القات: العملة الخضراء في اقتصاد الحرب الحوثية

حين تصبح ورقة خضراء جزءا من منظومة الولاء، لا يعود القات عادة اجتماعية فحسب؛ بل يتحول إلى لغة خفية من لغات الحرب.

بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس
مقال رأي حصري

في اليمن، قد لا يكون القات سلاحا بالمعنى التقليدي، لكنه يكشف كيف تستطيع سلعة محلية أن تتقاطع مع القبيلة والسوق والتعبئة والسلطة، فتغدو جزءا من البنية التحتية لحرب طويلة.

في الحروب الحديثة، اعتدنا أن نبحث عن مركز الثقل في مخازن الصواريخ، ومراكز القيادة، وشبكات التمويل، وممرات السلاح. لكن الحروب غير النظامية أكثر دهاء من ذلك. فهي لا تعيش في الثكنات وحدها، ولا تمول نفسها بالنقد وحده، ولا تختبئ دائما خلف منشآت يمكن رصدها من الجو. أحيانا تختبئ الحرب في الحياة اليومية. وفي اليمن، تقود هذه الحقيقة إلى سلعة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن الجغرافيا العسكرية: القات. القات ليس مجرد نبات منبه، ولا يمكن اختزاله في مفهوم “المخدر” كما يستخدم في الخطاب الغربي. إنه مؤسسة اجتماعية واقتصادية عميقة الجذور في اليمن، ارتبط بالمجالس والقبائل والتجارة وشبكات العلاقات والنفوذ. لكن حين تدخل الحرب إلى مجتمع كهذا، تصبح السلع الاجتماعية جزءا من اقتصاد الحرب، وتصبح العادة قناة محتملة للنفوذ، ويصبح السوق امتدادا للجبهة. وهنا تحديدا تكمن أهمية القات في فهم الحرب الحوثية. ليس لأنه يفسر الحرب كلها، بل لأنه يكشف كيف تعمل بعض أجزائها في الظل.

عندما يصبح الراتب سلعة

في الدولة الحديثة، الراتب يمر عادة عبر مؤسسة مالية يمكن تتبعها ومراقبتها. أما في اقتصاد الحرب، فقد يكون الراتب سلعة. قد يكون غذاء. قد يكون وقودا. قد يكون حماية. وقد يكون امتيازا محليا. من هنا يمكن فهم القيمة المحتملة للقات داخل بيئة التعبئة الحوثية. فالقات محصول محلي واسع الانتشار، وله سوق قائمة وشبكات توزيع اجتماعية واقتصادية سابقة على الحرب. وهذا يجعله مختلفا عن الموارد التي تحتاج إلى استيراد أو تحويلات مالية أو قنوات مصرفية معقدة. لا يعني ذلك أن كل مقاتل حوثي يتلقى أجره في صورة قات. مثل هذا التعميم يحتاج إلى إثبات ميداني مستقل. لكن وجود اقتصاد محلي واسع للقات يفتح بابا مختلفا لفهم آليات المكافأة والولاء والتعبئة. وهنا تصبح المسألة أكبر من سؤال: كم يتقاضى المقاتل؟ السؤال الأهم هو: ما الذي يحتاجه المقاتل لكي يستمر؟

من المجلس إلى التعبئة

القات في اليمن ليس مجرد مادة استهلاك. إنه مساحة اجتماعية. في مجلس القات تجتمع العلاقات، وتنتقل الأخبار، وتناقش المصالح، وتبنى التحالفات، وتتحرك المكانة الاجتماعية. ولذلك فإن توظيف هذه البيئة في التعبئة السياسية أو العسكرية لا يحتاج إلى بناء مؤسسة جديدة؛ يكفي أن يعاد توجيه المؤسسة القائمة. وهذه إحدى نقاط القوة التاريخية للجماعات المسلحة حين تتجذر في مجتمع محلي. لا يبدأ التجنيد دائما من مكتب. قد يبدأ من مجلس. ولا يحتاج الولاء دائما إلى خطاب أيديولوجي طويل. قد يبدأ بوعد، أو حماية، أو مورد، أو علاقة قبلية. لهذا فإن القات يستحق أن يدرس لا باعتباره “مخدرا للمقاتلين”، بل باعتباره جزءا من البنية الاجتماعية التي يمكن أن تتحول، في زمن الحرب، إلى بنية تعبئة.

الكيمياء ليست تفسيرا للحرب

من السهل أن يقع التحليل في فخ الإثارة: القات يحتوي على مركبات منبهة، إذن هو سر قدرة المقاتلين على السهر والتحمل والقتال. هذه قراءة ناقصة. نعم، يحتوي القات على الكاثينون، وهو مركب منبه يمكن أن يؤثر في اليقظة والنوم والشهية والجهاز القلبي الوعائي. لكن تحويل هذه التأثيرات إلى قدرات عسكرية خارقة ليس استنتاجا علميا سليما. المقاتل لا ينتصر لأنه لم ينم. ينتصر، أو يصمد، بسبب مزيج من العقيدة والتنظيم والقيادة والمعرفة بالتضاريس والسلاح والإمداد والدافع السياسي. لذلك فإن القيمة الاستراتيجية للقات ليست في “تخدير” المقاتل. بل في شيء أكثر عمقا: القات يلتقي مع الحرب عند النقطة التي تتقاطع فيها السلعة مع المجتمع.

ما لا تراه الأقمار الصناعية

هذه النقطة تستحق اهتماما خاصا من صانعي القرار الغربيين. يمكن للاستخبارات التقنية أن تحدد منشأة، وتراقب قافلة، وترصد تحركا، وتتابع تغيرات ميدانية. لكنها لا ترى بسهولة شبكة الثقة. لا ترى الشيخ وهو يقنع الشاب. لا ترى مجلسا يتحول إلى مساحة تعبئة. لا ترى قيمة اجتماعية تنتقل من شخص إلى آخر. ولا ترى دائما كيف تتحول سلعة من مورد مدني إلى مورد سياسي. هذه هي المساحة التي تستطيع الجماعات غير النظامية أن تختبئ فيها بكفاءة. فالمقاتل قد لا يحتاج إلى ثكنة. قد يعيش بين المدنيين. وقد يتحرك داخل شبكته الاجتماعية. وقد يحصل على الموارد من سوق محلي. وقد تكون حياته المدنية نفسها جزءا من غطائه العسكري. إنها حرب يصعب على الأقمار الصناعية أن تراها، لأن مركز ثقلها ليس ماديا بالكامل.

صعدة وما وراء صعدة

من هنا تكتسب المناطق الزراعية المنتجة للقات أهمية تتجاوز قيمة المحصول نفسه. فالاقتصاد لا يتوقف عند المزرعة. هناك النقل. ثم السوق. ثم الوسيط. ثم الحماية. ثم شبكات النفوذ. وقد تتقاطع هذه الدوائر مع البنية السياسية والعسكرية. لكن اختزال الحرب الحوثية في طرق القات سيكون خطأ لا يقل خطورة عن تجاهلها. فليس ثمة دليل يسمح بالقول إن قطع طرق القات وحده يمكن أن يؤدي إلى تفكيك المنظومة الحوثية. اقتصاد الحرب أكثر اتساعا، وشبكات التمويل والإمداد لا تعتمد على مورد واحد. لكن المبدأ الاستراتيجي يظل قائما: من يسيطر على دورة الموارد، يملك جزءا من القدرة على تشكيل دورة الحرب. وهذه قاعدة تتجاوز اليمن

اقتصاد الحرب الذي لا يظهر في الحسابات

ربما تكمن المشكلة الأكبر في أن التحليل الغربي يميل إلى رؤية الاقتصاد من خلال الدولار. تحويلات. مصارف. شركات. عقوبات. حسابات. لكن الاقتصاد غير الرسمي لا يتحدث هذه اللغة دائما. قد يتحدث بلغة السلعة. بلغة الحماية. بلغة القرابة. بلغة السوق. بلغة الولاء. وهنا يصبح تتبع اقتصاد الحرب الحوثية أكثر تعقيدا من مراقبة التحويلات المالية. ينبغي النظر إلى ملكية الأرض، والإنتاج الزراعي، وسلاسل التوزيع، والجباية، والنقل، والأسواق المحلية، والوسطاء، وشبكات الحماية، والعلاقات القبلية. فالاقتصاد الذي يمول الحرب قد لا يكون اقتصادا منفصلا عن المجتمع. قد يكون المجتمع نفسه قد تحول إلى جزء من الاقتصاد.

لماذا تفشل القنبلة في فهم السوق؟

لأن القوة الجوية مصممة لتدمير الأهداف. أما اقتصاد الحرب فمصمم للاستمرار. يمكن تدمير منشأة. لكن يمكن بناء أخرى. يمكن ضرب طريق. لكن يمكن فتح طريق بديل. يمكن استهداف قائد. لكن الشبكة الاجتماعية التي أنتجت الولاء قد تبقى. وهنا تظهر حدود القوة العسكرية الصرفة. ليست المشكلة أن القنابل “عديمة الفائدة”، بل أن القنبلة تعمل على مستوى مختلف تماما عن المستوى الذي تعمل فيه شبكات المجتمع. القنبلة تدمر مادة. أما الولاء فيتحرك بين البشر. والطائرة تستطيع تعطيل الحركة. لكنها لا تستطيع وحدها إعادة تشكيل الاقتصاد الذي يجعل تلك الحركة ممكنة.

القات ليس سر الحوثيين

من الخطأ جعل القات تفسيرا شاملا للصمود الحوثي. الحوثيون ليسوا مجرد مجموعة من المقاتلين الذين يمضغون القات. وراء قدرتهم العسكرية والسياسية منظومة من التنظيم، والتعبئة، والسيطرة المحلية، والموارد، والجغرافيا، والخبرة القتالية، والعلاقات الإقليمية، والبنية الأمنية والأيديولوجية. لكن القات يفتح نافذة على جزء غالبا ما يهمله التحليل العسكري: اقتصاد الحرب الاجتماعي. وهذا المفهوم أكثر أهمية من القات نفسه. فحين تصبح سلعة مدنية جزءا من دورة التعبئة، فإن الحدود بين الاقتصاد والحرب تصبح ضبابية. وعندما تصبح القبيلة والسوق ومجلس القات والسلطة المحلية متشابكة، يصبح تفكيك المنظومة العسكرية أصعب بكثير من تدمير أهدافها المادية.

الدرس الذي ينبغي أن تسمعه العواصم الغربية

إذا كان الهدف هو إضعاف اقتصاد الحرب الحوثي، فإن النظر إلى الصواريخ وحدها لا يكفي. ولا تكفي العقوبات المالية وحدها. ولا يكفي استهداف شبكات التهريب وحدها. ينبغي فهم النظام بأكمله: من ينتج؟ من ينقل؟ من يبيع؟ من يحمي؟ من يجبي؟ من يوزع؟ ومن يحول الموارد المدنية إلى ولاء سياسي أو قدرة عسكرية؟ هنا تحديدا يصبح القات مسألة جيوسياسية. ليس لأن ورقة خضراء يمكنها أن تهزم جيشا. بل لأن ورقة خضراء تكشف كيف يمكن لمجتمع واقتصاد محلي أن يدخلا في ماكينة حرب دون أن يبدوا، للعين البعيدة، جزءا من الماكينة.

الحرب التي لا تظهر من السماء

ربما يكون هذا هو الدرس الأكثر قسوة في التجربة اليمنية. لقد طورت القوى الكبرى أدوات هائلة لرؤية الحرب من الجو، لكنها لم تطور بالقدر نفسه أدوات لرؤية الحرب من داخل المجتمع. ترى القمر الصناعي المركبة. لكن لا يرى الولاء. يرى الطريق. لكن لا يرى العلاقة التي تجعل الطريق قابلا للاستبدال. يرى المنشأة. لكن لا يرى الشبكة التي ستعيد بناءها. وهذا هو السبب في أن الحروب غير النظامية تستطيع البقاء حتى تحت ضغط عسكري هائل. لأن مركز ثقلها لا يكون دائما في الهدف الذي يمكن قصفه. قد يكون في المجتمع نفسه. وقد يكون في السوق. وقد يكون في القبيلة. وقد يكون في سلعة يومية تبدو، في زمن السلم، بعيدة تماما عن مفهوم الاستراتيجية. في اليمن، قد يكون القات واحدا من هذه النوافذ. ليس سر الحرب. لكنه يكشف جزءا من أسرارها. «الحرب التي تتغذى من المجتمع لا يمكن هزيمتها بالقوة الجوية وحدها؛ لأن القنابل تضرب الأهداف، بينما تستمد الشبكات قدرتها على البقاء من البشر.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *