لا تجعلوا الحكومة مائدة للعائلة

أب في السلطة، وأبناء على العتبة… ومن يترك للشعب مقعدا؟

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير

«Tel père, telle fille»… هكذا يمكن أن يختصر المرء، بسخرية مرة، مشهدا سياسيا يخشى الناس أن يتحول فيه الوطن من فضاء للكفاءة والاستحقاق إلى مائدة عائلية، يجلس حولها الأقارب والأصهار والأبناء، فيما يقف الشعب خارج القاعة يحمل سيره الذاتية، وينتظر أن يتذكره أحد. ليست المشكلة أن يكون الوزير ابن وزير، أو ابنة مسؤول، أو زوجة سياسي، أو شقيق شخصية نافذة. الدم ليس جريمة، كما أن القرابة ليست تهمة. الجريمة السياسية تبدأ في اللحظة التي يصبح فيها الدم جواز سفر، ويصبح اسم العائلة أقصر طريق إلى الكرسي. من يستحق المنصب فليأت. من يملك الكفاءة فليتقدم. من يملك التجربة والنزاهة والقدرة على حمل الأمانة، فليفتح له الباب، ولو كان ابن رئيس، أو ابنة وزير. لكن بشرط واحد، لا ثاني له: أن يكون قد وصل إلى الباب بقدميه، لا على أكتاف نسبه.

أما أن تتحول الحكومة إلى دفتر عائلة، وأن يصبح التعيين السياسي أشبه بتقسيم تركة بين أفراد البيت الواحد، فهنا لا تعود المسألة اختيارا حكوميا؛ بل تصبح إهانة لفكرة الدولة نفسها. والأشد إيلاما أن تنتشر، مع الوقت، رائحة التوريث في كل زاوية: زوجات هنا، وأبناء هناك، وأقارب في مواقع النفوذ، وأسماء تدور حول السلطة كما تدور الذبابات حول طبق مكشوف في صيف قائظ. السياسة ليست صالونا عائليا. والدولة ليست ألبوم صور للعائلةفي المسؤولية السياسية. لقد سئم الناس من أن يروا السلطة وهي تنظر إلى المجتمع من ثقب صغير، فلا ترى إلا الدائرة القريبة منها. سئموا من أن يكون الوطن واسعا في الجغرافيا، ضيقا في الفرص؛ واسعا في عدد أبنائه، ضيقا في الأبواب التي تفتح أمامهم.

لسنا في عصر السلالات

نحن لسنا في زمن كانت فيه البلاد تنتقل من يد إلى يد كما تنتقل مفاتيح بيت قديم. والأغرب أن التاريخ نفسه يقدم لنا دروسا في النزاهة السياسية أكثر صرامة مما تفعله بعض حكوماتنا الحديثة. حين طلب من عمر بن الخطاب أن يستخلف بعده، لم يجعل القرابة معيارا. بل جعل الأمر شورى بين ستة، وأبعد ابنه عبد الله عن حق التولي، مكتفيا بأن يكون حاضرا للمشورة والنصح، لا مرشحا للوراثة السياسية. وفي رواية تاريخية بليغة المعنى، عبر عمر عن خشيته من أن يجعل الأمر في أحد من أهل بيته. تأمل, قارئي العزيز, المفارقة: رجل كان في قلب واحدة من أعظم التجارب السياسية في التاريخ الإسلامي، وكانت له سلطة لا يملكها كثير منمسؤولي اليوم، ومع ذلك كان يخشى أن تتحول السلطة إلى ميراث عائلي. أما نحن، في القرن الحادي والعشرين، وبعد كل ما عرفته البشرية من دساتير ومؤسسات ومواطنة وفصل بين الشخص والمنصب، فما زلنا نخشى أن يعود إلينا شبح «البيت السياسي» من النافذة بعد أن طردناه من الباب.

إن صح الخبر… فالمصيبة أكبر من التعيين

تتداول الأوساط حديثا عن أن توزير ابنة رئيس حزب كان شرطا أو جزءا من صفقة تشكيل سياسي. وهنا ينبغي أن نتوقف دقيقين: هذا الكلام، ما لم تؤكده وثيقة أو جهة موثوقة، يبقى ادعاء لا يجوز تحويله إلى حقيقة. لكن حتى الإشاعة السياسية تكشف أحيانا عن شيء أخطر من مضمونها: تكشف مقدار الخوف الذي أصبح يسكن المواطن من أن تكون المناصب قد تحولت إلى حصص، وأن الدولة لم تعد تختار رجالها ونساءها على أساس الجدارة، بل على أساس القرب. فإذا كان الكلام باطلا، فليدفن بالدليل. وإذا كان صحيحا، فهنا لا نتحدث عن مجرد تعيين وزيرة أو مسؤولة، بل عن زلزال أخلاقي يضرب معن الحكومة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في السياسة ليس أن يفشل وزير؛ فالوزير يمكن تغييره. الأخطر أن يصبح المعيار نفسه فاسدا. حينها تستطيع أن تغير عشرين وزيرا، وستبقى العلة جالسة في غرفة التعيينات، تضحك.

لا نريد أبناء السلطة… ولا نريد ظلم أبناء السلطة

ولنكن أكثر إنصافا: لا نريد أن نعاقب ابن المسؤول لأنه ابن المسؤول. ولا نريد أن نطرد ابنة السياسي من الحياة العامة لأنها ولدت في العائلة الخطأ. هذا أيضا ظلم. ما نريده هو أن تصبح الدولة عمياء أمام الأنساب، مفتوحة أمام الكفاءات. أن تقول للإبن: أثبت أنك أفضل، ثم تقدم. وأن تقول للإبنة: كوني ابنة من شئت، لكن المنصب لن يعرف اسم أبيك؛ سيعرف سيرتك وقدرتك. هنا فقط يصبح التعيين محترما. أما أن يكون اسم الأب هو السلم، واسم العائلة هو المصعد، والصداقة هي المفتاح، والقرابة هي ختم المرور، فذلك ليس بناء للدولة؛ بل إعادة إنتاج للعائلة داخل الدولة.

الحكومة الجديدة: تغيير أم إعادة تدوير؟

السؤال الذي ينتظر الشعب الإجابة عنه ليس: من سيجلس على هذا الكرسي؟ بل: بأي معيار وصل إليه؟ هل نحن أمام حكومة تغيير حقيقية؟ أم أمام حكومة تعيد ترتيب المقاعد ذاتها، وتبدل الستائر، وتلمع الطاولة، ثم تقدم لنا المشهد القديم في ثوب جديد؟ الشعب لا يريد وجوها جديدة فقط. يريد عقلا جديدا. يريد أن يشعر بأن عهد «نعرف فلانا، وفلان يعرف فلانا» قد انتهى. يريد أن تصبح الدولة دولة المواطن الذي لا يملك هاتف مسؤول، ولا قريبا في الحزب، ولا عما في الوزارة. ذلك المواطن الذي لا يملك إلا شهادته، وتعبه، وسيرته، وحقه في أن يعامل مثل ابن السلطة تماما.

يا رئيسة الحكومة، السكين في يدك

في استعارة سياسية قاسية، يمكن القول إن السكين اليوم في يد رئيسة الحكومة: إما أن تستخدمها لقطع حبل المحاباة، أو لقطع كعكة الدولة إلى شرائح عائلية وحزبية. والتاريخ لا يرحم. لأن المناصب تنتهي، والحكومات تتغير، والوزراء يغادرون مكاتبهم، لكن آثار المحاباة تبقى في ذاكرة الناس مثل ندبة على وجه الحكومة. نحن لا نطلب المستحيل. نطلب شيئا بسيطا إلى حد الخجل من المطالبة به: ضعوا الأكفأ، لا الأقرب. ضعوا صاحب السيرة، لا صاحب القرابة. ضعوا من يستطيع حمل الوزارة، لا من يستطيع حمل الهاتف إلى من يملك قرار التعيين. ضعوا من يعرف كيف يخدم الدولة، لا من يعرف كيف يصل إلى بابها. فإن كانت ابنة المسؤول أكفأ من الجميع، فمرحبا بها. وإن كان ابن المسؤول أصلح من الجميع، فليتقدم. لكن ليأت الإثنان من الباب نفسه الذي يأتي منه ابن الفلاح، وابنة المعلم، وابن العامل، وابنة الموظف البسيط. باب الاستحقاق. ذلك الباب وحده. أما إذا تحولت الدولة إلى تركة، والسياسة إلى إرث، والوزارة إلى قطعة من أملاك العائلة، فسنكون قد ارتكبنا الخطيئة ذاتها التي قامت الديمقراطيات الحديثة أصلا لمحاربتها: أن يصبح الحكم امتدادا للبيت بدل أن يكون أمانة في يد الدولة.

عار أن تورث السياسة

السياسة ليست مزرعة. وليست دكانا يسلم الأب مفاتيحه لابنه .. السياسة مسؤولية عامة، والوزارة عقد أخلاقي مع ملايين المواطنين، لا مكافأة عائلية ولا «هدية آخر السنة» لأبناء المحظوظين. وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة، فهي هذه: لا نريد حكومة أبناء. ولا حكومة زوجات. ولا حكومة أصهار. ولا حكومة أصدقاء. نريد حكومة كفاءات. حكومة لا تسأل: «من أبوك وابن عمك؟» بل تسأل: «ماذا تستطيع أن تفعل؟» نريد دولة لا يكون فيها المواطن مضطرا إلى النظر إلى شجرة العائلة حتى يعرف من سيصل إلى الوزارة. ونريد حكومة تغيير، لا حكومة استمرارية لمهزلة قديمة بأسماء جديدة. فإذا كانت الكفاءة هي المعيار، فمرحبا بكل ابن وكل ابنة وكل زوجة وكل قريب، دون استثناء. أما إذا كانت القرابة هي المعيار، فليكن واضحا أن الأمر لم يعد سياسة. إنه توريث. والتوريث، مهما ارتدى من ربطة عنق، ومهما وقف خلفه خطاب سياسي، ومهما تزين بشعارات الدولة، يبقى توريثا. وما أقسى أن تدخل حكومات القرن الحادي والعشرين وهي تحمل في يدها دستورا، وفي اليد الأخرى شجرة عائلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *