الحوثيون: من يظنّهم انتهوا لم يقرأ التاريخ جيدا

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير

في صباح السابع من أكتوبر 2026، أعلن المتحدث العسكري للحوثيين يحيى سريع على منصة “إكس” أن صاروخا باليستيا استهدف مطار الملك خالد في الرياض، وأن حركة الطيران تعطلت “بدقة بإذن الله”. وبعد دقائق، أعلن التحالف بقيادة السعودية أنه اعترض الصاروخ شمال العاصمة، وأنه يتعقب منصة الإطلاق في صنعاء وسيدمرها. هذا ليس مشهدا استثنائيا إنه فصل من مسلسل طويل، يعاد بثه كل بضعة أشهر، فيبدو للمراقب السريع أن الحوثيين “انتهوا”، ثم يعودون. دائما يعودون.

المثل العربي يقول: “الضبّ له سبعة أرواح”. الضب إذا ذبح لا يموت بسرعة، بل يبقى بعد قطع رأسه يتحرك ويزحف ويحاول الهرب، ويُروى أنه يقول لأمه: “لا تأسي عليّ إلا بعد أن يفوح القدر بي سبع مرات”. هذا المثل يُضرب لمن لا تقضي عليه المصائب بسرعة، لمن تتوالى عليه الحوادث المهلكة فينجو منها. والحوثيون، بامتياز، هم ضبّ التاريخ اليمني. السعودية شنت عليهم ست حروب بين 2004 و2010، وقتلت مؤسسهم حسين الحوثي، فظنّ الجميع أن الحركة انتهت. لكنها عادت في  2014 لتسيطر على صنعاء. التحالف العربي تدخل في 2015 بـ”عاصفة الحزم” لإعادة الحكومة الشرعية، فظنّ البعض أن أيامهم معدودة. لكنهم صمدوا، وطوّروا صواريخهم وطائراتهم المسيّرة، وضربوا منشآت أرامكو، وأغلقوا البحر الأحمر جزئيا، وتحوّلوا من حركة متمردة في جبال صعدة إلى قوة إقليمية تُهدد أمن الخليج.

في مارس 2026، مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أعلن زعيمهم عبد الملك الحوثي أن “أيديهم على الزناد”، ثم أطلقوا صاروخا من اليمن رصدته إسرائيل. وفي سبتمبر 2026، سيطروا على مساحات واسعة من الساحل الغربي اليمني قرب مضيق باب المندب، ثم بدأت الحكومة اليمنية عملية “فجر اليمن” لاستعادته. والآن، في أكتوبر 2026، يعلنون استهداف مطار الرياض وقاعدة أبها ومعسكرات في جازان وعسير، ويحذرون شركات الطيران العالمية من استخدام الأجواء السعودية. السؤال الذي يجب أن يطرحه العقل قبل العاطفة: من أين تأتي هذه القدرة على الاستمرار؟

الجزء الأول من الجواب تاريخي. الحوثيون ليسوا “وكلاء إيران” بالمعنى المباشر، كما يحاول البعض تصويرهم. هم حركة زيدية لها جذور في شمال اليمن تمتد لألف عام، حيث حكمت الأسرة الهاشمية الزيدية اليمن قبل ثورة 1962. بدر الدين الحوثي، والد الزعيم الحالي، بدأ في السبعينيات حركة إحياء ديني للزيدية، مدفوعا بالخوف من انتشار السلفية المدعومة سعوديا في معقلهم في صعدة. هذا البعد المحلي، غير القابل للتصدير أو الاستيراد، هو ما يمنحهم عمقا اجتماعيا لا تملكه أي قوة أخرى في اليمن. الخبراء يؤكدون أن الجماعة “تعمل في المقام الأول استنادا إلى أجندة داخلية رغم تقاربها السياسي مع إيران وحزب الله”.

الجزء الثاني من الجواب استراتيجي. الحوثيون أدركوا، قبل خصومهم، أن اليمن ليس ساحة حرب تقليدية. الجبال التي حاربوا فيها ست حروب ضد الجيش اليمني هي نفسها الجبال التي تحميهم من الغارات الجوية. صعدة، معقلهم التاريخي، تقع في أقصى الشمال الغربي، محصنة طبيعيا، وقريبة من الحدود السعودية. من هناك، يمكنهم إطلاق الصواريخ على أهداف في عمق المملكة، بينما تظل قواعدهم بعيدة عن متناول أي هجوم بري فعّال. ثم هناك البحر. السيطرة على الساحل الغربي، ولو  جزئيا، تمنحهم قدرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم المعابر البحرية في العالم. هذه ليست حربا يمكن حسمها بقرار. إنها حرب استنزاف، والحوثيون أتقنوا فن الاستنزاف.

الجزء الثالث من الجواب نفسي. الحوثيون يعرفون أن خصومهم يريدون السلام. السعودية، بعد سنوات من الحرب في اليمن، تريد الخروج من المستنقع. تريد التركيز على رؤية 2030، على الاقتصاد، على المستقبل. الحوثيون لا يريدون الخروج. يريدون البقاء، ويريدون أن يُعترف بهم. وهذا يمنحهم ورقة ضغط لا تنتهي. كلما شعروا أن السعودية تتجه نحو التسوية، يطلقون صاروخاً على مطار أو مصفاة، فيتذكر الجميع أنهم موجودون، وأنهم قادرون على الإيذاء. في مقابلة مع قناة “الميادين” اللبنانية، قال عضو المكتب السياسي للحوثيين محمد البخيتي إن إنهاء الصراع “مصلحة مشتركة” مع السعودية. هذه ليست لغة من يريد الحرب، بل لغة من يريد أن يبيع السلام بأغلى ثمن.

وهنا المفارقة. من يظن أن الحوثيين “انتهوا” يخطئ في قراءة اللعبة. هم لا يريدون الانتهاء، ولا يريدون الانتصار الكامل.  يريدون أن يكونوا طرفاً لا يمكن تجاهله. يريدون أن يكونوا، في نظر العالم، ضبّاً له سبعة أرواح، لا تقضي عليه المصائب بسرعة، ولا يموت نهائيا إلا بعد سبع ميتات. في 2026، بعد اثني عشر عاماً من السيطرة على صنعاء، وبعد أكثر من عقد من الحرب التي قتلت مئات الآلاف، لا يزال الحوثيون يطلقون الصواريخ على الرياض. لا يزالون يهددون الملاحة في البحر الأحمر. لا يزالون يفرضون شروطهم على أي تسوية. من كان يظن أنهم انتهوا في 2010، أو 2015، أو 2022، يجد نفسه في 2026 أمام الحقيقة نفسها: الضبّ لا يزال يتحرك. لا يزال يزحف. والقدر لم يفوّح به بعد سبع مرات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *