بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير
في صبيحة يوم سبت، كانت قطرات الماء تتساقط من جرن المعمودية في كنيسة نوتردام دو لاك في بلدة لوتور، لتستقرّ على جبين طفل يعمَّد. وفي اللحظة ذاتها، كان ثمّة “عماد” آخر يجري تحت الألواح الخشبية: أحياء يهوون إلى مملكة الأموات، يخترقون الأرض المضيئة إلى فضاء محكم بالكلس والرفات منذ قرون. ثلاثة أشخاص سقطوا من ارتفاع يقارب المتر، وأصيب أحدهم بوجع في الرسغ. ظنّ رجال الإطفاء في البداية أنّ السقف ينهار. لكن السقف كان سليما. الساقطون كانوا بشرا، والمنفتح كان الأرض.
بنيت هذه الكنيسة عام 1180، وتظلّ واقفة منذ تسعة قرون على ضفّة نهر سورغ في بلدة لوتور. اسمها مأخوذ من أسطورة: ثورٌيحفر الأرض بحافره فيستخرج تمثال العذراء من البحيرة، فيبني الناس هناك كنيسة. وشعار البلدة حتى اليوم “النجم يهدي الثور”. تسعة قرون من الصلوات والأعماد والأعراس والجنازات تراكمت داخل هذه البناية الرومانية كطبقات جيولوجية ضغطها الزمن. في تنقيبات 2022، كشفت الكنيسة عن خمسة قبور داخلها، إحداها (ST 03) هي الأكثر تعقيدا في التنقيب: سبعة هياكل بشرية متراكبة، أحدثها متوضّعة فوق بعضها في طبقات كلسية ونفايات، تتحلّل في تجاويف، حتى اعترف علماء الآثار بأنّ “الفردية فيه تصبح بالغة الدقة”. أحدهم مات بين 48 و56 عاما، مصاب بالتهاب مفاصل واضح، غطّاه الكلس فحفظه شبه كامل… حفظه الكلس كما يحفظ كل شيء يدفنه.
تحت خمس عشرة بلاطة حجرية اكتشف علماء الآثار كلّ هذا. ولمواصلة العمل، فرشوا ألواحا خشبية فوق المقابر، كأنها جلد مؤقت يغطّي جرح الزمن. هذا هو الموقف الأصدق والأكثر هشاشة: الاعتراف بأنّ في الأسفل شيئا ما، مع اختيار عدم النظر إليه مؤقتا. ثم جاء العماد. وقف المؤمنون على تلك الألواح. انكسرت الألواح. سقط ثلاثة – بينهم طفل – في ذلك الفضاء المؤجَّل. في هذا البناء ما يشبه الحكاية الرمزية. سرّ العماد في التقليد المسيحي يعني “الموت مع المسيح والقيامة معه”: يغمر الإنسان في الماء، فيموت “أنا” القديم ويقوم “أنا” جديد. لكن في لوتور، في ذلك السبت، انقلب المنطق الرمزي للموت والقيامة ماديا: لم يصعد الإنسان من الماء، بل سقط من الأرض؛ ولم يكتسب حياة جديدة، بل هوى بين أموات مضى على موتهم مئات السنين. هنا يرتكب اللاهوت خطأ نحويا. ماء العماد ينفذ إلى الأسفل، لا إلى الروح، بل إلى القبر.
والسؤال الأعمق: من فوق من؟ نفرش الألواح فوق الموتى، نمشي عليها، ونظنّ أنفسنا الذات الواقفة. لكن لحظة انكسار اللوح تكشف الحقيقة: لقد كنّا معلّقين دائما فوق الفراغ، والفراغ ممتلئ بشهود صامتين. اكتشف علماء الآثار أنّ تحت أرض هذه الكنيسة ثلاث طبقات دفن على الأقل: في الأعمق كلس ومقابر فوق “طبقة أرضية طبيعية”، وفي الوسط أرضية قروسطية قديمة مكوّنة من حجارة مسطّحة، تقع على نحو 0.80 متر تحت الأرض الحالية، وفي الأعلى فقط أرضيتنا الحديثة التي نمشي عليها. نظنّ أننا نقف على الأرض، لكننا نقف على تراكم سبعة أو ثمانية قرون. اللوح الخشبي ليس سوى إشارة متأخرة إلى هذه الحقيقة.
ربما كان حدس رجال الإطفاء الأول صائبا. ظنوا أنّ السقف ينهار، وأنّ الساقط من الأعلى هو مواد البناء. لكنهم أخطأوا: ما انهار ليس الأعلى. ما انهار هو إيماننا بأنّ “الأسفل ثابت”. كتب جان بودريار أنّ القلق الجوهري في عصر “المحاكاة” هو أنّ تحت المظهر لا شيء، وأنّ الواقع لم يوجد قطّ. لكن حادثة لوتور تطرح قضية أحدّ وأكثر تحديدا: تحت المظهر ليس لا شيء، بل موتى. ليسوا فارغين، بل ممتلئون. ليسوا صامتين، بل محكمون بالكلس والحصى منذ قرون، ينتظرون كسر لوحٍ ما ليعلن وجودهم. سقوط الطفل – الثالث – أكثر تآكلا. في العماد، الطفل هو المحمول، المبارَك، المحميّ. لكن في لحظة انكسار اللوح، سقط الطفل بالطريقة ذاتها تماما التي سقط بها الكبار إلى الطبقة الأثرية. بنية الموت لا تعترف بإعفاءات العمر. الطفل سقط إلى العمق نفسه الذي سقط إليه الكبار. هذا ربما أكثر التفاصيل إقلاقا: العالم السفلي ديمقراطية مطلقة.
ثلاثة أجساد تسقط، رسغ واحد يؤلم، والباقي بلا أذى. هذه هي الرواية الرسمية: “خوف زائل”. لكن الخوف الزائل أخطر الروايات، لأنه يعيد الناس إلى الألواح، ليمشوا، ليواصلوا التظاهر بأنّ في الأسفل لا شيء. المغامرة الحقيقية ليست السقوط نفسه، بل رفض التفكير – بعد السقوط – في أي بنية تقع تحت الألواح. ماء العماد سيجفّ، وجع الرسغ سيزول، وستفرش ألواح جديدة. لكن الألواح تظلّ ألواحا. إنها تنتظر توزيعا آخر للثقل، صباح سبت آخر، حفلا آخر فوق القبور يحتفل بالحياة الجديدة. في كنيسة نوتردام دو لاك، يحفر الثور الأسطوري الأرض بحافره ليستخرج العذراء من البحيرة. ربما لم يكن يستخرج تمثالا فقط. كان يحفر عن حقيقة: ثمّة أشياء تظلّ مخبّأة تحت الأرض، تنتظر أن تُخترَق بالخطأ.
