صندوق أسرار الجزائر المغلق

بوعلام بوعلام… الرجل الذي عاش في ظل الرئاسة ومات بعيدا عن الأضواء

بقلم د. عبد الرحمن مكاوي -باريس

في الجزائر، لا تحتاج السلطة دائما إلى أن تتكلم كي تقول الكثير. أحيانا يكون الصمت أكثر بلاغة من البيانات، ويصبح الغياب نفسه خبرا سياسيا. هكذا كان بوعلام بوعلام، أحد أكثر رجال دائرة الرئيس عبد المجيد تبون غموضا، قبل أن يتحول اختفاؤه من المشهد العام إلى لغز، ثم إلى شائعة، ثم أخيرا إلى خبر رسمي: لقد مات. في مساء الخامس من أكتوبر 2026، أعلنت رئاسة الجمهورية الجزائرية وفاة مدير ديوان الرئاسة بوعلام بوعلام في مستشفى بمدينة جنيف السويسرية، بعد إصابته بمرض عضال. وأكدت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية الخبر في اليوم نفسه، لتنهي بذلك أشهر من التكهنات حول مصير الرجل الذي ظل، طوال سنوات، بعيدا عن الأضواء وقريبا جدا من مركز القرار. فالمسألة لم تعد: هل مات بوعلام بوعلام؟ المسألة أصبحت: ماذا كان يعرف الرجل الذي رحل؟ وماذا يعني غيابه بالنسبة إلى توازنات قصر المرادية؟

رجل الدولة الذي لم يحب الأضواء

لم يكن بوعلام بوعلام من رجال السياسة الذين يصنعون حضورهم عبر المنابر والخطب والمقابلات. كان، على العكس، ابن المدرسة الصامتة للسلطة الجزائرية: القانون، المؤسسات، الملفات الحساسة، والممرات الداخلية التي لا تراها الكاميرات. في 12 أكتوبر 2023، عين مستشارا لدى رئيس الجمهورية مكلفا بالشؤون القانونية والقضائية والعلاقات مع المؤسسات والتحقيقات والتأهيلات. وبعد أقل من شهر، في 11 نوفمبر، عين مدير ديوان رئاسة الجمهورية بالنيابة، خلفا لنذير العرباوي الذي انتقل إلى رئاسة الحكومة. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح اسم بوعلام بوعلام ملازما للدائرة الأقرب إلى الرئيس. أما القول إنه كان «الرئيس الحقيقي للمرادية»، فهو توصيف سياسي شاع في بعض القراءات والمصادر، وليس لقبا رسميا. لكنه يكشف شيئا مهما: حجم النفوذ الذي نسب إلى الرجل داخل النظام الرئاسي. ففي الأنظمة التي تعمل بقوة من خلال دوائر الثقة، لا تقاس أهمية المسؤول بعدد تصريحاته، بل بعدد الملفات التي تمر عبر مكتبه، وبقدرته على الوصول إلى صاحب القرار. وكان بوعلام، بهذا المعنى، رجل الملفات أكثر منه رجل الواجهة.

آخر ظهور سياسي كبير

المفارقة أن الرجل الذي أصبح بعد ذلك محور شائعات الغياب كان حاضرا، في يناير 2026، في واحد من أكثر الملفات السياسية حساسية. في 24 يناير، ترأس بوعلام بوعلام، بتكليف من الرئيس تبون، ندوة بقصر الأمم خصصت لمناقشة مشروع التعديل التقني للدستور والقانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، بحضور الوزير الأول سيفي غريب وعدد من الوزراء ورؤساء الأحزاب. ولم تكن المقترحات هامشية تماما. فقد تضمنت، من بين أمور أخرى، اقتراح إدراج شرط يتعلق بالمستوى التعليمي للمترشح لرئاسة الجمهورية، وتنظيم بعض إجراءات أداء اليمين الدستورية، وإمكانية الدعوة إلى انتخابات محلية مسبقة، فضلا عن تعديلات تمس علاقة رئيس الجمهورية بالمجلس الأعلى للقضاء. بهذا المعنى، لم يكن بوعلام يومها مجرد موظف رئاسي يقرأ نصا معدا سلفا أمام الحاضرين؛ كان وجها رسميا لمسار مؤسساتي يمس بنية الحكم نفسها. ثم بدأ الصمت.

من الغياب إلى الأسطورة

مع حلول ربيع 2026، أصبح غياب بوعلام ملحوظا. ومع غياب المعلومات الرسمية، ملأت شبكات التواصل الاجتماعي الفراغ. مرض خطير. علاج سري في الخارج. إقالة. صراع أجنحة. خلاف بين الرئاسة ودوائر الجيش. ثم بدأت العبارات الأكبر حجما بالظهور: «الرجل الثاني في الجزائر»، «صندوق أسرار تبون»، «الرئيس الحقيقي للمرادية». في بيئة سياسية مغلقة، يصبح نقص المعلومة مصنعا طبيعيا للشائعات. وقد ظهرت بالفعل خلال صيف وخريف 2026 مواد إعلامية وفيديوهات تربط اختفاء بوعلام بوعلام بعودة إبراهيم مراد إلى الواجهة وبغيابات لمسؤولين آخرين، لكن هذه المواد لا تكفي، في حد ذاتها، لإثبات وجود صراع مؤسسي أو إقالة سرية. وهنا ينبغي أن يتوقف الصحفي عند الحد الفاصل بين المعلومة والتحليل. لا توجد، قبل إعلان الوفاة، وثيقة رسمية تثبت أن بوعلام أقيل. ولا توجد وثيقة رسمية تثبت أنه دخل في صراع مع قائد أركان الجيش. ولا يوجد دليل منشور يثبت أن غيابه كان نتيجة عملية سياسية لإبعاده عن الرئيس. لكن هناك حقيقة أكثر أهمية الآن: الرجل كان مريضا ويتلقى العلاج في جنيف، ثم توفي هناك.

جنيف تغير الرواية كلها

بيان الرئاسة الصادر في الخامس من أكتوبر وضع حدا للرواية التي كانت تفسر الغياب باعتباره «موتا سياسيا». بوعلام بوعلام لم يكن في قبو سياسي. كان في المستشفى. وكان يتلقى العلاج. ثم مات. وكالة الأنباء الجزائرية قالت إن الوفاة وقعت في مستشفى بجنيف إثر مرض عضال، بينما أكدت وسائل إعلام جزائرية وفرنكوفونية أن الرئاسة أعلنت الوفاة رسميا في الخامس من أكتوبر. وهذا التصحيح ليس تفصيلا صغيرا. إنه يقلب القصة رأسا على عقب. فإذا كان غيابه في الأشهر السابقة قد بدا لكثيرين وكأنه عملية إبعاد من مركز القرار، فإن إعلان الوفاة يفرض قراءة أخرى: مرض طويل تم التكتم على تفاصيله، في نظام سياسي لا يميل إلى كشف الحالة الصحية الدقيقة لرجاله الأقوياء قبل الأوان.

لماذا كان بوعلام مهما؟

لأن أهمية الرجل لا تكمن فقط في منصبه. مدير الديوان ليس رئيس حكومة، ولا وزير دفاع، ولا قائد جيش. لكنه يعمل عند نقطة التقاء السياسة بالرئاسة والإدارة والملفات القانونية والمؤسساتية. وفي حالة بوعلام تحديدا، كان مساره السابق في المجال القضائي والقانوني، ثم انتقاله إلى مركز القرار الرئاسي، يمنحه موقعا مختلفا عن موقع السياسي التقليدي. وتشير المصادر إلى أنه كان مستشارا لدى رئيس الجمهورية قبل توليه إدارة الديوان، كما كان سيناتورا بين 2007 و2012. كان يعرف لغة المؤسسات. وكان قريبا من الرئيس. وكان حاضرا في ملفات تمس العلاقة بين الرئاسة والحكومة والقضاء والبرلمان والانتخابات. ولهذا فإن وصفه بأنه «صندوق أسرار» مفهوم سياسيا، حتى لو ظل استعارة لا يمكن إثباتها حرفيا. فكل مركز قوة في الأنظمة الرئاسية يحتاج إلى رجال يحفظون الذاكرة الداخلية للقرار: من قال ماذا؟ لماذا اتخذ القرار؟ من عارضه؟ من مرره؟ وما الذي لم يكتب في المحاضر؟ وهذه هي السلطة التي لا تظهر في الجريدة الرسمية.

الموت لا يغلق الملف… بل يفتحه

المفارقة الكبرى أن وفاة بوعلام قد تجعل الأسئلة حول دوره أكثر حضورا، لا أقل. فالرجال الذين يعملون في الظل يرحلون عادة من دون أن يتركوا وراءهم أرشيفا سياسيا عاما يشرح نفوذهم. وتبقى صورتهم موزعة بين القرارات الرسمية، والشهادات المتأخرة، والتسريبات، وذاكرة من عملوا معهم. لذلك فإن السؤال الجزائري بعد الخامس من أكتوبر ليس فقط من سيخلف بوعلام بوعلام. السؤال الأعمق هو: من سيرث موقعه؟ ومن سيرث الملفات التي كانت تمر عبر مكتبه؟ ومن سيصبح قناة الاتصال الجديدة بين الرئيس ومحيطه الإداري والقانوني والسياسي؟ وهل ستظل الرئاسة محافظة على الصيغة نفسها التي جعلت مدير الديوان مركز ثقل داخلها، أم أن الوفاة ستعيد توزيع الأدوار؟ هذه الأسئلة أكثر أهمية من كل الروايات التي ملأت شبكات التواصل الاجتماعي خلال الأشهر الماضية.

«الخلافة» هي القصة القادمة

في السياسة، موت رجل قريب من رأس الدولة لا يخلق فراغا إداريا فقط؛ بل يخلق سباقا على الفراغ. والجزائر ليست استثناء. كل اسم سيظهر لتولي المنصب سيكون رسالة سياسية، حتى لو قدم التعيين على أنه إجراء إداري محض. فإذا جاء البديل من الدائرة القانونية، فقد يكون ذلك إشارة إلى استمرار خط بوعلام. وإذا جاء من دائرة الاتصال، فقد يعني إعادة بناء وظيفة الديوان حول إدارة صورة الرئيس. وإذا جاء من الإدارة أو الداخلية، فقد تكون الرسالة مختلفة تماما: إعادة الديوان إلى دوره الإداري التقليدي، بدل بقائه مركزا واسع النفوذ داخل الرئاسة. ومن هنا، فإن خليفة بوعلام سيكون أهم من مجرد «مدير ديوان جديد». سيكون أول اختبار حقيقي لما بعد بوعلام.

الرجل الذي انتهى غيابه بالموت

لقد أخطأت الشائعة حين جعلت من غياب بوعلام بوعلام دليلا على إقالته. لكنها لم تكن مخطئة تماما في الإحساس بأن الرجل كان يعيش خلف ستار كثيف من السرية. لقد كان قريبا من مركز القرار، قليل الكلام، حاضرا في الملفات الحساسة، وظهر في محطة سياسية مهمة تتصل بتعديل الدستور وقانون الانتخابات. ثم غاب. وبقيت المرادية صامتة. حتى جاء الخامس من أكتوبر. عندها فقط خرج الرجل من منطقة الظلال نهائيا: ليس ببيان إقالة، ولا بقرار عزل، ولا بتغيير في موازين الأجنحة، بل ببيان نعي صادر عن رئاسة الجمهورية. وهكذا انتهت واحدة من أكثر قصص الغموض السياسي إثارة في الجزائر خلال عام 2026. لكن موت بوعلام بوعلام لا يقدم بالضرورة نهاية للقصة. بل ربما يكون هو بداية فصلها الأصعب. لأن الرجل الذي حمل، طوال سنوات، جزءا من الذاكرة الداخلية للمرادية رحل معه شيء من تلك الذاكرة. والآن ستبدأ المعركة الحقيقية: من يفتح الصندوق الذي تركه وراءه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *