القانوني في الكلام لا يمنح تلقائيا المصداقية الأخلاقية. وهنا بيت القصيد. قد تقول الحقيقة، لكن الناس يسألون: لماذا أنت؟ وقد يكون كلامك صحيحا، لكن تاريخك يجعل المستمع يرفع حاجبه. وهذا يحدث في السياسة كما يحدث في الحياة. إذا جاءك شخص لم يغسل يديه منذ أسبوع ليعطيك درسًا في النظافة، فأنت لا تحتاج إلى إنكار أهمية النظافة. أنت فقط تريد أن تعرف: هل جاء معه صابون؟

«لا تنه عن خلق وتأتي مثله»

هنا يحضر بيت المتنبي القديم، أو بالأحرى المعنى العربي القديم الذي لا يزال صالحا لكل عصر: «لا تنه عن خُلق وتأتي مثلَهُ…
عار عليك إذا فعلتَ عظيمُ»
وهذه ليست دعوة إلى إسكات إيران. بل هي تذكير بسيط بأن الخطاب الأخلاقي يحمل معه سيرة المتكلم. فحين تتحدث دولة عن العنف، فإن السامع يتذكر سجلها. وحين تتحدث عن الحريات، يتذكر الناس الحريات في الداخل. وحين تتحدث عن المتظاهرين، يتساءل الناس كيف تعاملت هي مع متظاهريها. إن الذاكرة السياسية لا تحترم البلاغة. إنها تضعها على الطاولة وتقول: «جميل. والآن، ماذا فعلتم أنتم؟»

العالم أصبح قرية… لكن الجيران يحملون مناشير

المفارقة الأعمق أن العالم اليوم لم يعد يسمح للدول بأن تغلق أبوابها تماما.ة كل شيء يصل. فيديو واحد يستطيع أن يعبر الحدود أسرع من سفير. وصورة هاتفية تستطيع أن تفعل في الرأي العام ما لا تستطيع عشرون وزارة خارجية أن تفعله. ولهذا أصبحت الدول تعيش أمام مرآة عالمية هائلة. لكن المفارقة أن المرآة لا تعكس وجها واحدا. إنها تعكس الجميع. فرنسا تنظر إلى إيران. وإيران تنظر إلى فرنسا. وأوروبا تنظر إلى الإثنين. والصحافة تنظر إلى الجميع. والمواطن يجلس في النهاية أمام هاتفه ويقول: «طيب… ومن سيحاسب من؟»

النكتة السوداء الأخيرة

لعل أجمل ما في هذا المشهد أن الجميع يتحدث عن «العنف». إيران تقول: لا للعنف. فرنسا تقول: نحن نحافظ على النظام. المتظاهرون يقولون: نحن نحتج. الشرطة تقول: نحن نطبق القانون. والصحافة تحاول أن تعرف من ضرب من. وفي مكان ما، بعيدا عن كل هذه التصريحات، يجلس المواطن العادي ويتساءل: هل بقي في العالم بلد يستطيع أن ينتقد بلدًا آخر دون أن يضطر الصحفي إلى فتح أرشيف البلدين؟ ربما لا. لقد أصبح العالم مثل قرية مغربية كبيرة، لكن كل بيت فيها يملك مكبّر صوت، وكل سطح فيه كاميرا، وكل جار لديه ملف عن جاره. والأغرب أن الجميع يصرخ: «افتحوا النوافذ! نريد الشفافية!» ثم يغلق نافذته عندما تقترب الكاميرا من بيته.

ليس المطلوب أن نصمت حين تخطئ فرنسا. وليس المطلوب أن نصمت حين تخطئ إيران. وليس المطلوب أن نختار شرطيا مفضلا بين دول العالم. المطلوب فقط أن نحتفظ بفضيلة نادرة في زمن السياسة الصاخبة: أن نكون قادرين على رؤية العنف أينما وقع. لكن حين يأتيك غارق حتى أنفه ليخبرك أن قدميك مبتلتان، فمن حقك – قبل أن تدخل معه في نقاش طويل عن البلل- أن تشير إلى الماء الذي يصعد حول رقبته. وحين يأتي الحريق ليحاضرنا في أخلاق إطفاء الحرائق، فمن حقنا أن نسأله: «يا سيدي، قبل أن تشرح لنا كيف نطفئ شمعتنا… هلّا أخبرتنا كيف ستطفئ نفسك؟» تلك ليست ليست كراهية لشعب. إنها ببساطة سخرية من المفارقة السياسية. أما الشعبان، الإيراني والفرنسي فشيء آخر تماما. الشعوب أكبر من حكوماتها. والإيراني الذي يريد الحرية ليس هو النظام الإيراني. والفرنسي الذي يتظاهر ليس هو الدولة الفرنسية. والشرطة الفرنسية ليست فرنسا كلها. والحكومة الإيرانية ليست إيران كلها. وربما آن الأوان، في هذا العالم الذي صار فيه الجميع واعظا، أن نتذكر حكمة مغربية تصلح خاتمة لكل هذه المسرحية: « الجمل يشوف حذبتو قبل ما يشوف حبة الناس.» فقد يكون رأسك أنت أيضًا بحاجة إلى قليل من الترتيب. لا إلى مربع هذه المرة. بل إلى مرآة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *