بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير -باريس
في السياسة، ثمة رحلات تفسّر المسافة التي يريد صاحبها أن يقطعها بعيدا عن نفسه. وجوردان بارديلا، الذي حل اليوم بمدينة سبتة برفقة سانتياغو أباسكال، زعيم حزب فوكس الإسباني، لا يصل إلى مجرد مدينة على تخوم المتوسط؛ إنه يصل إلى خشبة مسرح، حيث الحدود حاضرة، والهجرة مشتعلة، والذاكرة الفرنسية تطرق بابه بإلحاح لا تستطيع مكبرات الصوت حجبه. اختار الرجل يوم العيد الوطني الإسباني ليجعل من المدينة التي شهدت في 30 يوليو الماضي تدفقا بشريا استثنائيا منبرا لخطابه. يريد أن يقول للإسبان إن حدودهم حدود أوروبا، وإن ما حدث في سبتة ليس أزمة محلية، بل نذير بما ينتظر القارة إن لم تستعد صرامتها. هكذا تتحول المدينة إلى رمز، والبحر إلى متهم، والمهاجر إلى شاهد لا يسمح له بالكلام. أما السياسة، فتجلس في منتصف الصورة، مرتدية ثوب المنقذ. لكن لماذا سبتة الآن، بهذه الرمزية، وفي هذا التوقيت بالذات؟
قبل أيام، كانت الصحافة الاستقصائية الفرنسية قد فجرت قضية أكثر إحراجا لبارديلا من أي موجة عبور حدودية: رسائل خاصة قديمة نسبت إليه، تعود إلى مرحلة مراهقته، وتضمنت، بحسب تحقيقات صحفية، مضامين معادية للسامية ونزعات تآمرية. وقد نشرت وسائل إعلام أدلة قالت إنها تعزز نسبة تلك الرسائل إليه، فيما ينفي بارديلا صحتها ويصف الاتهامات بالتلفيق، معلنا اللجوء إلى القضاء. نحن هنا أمام اتهامات متنازع عليها، لا أمام حكم قضائي نهائي. لكن السؤال السياسي والأخلاقي يظل قائما: كيف يمكن لمشروع سياسي جعل من تطبيع صورته شرطا للوصول إلى السلطة أن يتعامل مع ماض يهدد هذه الصورة؟
هنا تتجاور صورتان على نحو يستحق التأمل: في فرنسا، أسئلة محرجة عن الماضي؛ وفي سبتة، خطاب مرتفع عن الحدود والسيادة ومستقبل أوروبا. في الأولى، يطلب من بارديلا أن يجيب عما نسب إليه؛ وفي الثانية، يريد أن يكون هو من يطرح الأسئلة على الآخرين. هناك من يفتش في ذاكرته، وهنا من يفتش في جيوب المهاجرين عن تفسير لأوجاع القارة. هل هي مصادفة سياسية بريئة؟ لا نملك دليلا يسمح بالجزم بأن زيارة سبتة صممت بقصد صرف الأنظار عن القضية. لكن من حقنا أن نسأل عن وظيفة هذا التوقيت، وعن قدرة السياسي على نقل مركز النقاش من مساءلة شخصه إلى استثارة خوف جماعي، ومن أسئلة محرجة عن المصداقية إلى مشهد حدودي يستطيع أن يقف فيه بهيئة الحارس.
إنها حيلة قديمة في تاريخ السياسة: حين يصبح المرء موضوع السؤال، يحاول أن يصبح صاحب السؤال. وحين تضيق عليه الذاكرة، يوسع الجغرافيا حتى تبتلعها. لا يحتاج، إعلاميا، إلى أن يجيب عن كل سؤال في ميدان الاتهام بقدر ما يحتاج إلى مشهد جديد يذكر جمهوره بأنه رجل النظام في عالم الفوضى. لكن هل تغسل الحدود الذاكرة؟ وهل يستطيع خطاب السيادة أن يتحول إلى صك براءة أخلاقية؟ إن الدفاع عن حدود إسبانيا لا يجيب عن الأسئلة المتعلقة بماض سياسي مثير للجدل، مثلما أن مواجهة معاداة السامية لا تعني التساهل مع الهجرة غير النظامية. لكل قضية أدلتها ومعاييرها، والخلط بينها لا يصنع الحقيقة؛ إنه يصنع الضباب الذي يختبئ فيه السياسي حين تشتد الإضاءة.
والمفارقة أن بارديلا، وهو يرفع شعار حماية أوروبا من المهاجرين، يريد من الجمهور أن يرى في سبتة امتحانا للحضارة الأوروبية، لا امتحانا لقدرة الحكومات على إدارة الحدود من دون تحويل البشر إلى كتل من الخطر. نعم، للدول حق تنظيم الدخول وحماية أمنها وتطبيق قوانينها. لكن هل يكفي أن نرد كل اضطراب إلى المهاجر كي نبرئ الاقتصاد من اختلالاته، والتعليم من أزماته، والسياسة من عجزها عن بناء الثقة؟ أيمكن أن يكون القادم من الضفة الأخرى مسؤولا عن كل ما لم تستطع الضفة الأوروبية إصلاحه داخل بيتها؟
ثم إن سبتة ليست ملكية انتخابية لليمين المتطرف. إنها مدينة إسبانية ذات وضع قانوني معروف، وفضاء جغرافي شديد التعقيد، حيث تتقاطع السيادة مع الهجرة، والتعاون الأمني مع المصالح المتبادلة بين مدريد والرباط. والمغرب ليس ممرا صامتا في خريطة أوروبية، ولا حارسا مستأجرا لبوابة القارة؛ إنه دولة ذات سيادة وشريك في ملفات استراتيجية تشمل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. ومن يريد تعاونا مغربيا موثوقا لا يستطيع أن يجعل العلاقة مجرد سلسلة من الاتهامات والمطالب، ثم يتصرف كأن الجغرافيا لا تمنح الطرف الآخر حقا في المصالح والاحترام. أما السؤال الأكثر إزعاجا لبارديلا، فليس إن كان سيشدد خطابه بشأن الهجرة، بل إن كان يطبق على نفسه المعيار الأخلاقي الذي يطالب الآخرين بالخضوع له. كيف يستقيم أن يرفع سياسي راية حماية أوروبا من التهديدات، فيما يواجه حزبه أسئلة جدية حول قدرته على القطيعة مع موروثات العنصرية ومعاداة السامية؟ وكيف تتحول الهوية إلى امتحان قاس للآخرين، بينما يصبح الماضي الشخصي مجرد سوء تفاهم حين يقترب من أصحاب السلطة؟
لا ينبغي أن تكون هذه الأسئلة إدانة مسبقة، ولا يجوز أن تحل البلاغة محل القضاء. لكنها أسئلة مشروعة، خصوصا أن التجمع الوطني جعل من إعادة تقديم صورته شرطا لعبوره إلى السلطة، وأن أي تناقض بين خطابه المعلن وماضي قياداته يمس جوهر هذا المشروع، لا هامشه. ربما لا يريد بارديلا من سبتة أن تكون مجرد حدود، بل مرآة كبيرة يطل منها على ناخبيه، فيرون فيه حارسا لأوروبا لا رجلا تطارده أسئلة عن ماضيه. غير أن المرآة السياسية قد تكون خادعة: إنها تكبر ما يريد صاحبها إظهاره، وتصغر ما يخشى أن يراه الجمهور. سيغادر بارديلا سبتة، لكن الصور لا تجيب عن الأسئلة، والأسوار لا تنهي التاريخ، والبحر لا يستطيع أن يحمل إلى الأبد كل ما تريد السياسة إلقاءه في أعماقه. ويبقى السؤال: أيريد بارديلا أن يحمي أوروبا من أزمة الهجرة، أم أن أزمة الهجرة تمنحه فرصة للابتعاد عن أزمة صورته؟
لا نحتاج إلى افتراض مؤامرة كي نطرح السؤال، ولا إلى حكم قضائي كي نطالب بالاتساق الأخلاقي. يكفي أن نراقب كيف ينتقل السياسي من موقع المتهم في نقاش عام إلى موقع المنقذ في مشهد آخر. فأخطر الحدود ليست تلك التي يعبرها المهاجرون في ليلة مضطربة؛ بل تلك التي يرسمها السياسي بين ماض لا يريد مناقشته وحاضر يريد احتكاره. وهناك، في تلك المنطقة المعتمة، قد لا يكون الخطر القادم من البحر هو ما ينبغي لأوروبا أن تخشاه أكثر من غيره، بل أن تتعلم كيف تنظر إلى البحر كي لا تضطر إلى النظر في المرآة.
