حكاية من ذاكرة البوادي المغربية في ستينيات القرن الماضي
عبد الله شوكا, كاتب وصحافي مغربي
كانوا أطفالا في طريقهم إلى المدرسة، يحملون على ظهورهم محافظ صغيرة، وفي بطونهم جوعًا أكبر من أعمارهم. لم تكن أحلامهم تشبه أحلام الأطفال اليوم؛ لم يكونوا يتمنّون لعبة جديدة، ولا ثوبا أنيقا، ولا رحلة إلى مكان بعيد. كان لهم أمنية واحدة، غريبة في ظاهرها، موجعة في حقيقتها: أن تنقلب شاحنة محمّلة بالليمون على الطريق، فيعثروا بين حطامها على ما يسدّ رمقهم، ويطفئ قليلا نار الجوع التي كانت تنهش أحشاءهم. هكذا، في مفارقة تختصر قسوة الحياة وبؤس الحاجة، تحوّل انقلاب الشاحنات في مخيّلة أولئك الصغار من حادثة تُخيف الناس وتستدعي الفزع إلى رجاء خفيّ، ومن خطر يهدّد الحياة إلى فرصة عابرة قد تمنحهم ما لم تكن بيوتهم الفقيرة قادرة على توفيره. لم يكن الأطفال يتمنّون الكارثة لذاتها، بل كانوا يتطلّعون، من وراء ذلك التمنّي البريء والموجع، إلى ثمرة تسدّ جوعا لم يكن يعرف العطل ولا الإجازات.
تعود الحكاية إلى ستينيات القرن الماضي، حين كانت المدرسة في بوادي المغرب امتيازًا بعيد المنال، لا مؤسسة قريبة من كل دوّار، ولا مرفقًا يتاح للأطفال بمجرد خروجهم من عتبات بيوتهم. كانت المدارس قليلة، متمركزة في القرى والتجمعات السكانية الكبرى، بينما تظل الدواوير المتناثرة في عمق البادية معلّقة على مسافات شاسعة من أقرب فصل دراسي. وكان الوصول إلى المعرفة يقتضي، قبل فتح الكتاب، اجتياز امتحان يومي في الصبر، ومقاومة التعب، والتغلّب على الجوع. لم تكن الطريق إلى المدرسة مجرّد مسافة تُقاس بالكيلومترات، بل كانت رحلة شاقة يقطعها التلاميذ ذهابا وإيابا على الأقدام، في الحرّ والبرد، تحت شمس الصيف أو في مواجهة قسوة الخريف والشتاء. وكانت المحافظ المدرسية، التي يُفترض أن تحمل الكتب والدفاتر وأدوات التعلّم، تخفي في كثير من الأحيان فقرًا لا يحتاج إلى شرح: قطعة خبز يابس، هي كل الزاد، وكل ما يمكن أن يتّكئ عليه الطفل طوال يومه الدراسي.
خبز جافّ لا يردّ جوعا، ولا يمنح جسدا صغيرا ما يحتاج إليه من طاقة، لكنه كان، في واقع تلك المرحلة، زادا يحمل بقدر ما تسمح به إمكانات الأسرة. لم تكن هناك وجبات مدرسية، ولا مقاصف تبيع الطعام، ولا وسائل نقل تختصر المسافات. كان على التلميذ أن يقطع الطريق بجسده النحيل، وأن يصغي إلى الدرس بعقل أنهكه الجوع، وأن يعود إلى بيته كما جاء، حاملًا في حقيبته ما تبقّى من يومه، وفي داخله ما تراكم من تعب. وفي قلب هذه الذاكرة، تبرز المدرسة المركزية بقرية مشرع بن عبو، التابعة لإقليم سطات، بوصفها فضاء جمع أبناء دواوير متفرقة من منطقتي الرحامنة والشاوية. منطقتان متجاورتان، لا يفصل بينهما سوى نهر أم الربيع، لكنهما كانتا تلتقيان، عند عتبة المدرسة، في حكاية واحدة من مشقّة التعلّم ومقاومة الحرمان.
كان تلاميذ دواوير الرحامنة يشقّون طريقهم نحو مشرع بن عبو، ويعودون منها مشيًا على الأقدام، بمحاذاة الطريق الوطنية رقم 9، التي تصل الدار البيضاء وسطات بمراكش. طريق حيوية تعبرها الشاحنات والسيارات، وتختلط على امتدادها حركة المسافرين بإيقاع الحياة اليومية في البادية. غير أن ما كان يمرّ فوق تلك الطريق لم يكن، في أعين الأطفال الجائعين، مجرد مركبات عابرة؛ فقد كان بعضه يحمل، من حيث لا يدري أصحابه، احتمال وجبة طال انتظارها. مع حلول فصل الخريف، كانت الشاحنات المحمّلة بالليمون تكثر على الطريق، متجهة بثمارها إلى الأسواق ووجهات التوزيع. وكانت الحمولة الصفراء، المكدّسة في الصناديق وعلى متن الشاحنات، تثير في نفوس أولئك الصغار شعورا يتجاوز الرغبة العادية في تذوّق الفاكهة. فالليمون، الذي يراه غيرهم سلعة عابرة في طريقها إلى السوق، كان في مخيّلتهم طعاما محتملا، وفرصة نادرة لملء بطون لم تعرف الشبع إلا قليلا. ومن هنا وُلدت الأمنية التي تختصر الحكاية كلّها: ليت شاحنة من شاحنات الليمون تنقلب في الطريق!
يا للمفارقة التي تختزنها هذه الأمنية! أطفال يذهبون إلى المدرسة طلبا للعلم، لكن جزءا من انتباههم يظل معلّقا باحتمال حادثة قد تمنحهم ما عجزت عنه موائد بيوتهم. كانوا يعرفون أن انقلاب الشاحنة ليس أمرا هيّنا، وأن الطريق قد تبتلع الأرواح كما تبتلع المسافات خطوات العابرين، غير أن وطأة الجوع كانت تدفع مخيّلتهم الصغيرة إلى بناء رجاء غريب على هامش الخطر. لم تكن لديهم القدرة على تغيير واقعهم، فابتكروا، على طريقتهم، حلما بحجم حاجتهم. ولم تكن أمنيتهم منفصلة عن تضاريس المكان. فعند مدخل قرية مشرع بن عبو من جهة الرحامنة، كان يوجد منعرج خطير اشتهر آنذاك بكثرة حوادث السير. كان السائقون يعبرونه بحذر، فيما ظلّ ذلك المنعرج حاضرا في ذاكرة المنطقة بوصفه نقطة تتكرّر عندها الحوادث. وفي وقت لاحق، تدخلت مصالح الأشغال العمومية لإصلاح الطريق وإزالة خطورته، فخفّفت بذلك من خطر كان يهدّد مستعمليها.
لكن قبل أن تمتدّ يد الإصلاح إلى ذلك المنعرج، كان الأطفال يمرّون بمحاذاته، وفي دواخلهم رجاء لا يجرؤون، ربما، على الإفصاح عنه أمام الكبار: أن تسقط إحدى شاحنات الليمون، وأن تتناثر حمولتها على الأرض، فيكون لهم من الثمار المتساقطة نصيب. وحين كانت إحدى تلك الشاحنات تنقلب بالفعل، كان المشهد يفتح أمامهم نافذة ضيّقة على ما افتقدوه طويلا. تتناثر حبات الليمون، وتتحطّم بعضها تحت ثقل الحمولة، وتتبعثر الثمار على جنبات الطريق. وبين البقايا التي خلّفها الحادث، كان التلاميذ يعثرون على أطراف من حبات الليمون، فيلتقطونها ويأكلونها، غير عابئين بما أصابها من فساد، ولا بما قد يكون علق بها من أوساخ الطريق. كان الجوع، في تلك اللحظات، أقوى من الاشمئزاز، وأبلغ من التحذير، وأقدر على إسكات كلّ حسابات السلامة والصحة. وكان برد الخريف يساعد على بقاء بعض البقايا مدة أطول، فتتحوّل الثمار المتناثرة إلى زاد عابر يستعين به هؤلاء الأطفال على مواصلة يومهم.
لم يكن الأمر وليمة، ولا حتى وجبة مكتملة؛ كان مجرد فتات من نعمة ضائعة، يلتقطه أطفال من أرض الطريق، ثم يحملون أثره في ذاكرتهم عقودًا طويلة. ولعلّ أكثر ما يوجع في هذه الصورة أن الليمون، بمرارته وحموضته، كان يمنحهم شيئا من الشبع، بينما كانت الحياة، بكل ما فيها من اتساع، تضيق بهم حتى لا تترك لهم سوى بقايا حمولة شاحنة منقلبة. ومع ذلك، لم تتوقّف الحكاية عند الجوع، ولم تنته عند جنبات الطريق. فقد مضت السنوات، وكبر أولئك الصغار، وابتعدت بهم الحياة عن دواويرهم القديمة، وتفرّقت بهم السبل في دروب العمل والمسؤوليات. نجح بعضهم في حياته، وحصلوا على وظائف، وشقّوا لأنفسهم مسارات مهنية واجتماعية، فيما بلغ بعضهم سنّ التقاعد، بعد أن طووا صفحات طويلة من الكفاح والعمل. لكن الذاكرة لا تتقاعد.
كلّما جمعتهم الظروف في لقاء، عادت بهم الأحاديث إلى تلك الأيام البعيدة، إلى المدرسة المركزية بمشرع بن عبو، وإلى المسافات التي كانوا يقطعونها بأقدام صغيرة، وإلى الخبز اليابس الذي كان زادهم اليومي، وإلى الطريق الوطنية رقم 9، حيث كانت شاحنات الليمون تمرّ محمّلة بثمارها، فيما كانوا يراقبونها بعيون تخفي أكثر مما تُهر. ثم تعود الأمنية القديمة، فتطفو على سطح الحديث، وقد غلّفتها السنوات بشيء من الدعابة، من غير أن تنزع عنها مرارتها الأولى. يبتسمون وهم يستعيدون كيف كانوا يتمنّون انقلاب الشاحنات، وكيف كانت بقايا الليمون تبدو لهم يومئذٍ أشبه بكنز صغير. وربما ضحكوا من غرابة تلك الأمنية، لكنّ ضحكاتهم كانت تحمل، في أعماقها، صدى الجوع الذي عاشوه، والحرمان الذي لم يستطيعوا التعبير عنه وهم أطفال.
إنّ الإنسان، حين يستعيد ماضيه، لا يتذكّر الوقائع وحدها؛ إنه يستعيد معها مشاعره الأولى، وخوفه القديم، وأحلامه التي كانت تتّسع بقدر حاجته وتضيق بقدر ما يفرضه عليه الواقع. ولهذا ظلّت حكاية شاحنات الليمون حيّة في وجدان أولئك الرجال، لا لأنّها تحكي عن فاكهة تناثرت على الطريق، بل لأنها تحفظ صورة زمن كامل، زمن كان فيه الحصول على ما يسدّ الجوع أمنية تستحقّ أن تُروى، وكانت المدرسة، على بعدها ومشقّتها، نافذة يرجو منها الأطفال مستقبلا أكثر رحمة من حاضرهم. ولعلّ المفارقة الأعمق أن أولئك الذين كانوا يتمنّون حادثة على الطريق، لا رغبة في الأذى، بل توقا إلى لقمة، استطاعوا، رغم الفقر وبعد المسافة وقسوة الظروف، أن يواصلوا السير في اتجاه المدرسة، وأن يعبروا سنوات الحرمان إلى حياة مهنية واجتماعية أفضل. لقد كانت الطريق التي أنهكت أجسادهم الصغيرة جزءا من الطريق التي صنعت صلابتهم، وكانت قطعة الخبز اليابس التي لم تكف لإسكات جوعهم شاهدا على عزيمة لم تستطع الحاجة أن تطفئها.
إنّ هذه الحكاية ليست مجرّد استعادة لذكرى من ذكريات البادية المغربية في ستينيات القرن الماضي، بل هي شهادة إنسانية على علاقة الفقر بالتعليم، وعلى الثمن الذي دفعه أطفال الأمس كي يصلوا إلى المعرفة. وهي أيضا تذكير بأنّ المدرسة لم تكن دائما قريبة من البيوت، وأنّ الجلوس إلى مقاعد الدراسة لم يكن، بالنسبة إلى كثيرين، أمرا بديهيا، بل كان ثمرة مشي طويل، وجوع صامت، وإرادة تتجدّد كلّ صباح. ومن هنا، فإنّ استحضار هذه الذاكرة موجّه كذلك إلى الأجيال الحالية، لا بقصد لومها أو التقليل من شأن تحدّياتها، بل لدعوتها إلى تأمّل المسافة التي قطعتها المجتمعات في سبيل جعل التعليم أكثر قربا ويسرا. لقد تغيّرت الظروف في كثير من المناطق، وأصبحت المدرسة أقرب إلى عدد أكبر من الأطفال، وتوافرت وسائل وأدوات لم تكن متاحة لأسلافهم. غير أنّ تيسير الوصول إلى المدرسة لا يكفي وحده لضمان تقدير قيمتها، كما أنّ وفرة الوسائل لا تتحوّل تلقائيا إلى رغبة في التعلّم، ما لم تصحبها تربية على المسؤولية، وإدراك لما يفتحه العلم من آفاق.
وليس من الإنصاف أن نختزل واقع التلاميذ اليوم في صورة واحدة، أو أن نفترض أنّ كلّ شيء متاح لهم؛ فما زالت هناك تحدّيات اجتماعية وتربوية واقتصادية تختلف باختلاف البيئات والأسر. لكنّ المقارنة بين جيل الأمس وجيل اليوم تظلّ مفيدة حين تُستعمل لفهم قيمة ما تحقق، واستشعار ما لا يزال مطلوبا، وترسيخ الامتنان للفرص التي كانت بعيدة عن متناول كثيرين في الماضي. لقد كان أولئك الأطفال يقطعون المسافات الطويلة من أجل المدرسة، ويحملون الخبز اليابس في محافظهم، ويجدون في بقايا الليمون ما يساعدهم على احتمال الجوع. لم تكن أحلامهم كبيرة بمقاييس الطفولة، لكنها كانت كبيرة بمقاييس الحاجة. واليوم، حين نستعيد حكايتهم، لا نريد أن نجعل من الحرمان فضيلة، ولا من الجوع درسا ينبغي أن يتكرّر، بل أن نؤكد أنّ حقّ الطفل في التعليم لا ينبغي أن يكون مشروطا بقدرته على تحمّل المشقة، وأنّ الكرامة الإنسانية تقتضي ألّا يضطرّ تلميذ إلى انتظار انقلاب شاحنة كي يجد ما يأكله.
هكذا بقي الليمون في ذاكرة أولئك الرجال أكثر من مجرّد فاكهة. صار علامة على زمن كان الجوع فيه يرافق الأطفال إلى المدرسة، وعلى طفولة وجدت في حطام الطريق ما لم تجده على مائدة البيت. وبين ضحكة تستعيد أمنية قديمة وغصّة تستحضر ما وراءها، تستمرّ الحكاية في تذكيرنا بأنّ بعض الذكريات لا تشيخ، لأنّها لا تحفظ ما حدث فحسب، بل تحفظ أيضا ما كان ينبغي ألّا يحدث. ولعلّ أصدق ما يمكن أن نختم به هذه الحكاية هو أنّ هؤلاء التلاميذ لم يكونوا يتمنّون انقلاب الشاحنات لأنّهم أحبّوا الحوادث، بل لأنّهم كانوا جائعين؛ ولم تكن بقايا الليمون غايتهم، بل كانت وسيلتهم المؤقتة إلى احتمال يوم آخر من أيام الطفولة الشاقّة. أمّا ما يستحقّ أن يبقى من حكايتهم، فهو إصرارهم على مواصلة الطريق إلى المدرسة، حتى حين كانت الطريق نفسها تمتحن أجسادهم الصغيرة، وحين لم يكن في محافظهم سوى كتاب أو دفتر وقطعة خبز يابس، وفي قلوبهم أمل لم تستطع سنوات الحرمان أن تنتزعه. تلك هي حكاية التلاميذ الذين تمنّوا انقلاب شاحنات الليمون: حكاية جوع صار ذكرى، وذكرى صارت شهادة، وشهادة تستحقّ أن تروى للأجيال، لا لكي تحزن على ماض مضى فحسب، بل لكي تدرك قيمة الحاضر، وتعمل من أجل مستقبل لا يضطرّ فيه طفل إلى أن يحلم بحادثة كي يشبع، ولا أن يقطع طريق الحرمان كي يصل إلى حقّه في التعلّم.
