حين تتراجع الحكمة وتنتصر شهوة الصراع
عبد الله شوكا, كاتب وصحافي- المغرب
يبدو العالم اليوم وكأنه يقف على فوهة بركان، تتصاعد من حوله ألسنة اللهب، وتتسع رقعة التوترات، وتتوالد بؤر الصراع كما لو أن البشرية قد أضاعت بوصلتها، وفقدت قدرتها على التمييز بين ما يصنع الحياة وما يهدد وجودها. مشهد دولي مثقل بالحروب، محكوم بحسابات القوة، ومفتوح على احتمالات لا أحد يستطيع أن يجزم بحدودها أو يتنبأ بمآلاتها. وفي خضم هذا الاضطراب الكوني، يبدو أن العالم ينفق من عبقريته على صناعة أدوات الموت أكثر مما ينفق من حكمته على صون الحياة؛ فتتسابق الدول إلى تطوير المسيّرات الفتاكة، وتكديس الترسانات العسكرية، واستعراض العضلات، بينما تظل موائد ملايين البشر خاوية، وتبقى أبسط مقومات العيش الكريم حلما مؤجلا في بقاع واسعة من الأرض.
لقد عرفت البشرية حربين عالميتين خلّفتا وراءهما أنهارا من الدماء، ومدنا مدمرة، وذاكرة مثقلة بمآسي لا تزال أصداؤها تتردد في ضمير الإنسانية. وكان يفترض أن تكون تلك التجربة التاريخية القاسية درسا كافيا يردع الطامعين، ويهذب غرائز الهيمنة، ويجعل من السلام خيارا استراتيجيا لا مجرد شعار للاستهلاك السياسي. غير أن المشهد الراهن يوحي بأن الإنسان، على الرغم من كل ما راكمه من علم ومعرفة وتقدم تكنولوجي، لم ينجح بعد في الارتقاء بسلوكه السياسي إلى مستوى ما بلغه من تطور في أدواته وقدراته. وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاما: عقل بشري يلامس آفاق الفضاء، لكنه يعجز أحيانا عن تجنيب الأرض حماقات الحرب؛ ويد تبدع في اختراع وسائل الرفاه، بينما تمتد يد أخرى لتضغط على الزناد.
ولعل أخطر ما يخيّم على الأفق الدولي اليوم هو أن تتضافر هذه البؤر المتفرقة، وتتقاطع مصالح أطرافها، فتتحول من أزمات إقليمية إلى مواجهة أوسع لا تبقي ولا تذر. فالحروب لا تبدأ دائما بإعلان رسمي، ولا تنفجر بالضرورة بقرار واحد؛ بل قد تتسلل إلى العالم عبر سلسلة من الاستفزازات، وسوء التقدير، والحسابات الخاطئة، والتحالفات المتوترة، إلى أن يجد الجميع أنفسهم أمام واقع لم يكن أحد يزعم أنه يريده. ومع امتلاك بعض القوى ترسانات نووية، تصبح كلفة المغامرة العسكرية أكبر من أن تُقاس بموازين الربح والخسارة التقليدية، إذ قد يتحول خطأ في التقدير إلى مأساة تتجاوز حدود الدول والقارات، وتهدد مستقبل أجيال لم تشارك في صناعة قرارات الحرب. ومن هنا، يحق لشعوب العالم أن تطرح أسئلة موجعة ومشروعة: لماذا كل هذه الحروب؟ ولماذا تتحول الخلافات السياسية إلى خصومات مستعصية، ثم إلى مواجهات مسلحة يدفع الأبرياء ثمنها من دمائهم وأرزاقهم وأمنهم؟ وأين اختفت الحكمة السياسية التي يفترض أن تكون صمام الأمان في اللحظات الحرجة؟ وهل أصبحت القيادة في زمننا مرادفا لفرض الإرادة، واستعراض القوة، وإخضاع الآخر، بدلا من أن تكون مسؤولية أخلاقية وتاريخية قوامها حماية الشعوب وصيانة مصالحها؟
إن العالم لا يعاني من ندرة العقول، بقدر ما يعاني أحياناً من غياب العقلانية عن صناعة القرار؛ ولا تنقصه المواثيق التي تمجد السلام، بقدر ما ينقصه الالتزام بروحها ومقاصدها. فكم من أزمة كان يمكن احتواؤها بالحوار، وكم من خصومة كان يمكن تطويقها بالتنازلات المتبادلة، وكم من مأساة كان بالإمكان تجنبها لو انتصرت لغة الدبلوماسية على إغراءات التصعيد. لكن المشكلة تبدأ حين يتقدم منطق الغلبة على منطق التفاهم، وحين تصبح كرامة الدول رهينة المكابرة، وينظر إلى التراجع عن التصعيد باعتباره هزيمة، حتى لو كان ذلك التراجع هو عين الحكمة وشجاعة القرار. وبإلقاء نظرة على بؤر التوتر والصراع في عالمنا، تتكشف أمامنا خريطة مثقلة بالجراح: المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والحرب الروسية الأوكرانية التي لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على الأمن الأوروبي والدولي، والتعقيدات الأمنية والعسكرية في اليمن، وما يشهده السودان من اقتتال وتمزق إنساني، فضلا عن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وما تخلفه من مآس في فلسطين ولبنان. وإلى جانب هذه الصراعات المفتوحة، تستمر خلافات سياسية وإقليمية بين دول عديدة، من بينها الخلافات المغربية الإسبانية، والتوتر المزمن في العلاقات المغربية الجزائرية، في وقت تتشابك فيه التحالفات العسكرية والسياسية، وتتصاعد المنافسة على النفوذ والثروات والممرات الاستراتيجية.
وإذا كانت هذه الملفات تختلف في جذورها وسياقاتها ومسؤوليات أطرافها، فإنها تلتقي جميعا عند حقيقة واحدة: أن استمرار الصراعات يضع أمن الشعوب واستقرارها ومستقبلها على المحك، وأن من يدفع الثمن الأكبر ليس بالضرورة من اتخذ قرار الحرب، بل الإنسان البسيط الذي لا يملك من أمره شيئا. ذلك الإنسان الذي يستيقظ ذات صباح ليجد بيته ركاما، وشارعه ساحة للموت، ووطنه الذي كان يمنحه الشعور بالأمان مكانا لا يستطيع البقاء فيه. فيحمل أطفاله وما تيسر من متاعه، ويغادر أرضه مكرها، لا يعرف إن كان سيعود إليها يوما، ولا إن كانت ستظل قائمة حين يعود.
وهكذا يتحول الإنسان من مواطن له وطن وذاكرة وجذور إلى لاجئ يطارد النجاة، ومن صاحب بيت إلى نزيل خيمة لا تقيه حر الصيف ولا برد الشتاء، ومن إنسان كانت له أحلامه البسيطة إلى كائن يختزل طموحه في الحصول على رغيف خبز، وشربة ماء، وجرعة دواء، وليلة ينام فيها أطفاله دون أن توقظهم أصوات القصف. فأي انتصار يمكن أن تتباهى به الأطراف المتحاربة، إذا كانت حصيلته أجيالا من اليتامى، وأمهات ثكالى، ومدنا مدمرة، ومجتمعات تنزف سنوات طويلة بعد صمت المدافع؟ وأي مجد يُبنى فوق أنقاض البيوت، وأي سيادة تكتسب معناها حين يصبح الإنسان أول ضحاياها؟ وهنا نصل إلى السؤال الذي يمنح هذه المأساة بُعدها الروحي والأخلاقي: هل نجح الشيطان وحزبه في مهمتهم، حتى غدا العالم مسرحاً مفتوحاً للعداوة والفتنة والاقتتال؟
في التصور الديني، ارتبط الشيطان بإغواء الإنسان، وإثارة البغضاء، وإفساد العلاقات، ودفع النفوس إلى مسالك الشر والعدوان. ومن هذا المنطلق، تبدو مشاهد الكراهية والتحريض والانتقام، وما يصاحبها من تبرير للعنف واستسهال لدماء الأبرياء، وكأنها تجسيد حي لمعركة أخلاقية قديمة بين نوازع الخير والشر في النفس البشرية. فحين يتغلب الحقد على التسامح، والغرور على التواضع، والجشع على القناعة، والرغبة في الانتقام على فضيلة العفو، يصبح الإنسان، بإرادته واختياراته، أداة في إشعال الفتن التي تلتهمه وتلتهم الآخرين. لكن هل يعني ذلك أن الشيطان قد انتصر بالفعل؟ أم أن البشرية هي التي تفتح له الأبواب كلما تخلت عن ضميرها، وأدارت ظهرها للحكمة، وجعلت من مصالحها الضيقة مبرراً لإيذاء الآخرين؟
إن القول بنجاح الشيطان لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء للإنسان من مسؤوليته، ولا إلى تعليق لأخطاء السياسة على شماعة الغيب. فالشيطان، في الوعي الديني، يوسوس ويغوي، لكن الإنسان يختار، والحاكم يقرر، والجيوش تنفذ، والمؤسسات تتحمل مسؤولياتها. وبين الوسوسة والفعل مسافة تقطعها الإرادة البشرية، بما تحمله من نيات ومصالح وحسابات. لذلك فإن مواجهة الشر لا تكون بمجرد لعنه، بل بإغلاق المنافذ التي يتسلل منها إلى النفوس والعلاقات والدول؛ بالعدل الذي يحد من المظالم، والحوار الذي يطفئ شرارات الخصومة، والوعي الذي يكشف التضليل، والضمير الذي يرفض تحويل الإنسان إلى مجرد رقم في حسابات القوة.
فهل عجز حكام العالم عن طرد الشيطان من عقولهم وقراراتهم، حتى باتت البشرية تدفع أثمان صراعات لا تنتهي؟ لعل السؤال، في عمقه، ليس ما إذا كان الشيطان قد غلب العالم، بل لماذا يسمح الإنسان لنوازع الشر بأن تتقدم على صوت العقل، ولماذا تتحول السلطة، التي يفترض أن تكون أمانة لحماية الشعوب، إلى أداة قد تجرها نحو المجهول؟ إن السلام لا يولد من الأمنيات وحدها، ولا يتحقق برفع الشعارات، وإنما يبدأ حين يدرك أصحاب القرار أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تمتلكه من سلاح، بل بما توفره لشعبها من أمن وكرامة وازدهار، وبما تبديه من قدرة على ضبط النفس، واحترام القانون، والبحث عن حلول تحفظ الحقوق وتمنع سفك الدماء.
ولعل البشرية، وهي تقف على هذا المنعطف التاريخي الحرج، أحوج ما تكون إلى استعادة المعنى الحقيقي للحكمة؛ حكمة تضع الإنسان فوق الحسابات الضيقة، وتستحضر أن الأرض ليست ملكا لجيل واحد، وأن الأوطان لا تزدهر وسط الكراهية، وأن التاريخ لا يرحم من يبددون فرص السلام في سبيل انتصارات عابرة. كما أنها أحوج إلى قادة يدركون أن الشجاعة ليست في إشعال الحروب، بل في إيقافها، وأن الانتصار الأعظم ليس إخضاع الخصم، وإنما تجنيب الشعوب كارثة كان يمكن تفاديها. ويبقى في الذاكرة الدينية قول الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، وهي آية تذكّر بما قد ينشأ بين البشر من عداوة وصراع، لكنها لا تمنح الظلم شرعية، ولا تسلب الإنسان مسؤوليته عن أفعاله، ولا تعني أن السلام مستحيل أو أن الشر قدر لا يمكن مقاومته. فالإنسان، وإن كان عرضة للوسوسة والفتنة، يملك أيضاً قدرة الاختيار، وفضيلة التوبة، وإمكانية الإصلاح، واستعادة إنسانيته حين ينتصر لصوت الضمير.
أما إذا استمرت البشرية في تقديم منطق القوة على قوة المنطق، وفي تمجيد السلاح على حساب الحياة، وفي تأجيج الخصومات بدلاً من إطفائها، فإنها لن تحتاج إلى كثير من الأدلة كي تكتشف أنها تخوض حرباً خاسرة ضد مستقبلها. فالشيطان لا يحتاج إلى أن ينتصر على البشرية بقوة خارقة، إذا كانت البشرية مستعدة لأن تهزم نفسها بيديها. وحين يصبح الإنسان عدواً لأخيه الإنسان، وتغدو الحروب لغة السياسة، والكراهية وقود العلاقات، يكون السؤال الأكثر إلحاحا: هل لا يزال في هذا العالم متسع لصوت العقل، أم أننا ننتظر الكارثة الكبرى كي نتعلم، مرة أخرى، أن السلام ليس ضعفا، وأن الحكمة ليست عبثا، وأن حياة الإنسان أغلى من كل انتصار لا يبقي له ما يستحق الحياة من أجله؟
