بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس
قد تبدأ الحروب . أحيانا تبدأ بفيديو مدته سبع عشرة ثانية، بمراهق يُطرح أرضا أمام بوابة مدرسة، بموسيقى حزينة، وبعبارة مكتوبة بعناية فوق الصورة: «انظروا ماذا تفعل فرنسا بأبنائها». ثم يأتي الفيديو الثاني. ثم الثالث. ثم آلاف المشاركات.وفجأة يصبح الغضب، الذي كان له وجه ومكان وسبب، غيمة بلا حدود؛ لا أحد يعرف أين بدأ، ولا من ضخّ الهواء في رئتيه، ولا من أقنعه بأن النار هي اللغة الوحيدة التي بقيت مفهومة. هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه الآن في فرنسا، وسط موجة الاحتجاجات المدرسية والاضطرابات التي رافقتها: هل نحن أمام انفجار اجتماعي فرنسي خالص، أم أن بعض الجهات الخارجية تحاول ركوب الموجة، وتوجيهها، وربما تحويلها من احتجاج على المدرسة والدولة إلى وقود لاضطراب أوسع؟
السؤال مشروع. أما الجواب، فلا يجوز أن يكون جاهزا. المؤكد أن فرنسا تعيش منذ أواخر سبتمبر 2026 موجة احتجاجية مدرسية استثنائية في حجمها، تخللتها أعمال عنف واضطرابات في عدد من المدن. ووفق وزارة العدل، وُضع 5,060 شخصا في الحراسة النظرية، بينهم 4,406 قاصرين، أي 87 في المائة، فيما يخضع 1,802 شخص للملاحقة القضائية. كما سجلت السلطات 14 حالة إيداع في الحبس الاحتياطي، بينها أربع حالات لقاصرين. هذه ليست أرقاما صغيرة. لكن الرقم وحده لا يخبرنا من أشعل النار. فهناك فرق هائل بين أن تستغل شبكة أجنبية غضبا موجودا بالفعل، وبين أن تكون هي التي صنعت الغضب من العدم. وهذا الفرق هو المكان الذي ينبغي أن يبدأ فيه التحقيق الجاد.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد مرآة للشارع. أصبح قادرا على أن يسبق الشارع، وأن يعيد تشكيله، وأن يختار أي صورة ستصبح رمزا، وأي جملة ستصبح شعاراً، وأي حادثة ستتحول إلى شرارة. والدولة الفرنسية نفسها لم تعد تتعامل مع هذه المسألة باعتبارها وهماً. فقد أنشأت VIGINUM لرصد ما تسميه «التدخلات الرقمية الأجنبية»، وتعرّفها بمجموعة شروط تشمل وجود فاعل أجنبي، ونشرا مصطنعا أو آليا واسع النطاق، ومحتوى مضللا أو كاذبا بصورة واضحة، مع احتمال المساس بالمصالح الأساسية للدولة. وفي 2026 أعلنت VIGINUM أن عمليات التأثير الأجنبية أصبحت أكثر تعقيدا، وأنها تستخدم بصورة متزايدة الذكاء الاصطناعي وأساليب تنسيق أكثر صعوبة في الكشف. وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة للقلق: ماذا لو لم تكن المسألة أن جهة ما صنعت الاحتجاج، بل أنها اكتشفت أن الاحتجاج موجود، ثم قررت أن تضع تحته مكبرا للصوت؟
ذلك أكثر ذكاء من صناعة ثورة. الثورة مكلفة. أما اختطاف ثورة الآخرين، فأرخص بكثير. لا تحتاج إلى خلق الغضب؛ يكفي أن تختار غضبا موجودا، وتعيد صياغته، وتمنحه عدوا واحدا، ثم تكرر الرسالة حتى يبدو أنها صادرة من الجميع. هذه هي الهندسة الجديدة للفوضى. وليس من المستحيل أن تكون الجزائر، مثل غيرها من الدول، جزءا من هذا العالم التنافسي الجديد. فالتوتر بين باريس والجزائر لم يعد محصورا في التأشيرات والهجرة والذاكرة الاستعمارية؛ لقد امتد إلى المجال الإعلامي والرقمي وإلى صراعات النفوذ داخل الجالية. وقد وثقت تقارير صحفية فرنسية خلال السنوات الأخيرة محاولات من السلطة الجزائرية لإعادة إحكام قبضتها على شبكات من الجالية وملاحقة معارضين مقيمين في فرنسا، فيما تناولت تقارير أخرى وجود حملات إعلامية ذات صلة بصراعات السلطة الجزائرية نفسها. لكن هذا شيء، والقول إن الجيش الجزائري يقف وراء العنف الحالي في الضواحي شيء آخر تماما. وهنا يجب ألا نرتكب الخطأ الذي ترتكبه الدعاية دائما: أن نملأ الفراغ بالأجوبة التي نحبها. حتى الآن، لا تظهر في المصادر المفتوحة التي أمكن فحصها أدلة موثوقة تثبت أن «الخلايا» الموصوفة في المذكرة المزعومة هي التي هندست أحداث 2026، أو أن الحسابات الإثني عشر المذكورة تعمل بتنسيق مباشر من جهاز أمني جزائري، أو أن مسارات التمويل المحددة الواردة في المذكرة مثبتة قضائيا أو رسميا. وهذا لا يثبت أنها غير موجودة. لكنه يعني شيئا أكثر أهمية: أنها لم تثبت بعد. وفي عالم الاستخبارات، هذه الكلمة الصغيرة – «بعد» – قد تفصل بين معلومة استراتيجية وبين أسطورة سياسية. غير أن التاريخ يمنح الفرضية سياقا لا يجوز تجاهله.
لقد كشفت أزمة 2023، بعد مقتل الشاب نائل، كيف يمكن لمشهد فرنسي داخلي شديد الحساسية أن يتحول بسرعة إلى مادة لصراع معلوماتي عابر للحدود. وفي ذلك الوقت، كشفت VIGINUM حملة مرتبطة بجهات قريبة من أذربيجان استغلت اضطرابات فرنسا لتشويه صورة البلاد وقدرتها على تنظيم الألعاب الأولمبية. الدرس هنا ليس أن أذربيجان هي الجزائر. الدرس أن الاضطراب الفرنسي أصبح مادة استراتيجية قابلة للاستثمار الخارجي. وهذا ما ينبغي أن تفهمه باريس. لكن عليها أيضاً أن تفهم شيئا آخر أشد خطورة: لا تستطيع أي دولة أجنبية أن تشعل بيتا لا يحتوي أصلا على ما يكفي من القش. والضواحي الفرنسية ليست اختراعا لخدمة مخابرات أجنبية. إنها تاريخ طويل من التفاوت، والتمييز المتصور أو الفعلي، وأزمة الثقة في الشرطة، والفشل المدرسي، والبطالة، والإقصاء الاجتماعي، وأحياء تشعر أحياناً أنها موجودة جغرافيا داخل فرنسا لكنها تقف نفسيا خارجها. وإذا كان تلميذ في السادسة عشرة يخرج إلى الشارع، فليس من المسؤولية الصحفية أن نسأل فورا: «من دفعه؟» ينبغي أولا أن نسأل: ما الذي جعله قابلا للدفع؟
هذه هي النقطة التي تفشل فيها نظريات المؤامرة، كما تفشل فيها أيضا الرواية الرسمية التي تريد أن ترى في كل اضطراب «عناصر خارجية». الفاعل الخارجي، إن وجد، لا يخلق الفراغ الاجتماعي. إنه يستثمره. وهنا تكمن براعة الحرب المعلوماتية الحديثة: لا تأتيك من الخارج دائما في هيئة عدو أجنبي بوجه واضح. قد تأتيك في هيئة شخص يتحدث لغتك، يحمل علم بلدك، يعيش في مدينتك، ويتابع ما تتابعه، ويعرف جيداً أين توجد الجملة التي ستفتح الجرح. لا يحتاج إلى اختراع الألم. يكفي أن يعرف أين يضغط. وهذا ما يجعل عبارة «الخلايا النائمة» مغرية وخطيرة في آن واحد. مغرية لأنها تمنح الأحداث شكلا هندسيا: هناك مركز، وهناك خلايا، وهناك أوامر، وهناك منفذون. وخطيرة لأنها قد تجعلنا نبحث عن يد خارجية وننسى اليد الداخلية التي صنعت الظروف. فالاضطرابات الكبرى لا تحتاج دائما إلى قائد. أحيانا يكفيها خوارزمية. وأحيانا يكفيها هاتف. وأحيانا يكفيها طفل غاضب يرى للمرة الأولى أن مقطعا واحدا يستطيع أن يحصد مليون مشاهدة. لقد تغير مفهوم «التحريض».
في القرن العشرين كان المحرّض يقف فوق منصة. اليوم قد يكون خلف شاشة لا نعرف صاحبها. كان يحتاج إلى جمهور. اليوم تمنحه الخوارزمية جمهورا لم يطلبه.ة وكان يحتاج إلى صحيفة. اليوم يستطيع أن يصنع صحيفة كل يوم من حساب مجهول. وكان يحتاج إلى شبكة من الأشخاص. اليوم يستطيع أن يصنع وهم الشبكة. وهذا هو «الأستروترفنغ» الذي تحذر منه المؤسسات الفرنسية: صناعة انطباع بأن فكرة ما تحولت إلى حركة جماهيرية، بينما تكون وراءها مجموعة صغيرة من الحسابات المنسقة. وتعتبر VIGINUM التنسيق والتخفي من السمات المركزية في توصيف بعض عمليات التأثير الأجنبية. لكن المفارقة الكبرى أن الخطر لا يكمن فقط في الحسابات الكاذبة. الخطر الأكبر قد يأتي من حساب حقيقي. من شخص موجود فعلا. من مؤثر يملك مئات الآلاف من المتابعين، ويعرف أن عبارة واحدة أكثر قيمة من عشرة آلاف روبوت. لأن الكذبة حين ينطق بها شخص حقيقي، تصبح أكثر قابلية للتصديق. ومن هنا يجب أن تكون المعركة الفرنسية المقبلة أكثر ذكاء من مجرد «حجب الحسابات». فحجب حساب واحد لا يحل مشكلة مجتمع يشعر بأنه غير مسموع. والرد الأمني وحده قد ينتج مادة دعائية جديدة للجهة التي تريد إقناع الشباب بأن الدولة لا تملك سوى العصا.
لقد أظهرت أحداث الأسابيع الأخيرة بالفعل حجم التوتر: عشرات المؤسسات التعليمية تعرضت للاضطراب أو التخريب، وأعلنت السلطات عن مئات الإصابات، بينما فتحت IGPN تحقيقات في عدد من التدخلات الشرطية. وفي الوقت نفسه، سجلت وزارة الداخلية آلاف عمليات التوقيف، في مشهد وصفته الصحافة الفرنسية بأنه غير مسبوق من حيث الحجم. وهنا يمكن للآلة أن تدخل في دائرة مغلقة. الشرطة تقمع. التصوير ينتشر. الغضب يتضاعف. الغضب يؤدي إلى مزيد من العنف. العنف يؤدي إلى مزيد من الشرطة. ثم تصوَّر الشرطة مرة أخرى. وتصبح الدائرة مصدرا ذاتيا للطاقة. في هذه اللحظة لا يعود السؤال: من بدأ؟ بل: من يستفيد؟ وهذا سؤال استخباراتي أعمق. فربما لا يكون المستفيد هو من أشعل الشرارة، بل من استطاع تحويلها إلى حريق طويل. وربما لا تكون الغاية إسقاط الحكومة، بل إنهاكها. وربما لا تكون الغاية حتى فرنسا نفسها، بل اختبار قدرتها على الصمود قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة. لقد أصبحت الانتخابات والديمقراطيات أهدافاً مفضلة للتدخلات الرقمية الأجنبية، وهو ما تؤكده VIGINUM التي وثقت في 2026 أربع عمليات تدخل رقمي أجنبي خلال الانتخابات البلدية، وربطت التجربة مباشرة بالاستعداد للاستحقاق الرئاسي لعام 2027.
لكن هنا أيضا ينبغي الحذر من القفزة السهلة. وجود انتخابات قادمة لا يعني أن كل اضطراب هو بروفة انتخابية. ووجود شبكات نفوذ لا يعني أن كل حساب جزائري هو عميل. ووجود خطاب معاد لفرنسا لا يعني تلقائياً أنه صادر عن الدولة الجزائرية. الجالية ليست جهاز مخابرات. والغاضب ليس عميلا. والمؤثر ليس بالضرورة وكيلا. هذه الحدود هي التي تحمي التحقيق من التحول إلى مطاردة هوية. ففرنسا تحتاج إلى مكافحة التدخل الأجنبي، نعم. لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى ألا تحول ملايين المواطنين من أصول جزائرية إلى مجتمع تحت الاشتباه. لأن ذلك سيكون، أفضل هدية يمكن أن تقدمها لأي جهة تريد إضعاف فرنسا. فالهدف الحقيقي للحرب المعلوماتية ليس دائماً إقناع الناس برواية معينة. أحيانا يكون الهدف جعلهم لا يثقون بأي رواية. جعل الشرطة كاذبة. والحكومة كاذبة. والصحافة كاذبة. والمعارضة كاذبة. والجالية متهمة. والدولة متهمة. وحتى الحقيقة نفسها تصبح موضع سخرية. عندها ينتصر الفاعل الخارجي من دون أن يثبت أحد أنه كان موجودا. وهذه هي الحرب الأكثر خبثا. حرب لا تحتاج إلى احتلال الشارع. يكفي أن تجعل الشارع يشك في كل شيء.
لذلك فإن قضية «خلايا الجنرال صادق» – إن كانت هناك بالفعل خلايا بهذا المعنى – لا ينبغي أن تُحسم بعنوان صحفي قبل أن تُحسم بالوثائق. أين الأموال؟ من دفع؟ من أعطى التعليمات؟ هل توجد صلة تشغيلية بين الحسابات؟ هل تتطابق البنية الزمنية للنشر بصورة لا يمكن تفسيرها بالصدفة؟ هل توجد بنية مالية يمكن تتبعها؟ هل هناك أوامر أو وسطاء أو بنية قيادة؟ هل تتقاطع هذه الأدلة مع معلومات استخباراتية مستقلة؟ هذه هي الأسئلة. لا عدد المتابعين. ولا جنسية صاحب الحساب. ولا لون العلم الذي يظهر خلفه. ولا اللهجة. ولا الإسم. فالصحافة الجادة لا تقول: «هناك مؤامرة لأن ذلك يبدو منطقيا». بل تقول: «هناك فرضية. فلنبحث عن الأثر الذي يتركه الفعل الحقيقي». والأثر، في النهاية، هو الذي يفضح الخلية. أما الظل، مهما كان كثيفا، فلا يكفي لإدانة أحد.
ربما تكون فرنسا أمام محاولة تدخل خارجي حقيقية. وربما تكون أمام تضخيم رقمي لاحتجاج اجتماعي حقيقي. وربما تكون أمام خليط أكثر تعقيدا: غضب فرنسي أصيل، وشبكات انتهازية، ومؤثرون يبحثون عن المشاهدات، وفاعلون سياسيون، وخوارزميات لا تعرف الوطن، ودول أجنبية تراقب وتستثمر حين تسنح الفرصة. وهذا السيناريو الأخير، ربما، هو الأكثر واقعية. لأن القرن الحادي والعشرين لم يعد يعرف الفوضى التي يصنعها شخص واحد. إنه يعرف الفوضى التي يصنعها تلاقي مصالح كثيرة في اللحظة نفسها. في هذه اللحظة، يصبح فيديو مراهق أمام مدرسة في ضاحية فرنسية مادة لصراع أكبر منه. وتصبح النار التي أُشعلت أمام مدرسة سؤالاً عن الجزائر. وتصبح الجزائر سؤالا عن فرنسا. وتصبح فرنسا سؤالا عن أوروبا. ثم يصبح الجميع متأكدا من شيء لم يثبت بعد. وهنا ينبغي أن نتوقف. لأن أخطر خلية قد لا تكون خلية تجسس أصلا. قد تكون الفكرة التي تنتشر أسرع من الدليل. وقد لا يكون أخطر سلاح هو الفيديو المفبرك. بل الفيديو الحقيقي حين يُنتزع من سياقه، ويُعاد تركيبه، ويُمنح معنى لم يكن له.
وقد لا يكون أخطر ما تواجهه فرنسا أن جنرالا ما يريد زعزعتها. بل أن تصبح فرنسا نفسها غير قادرة على معرفة أين ينتهي غضب مواطنيها، وأين يبدأ استغلال الآخرين لهذا الغضب. في تلك المنطقة الرمادية، بين الضاحية والخوارزمية، بين المدرسة والهاتف، بين الاحتجاج والتلاعب، تجري المعركة الحقيقية. وإذا كانت هناك بالفعل خلايا نائمة، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله فرنسا ليس أن تصرخ بأنها اكتشفتها. بل أن تثبتها. بالوثيقة. بالمال. بالأثر الرقمي. بالسلسلة القيادية. وبالقضاء. أما إذا لم تثبت، فإن تحويلها إلى حقيقة إعلامية سيكون هو نفسه نوعا من الحرب المعلوماتية. وهنا المفارقة الأخيرة: قد تكون فرنسا في حاجة إلى أجهزة استخبارات أقوى، نعم؛ لكنها في حاجة أكثر إلى صحافة أقوى منها. صحافة لا تخاف من الجنرال. ولا تخاف من الحكومة. ولا تخاف من الضاحية. ولا تخاف من الجزائر. ولا تخاف حتى من رواية جذابة جدا. لأن مهمتها ليست أن تمنح الجمهور عدوا. مهمتها أن تمنحه الحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة أقل إثارة من المؤامرة. وفي زمن أصبحت فيه النار تنتشر بسرعة الضوء، قد يكون أول عمل من أعمال الدفاع عن الجمهورية هو أن نسأل، قبل أن نصدق: من أشعل النار؟ ثم السؤال الأصعب: ومن أقنعنا بأننا نعرف الجواب؟
