الإضرابات: فرنسا التي حبست أبناءها في غرفة السؤال

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير

هناك شيء مخيف في أن يُغلق باب زنزانة على فتى في الرابعة عشرة، لا لأنه أُدين، بل لأنّه كان في المكان الخطأ، في اللحظة الخطأ، وسط صرخة لم تجد طريقها إلى قاعة البرلمان. في فرنسا، البلاد التي علّمت العالم أن الإنسان يولد حرا، وأن القانون لا يحق له أن يعاقب إلا بقدر الضرورة، تبدو اليوم صورة غريبة وهي تتأمل آلاف الوجوه الصغيرة التي مرّت عبر أبواب مراكز الشرطة منذ منتصف سبتمبر. خمسة آلاف وستون شخصا وُضعوا قيد الحراسة النظرية في سياق الاضطرابات المرتبطة بالحركة الاحتجاجية للتلاميذ؛ 87 في المائة منهم قاصرون. ومن بين هؤلاء، يخضع 1,802 للملاحقة القضائية، بينما انتهت ملفات أخرى بتدابير بديلة أو بالحفظ دون متابعة. وتقول وزارة العدل إن أربعة قاصرين من أصل الحالات المعنية انتهوا إلى الحبس الاحتياطي. الأرقام، وحدها، باردة. لكنها تصبح شيئا آخر حين نتخيل أن وراء نسبة الـ87 في المائة حقائب مدرسية، ودفاتر رياضيات، وهواتف عليها صور الأصدقاء، وأمهات ينتظرن خلف أبواب مغلقة، وآباء يحدقون في الساعة، وفتيانا لم يكن أكبر سؤال في حياتهم حتى ذلك اليوم هو: «ما الذي يعنيه أن تفقد حريتك؟».

هنا يبدأ السؤال الحقيقي. هل أصبحت الحراسة النظرية في فرنسا عقوبة تسبق العقوبة؟ ليس القانون هو الذي يقول ذلك. بل إن القانون يقول العكس تقريبا. فالمادة 62-2 من قانون الإجراءات الجنائية تجعل الحراسة النظرية تدبيرا استثنائيا لا يجوز اللجوء إليه إلا عندما تكون الوسيلة الوحيدة لتحقيق غاية من غايات التحقيق: جمع الأدلة، منع العبث بها، منع الضغط على الشهود، ضمان المثول أمام النيابة، أو تحقيق غايات أخرى محددة بدقة. كما أن المدعي العام مطالب بتقدير ضرورة الإجراء وتناسبه مع خطورة الأفعال. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق أن تُفتح كجرح فلسفي لا كملف إداري. إذا كان القانون يقول إن الحراسة النظرية ليست عقوبة، فلماذا يمكن لتجربة السجن القصيرة أن تؤدي، في وعي طفل، وظيفة العقوبة الكاملة؟

ذلك هو الفرق بين العقوبة كما يصفها القانون، والعقوبة كما يشعر بها الجسد. قد يخرج الفتى من المركز بعد ساعات بلا محاكمة، بلا حكم، وربما بلا متابعة. لكن شيئا ما يكون قد حدث بالفعل: قد عرف للمرة الأولى رائحة الزنزانة، صوت الباب الحديدي، برودة المقعد، وطول الليل حين يصبح الهاتف ممنوعا والوالدان خارج العالم. القانون يستطيع أن يقول: «لم نعاقبك». لكن الذاكرة قد تجيب: «لقد عاقبتموني». ومن هنا يصبح الأمر أكبر من احتجاجات تلاميذ، وأكبر من خلاف بين الشرطة والمحامين، وأكبر حتى من سؤال من كان على حق في الشارع. إنه سؤال الدولة عن نفسها. ما الذي تفعله الدولة حين تخاف من الشارع؟ هل تحمي النظام العام، أم تحاول حماية نفسها من صوت لا تستطيع السيطرة عليه؟

لا ينبغي، بالطبع، أن تتحول هذه القراءة إلى تبرئة رومانسية لكل من يقطع الطريق أو يحطم الممتلكات أو يعتدي على الشرطة أو المدرسين. الدولة ليست مطالبة بأن تقف متفرجة أمام العنف. والحرية، في إعلان حقوق الإنسان والمواطن نفسه، ليست رخصة لإيذاء الآخرين. لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي يصبح فيها «الاحتياط الأمني» أوسع من الفعل الذي يفترض أنه يبرره. وهنا تعود فرنسا إلى مرآتها القديمة. في صيف 1789 لم تولد فرنسا الحديثة من الهدوء، بل من الاحتجاج. لم يكن الشارع آنذاك هامشاً للديمقراطية، بل أحد مختبراتها الأولى. وفي إعلان حقوق الإنسان والمواطن، الذي لا يزال جزءاً من الكتلة الدستورية الفرنسية، كُتبت عبارات تبدو اليوم كأنها رسائل أرسلها الماضي إلى الحاضر: الحرية حق طبيعي، والمجتمع السياسي وُجد لحماية الحقوق، ولا يجوز توقيف الإنسان أو احتجازه إلا في الحالات التي يحددها القانون ووفق الإجراءات التي يقررها. كما أن الإعلان يجعل من مقاومة الاضطهاد أحد الحقوق الطبيعية غير القابلة للتصرف.

يا لها من مفارقة! الثورة الفرنسية التي خرجت إلى الشارع لتقول للسلطة: «لسنا رعايا»، تركت وراءها جمهورية تسأل أبناءها اليوم: «هل تملكون حق إزعاج النظام؟» لكن الديمقراطية ليست امتحانا في الطاعة. الديمقراطية الحقيقية تُقاس، ربما، بقدرتها على احتمال الأصوات التي تزعجها. فالدولة التي لا تستطيع احتمال احتجاج سلمي، أو غضب طلاب، أو هتاف في شارع، ليست دولة قوية بالضرورة؛ قد تكون دولة خائفة. والقوة السياسية ليست في أن تجعل الشارع صامتا، وإنما في أن تجعل صوته قابلا للدخول إلى المؤسسات دون أن يتحول إلى نار. وهنا تكتسب مسألة القاصرين معنى مضاعفا. فالطفل المحتج ليس مواطنا ناقصا، حتى لو كان ناقص الأهلية في بعض المجالات القانونية. إنه مواطن في طور التكوين؛ أي إن الطريقة التي ستعامله بها الدولة اليوم قد تصنع علاقته بها غداً. يمكن للشرطة أن تمنع فوضى عابرة، لكن الدولة قد تصنع، من حيث لا تريد، ذاكرة سياسية تدوم عقودا. وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يقلق فرنسا أكثر من عدد الموقوفين: ماذا يرى هذا الجيل حين ينظر إلى الجمهورية؟ هل يرى المدرسة التي تقول له إن الحرية حق؟ أم يرى بابا حديديا يقول له إن الحرية جميلة ما دمت لا تستعملها؟

لقد كتبت المادة السابعة من إعلان 1789 أن أحداً لا يجوز أن يُتهم أو يُعتقل أو يُحتجز إلا في الحالات التي يحددها القانون، وذهبت المادة الثامنة أبعد من ذلك حين قررت أن العقوبات يجب أن تكون «ضرورية بصورة صارمة وواضحة»، بينما أكدت المادة التاسعة قرينة البراءة ورفض القسوة غير اللازمة عند الاعتقال. هذه ليست زخارف تاريخية معلقة على جدار متحف. إنها الأسئلة التي بُنيت عليها الجمهورية. ولذلك فإن الخطر ليس في أن تستخدم الدولة القانون؛ الخطر في أن يتحول القانون، من أداة لحماية الحرية، إلى آلة لإنتاج الخوف. هنا يصبح موقف المحامين جديرا بالنقاش حتى لو لم نتبنّ كل استنتاجاتهم. حين يقولون إن الشرطة قد تكون قد ألقت «شبكة صيد» واسعة ثم تركت القضاء يتعامل لاحقا مع حصيلتها، فإنهم لا يطرحون فقط مشكلة إجرائية؛ إنهم يطرحون سؤالا عن ترتيب السلطة نفسها: من يراقب من؟ ومن يضع الحدود لمن؟

ففي الدولة القانونية، الشرطة قوية لأنها مقيدة بالقانون، لا لأنها فوقه. والقضاء قوي لأنه يستطيع أن يقول «لا» للسلطة، لا لأنه يوافقها بعد وقوع الأمر. إن العبارة الأخطر في أي جمهورية ليست: «اعتقلناهم». بل: «اعتقلناهم أولا، وسنجد لاحقاً سببا لذلك». ولهذا كان إعلان 1789 شديد الحساسية تجاه الاعتقال التعسفي. فالحرية، في الفكر السياسي الفرنسي، ليست مجرد أن تمشي في الشارع دون قيود؛ الحرية هي أيضا ألا تصبح السلطة قادرة على تحويل الاشتباه إلى قفص، والقفص إلى رسالة، والرسالة إلى عادة. من هنا يمكن فهم لماذا تبدو صورة مراهق يخرج من مركز الشرطة بلا متابعة أكثر إزعاجا أحيانا من صورة متهم يدخل المحكمة. لأن المحكمة تعني أن هناك قضية. أما الاعتقال الذي ينتهي إلى الفراغ، فيترك وراءه سؤالا. والسؤال، في الديمقراطية، أخطر من الحكم. هل كان ذلك ضروريا؟ هل كان متناسبا؟ هل كان التحقيق يتطلب فعلا سلب الحرية؟ هل كان الطفل مشتبها فيه بصورة معقولة، أم مجرد جزء من مشهد جماعي؟ هل كانت الدولة تبحث عن الحقيقة، أم كانت تريد أن تُري الشارع أن يدها ما زالت قادرة على الإغلاق؟

هذه الأسئلة لا تدين الشرطة مسبقا، ولا تبرئ المحتجين مسبقا. لكنها تحمل شيئا أكثر أهمية: عقل الجمهورية. ففرنسا ليست عظيمة لأنها انتصرت في الثورة فقط. عظمتها أنها حولت بعض دروس الثورة إلى مبادئ قانونية تقول إن السلطة نفسها يجب أن تخضع للسؤال. ولعل المفارقة الأشد قسوة أن هؤلاء التلاميذ، الذين يخرجون إلى الشوارع مطالبين بمدارس أفضل، قد وجدوا أنفسهم أمام درس مدني لم يكن في المقرر الدراسي: ماذا يحدث عندما تلتقي الحرية بقوة الدولة؟ إنهم يتعلمون، في غرفة باردة، ما لم تستطع الكتب أن تشرحه. يتعلمون أن الجمهورية ليست تمثالا من الرخام في ساحة عامة. الجمهورية علاقة. علاقة قابلة للثقة، وقابلة أيضا للكسر. ولذلك فإن السؤال «إلى أين تذهب فرنسا؟» ليس سؤالا عن الشرطة وحدها، ولا عن التلاميذ وحدهم، ولا حتى عن حكومة عابرة. إنه سؤال عن معنى أن تكون فرنسا هي فرنسا. بلد روسو وفولتير، بلد الثورة وإعلان الحقوق، بلد الثورة المضادة أيضا، بلد باريس التي عرفت المتاريس قبل أن تعرف العالم كيف تصنع الدول الحديثة؛ بلد جعل من الحرية والإخاء والمساواة كلمات لا تزال تترجم إلى عشرات اللغات. فإذا أصبحت الحرية مجرد شعار يُرفع فوق المؤسسات، بينما يتعلم الجيل الجديد معناها داخل غرف الحجز، فهناك شيء ما في الجمهورية يحتاج إلى إعادة القراءة.

ربما لا تكون المسألة أن فرنسا ابتعدت عن ثورتها. ربما تكون المسألة أكثر تعقيدا: فرنسا ما زالت تعيش داخل ظل الثورة، وتحاول منذ أكثر من قرنين أن توازن بين خوفين متناقضين؛ خوفها من الفوضى، وخوفها من الاستبداد. بينهما تقف الشرطة. ويقف القضاء. ويقف الشارع. وفي مكان ما بين الثلاثة يقف فتى في الخامسة عشرة، لا يعرف شيئا عن روسو ولا مونتسكيو ولا المادة 62-2، لكنه يعرف شيئا بسيطا جدا: لقد احتججتُ، ثم أغلق الباب. وهنا ينبغي أن تتوقف الجمهورية لحظة. لا لكي تسأل: «كيف نسكت هذا الجيل؟» بل لكي تسأل السؤال الأصعب: كيف نجعل هذا الجيل يخرج من الاحتجاج وهو لا يزال يؤمن بأن الدولة التي احتجزته هي، في الوقت نفسه، الدولة التي تحمي حريته؟ فالدولة الديمقراطية هي بعدد المرات التي تستطيع فيها أن تفتح الأبواب التي تم إغلاقها، وهي مطمئنة إلى أن الحرية لن تهدمها. أما إذا صار الخوف هو اللغة المشتركة بين الشارع والشرطة، فإن الجمهورية لا تعود بحاجة إلى سجن كبير. يكفي أن يتعلم أبناؤها الصمت. وعندها، فقط، يكون الباب قد أغلق حقا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *