حرب الورديات وتحول الاستنزاف المتبادل إلى استراتيجية رابحة لإيران

مذكرة في الاستنزاف غير المتكافئ، وحروب الوكالة، ومأزق المعادلة الصفرية في اليمن والبحر الأحمر.

بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس

في الحروب التي تتساوى فيها الضربات ظاهريا، لا تتساوى الخسائر بالضرورة، ولا تتعادل الكلفة مع الأثر، ولا يكون الطرف الأكثر تعرضاً للقصف هو بالضرورة الطرف الأقرب إلى الهزيمة. فثمة حروب لا تستهدف حسم المعركة بقدر ما تستهدف استنزاف قدرة الخصم على الاستمرار؛ حروب يصبح فيها الصمود بديلاً من النصر، وتعويض الخسائر أهم من منع وقوعها، ويغدو الزمن سلاحاً استراتيجياً في يد الطرف الأقل كلفة والأكثر استعدادا لتحمل الفوضى. هذه هي، في جوهرها، حرب الورديات: معادلة استنزاف متبادل، يتناوب فيها الخصوم على الضغط، ويتبادلون الحصار بالقصف، والميناء بالميناء، والمطار بالمطار، من دون أن يقتربوا بالضرورة من تسوية سياسية أو حسم عسكري. إنها حرب تستمر لأن كل طرف يستطيع إلحاق الضرر بخصمه، لكنها تطول لأن أياً منهم لا يستطيع تحويل هذا الضرر وحده إلى انتصار نهائي.

وفي اليمن والبحر الأحمر، تكتسب هذه المعادلة خطورتها من التفاوت الكبير بين أطرافها. فالدولة التي تدير اقتصادا وبنية تحتية وشبكات تجارة ومطارات وموانئ، ليست كقوة مسلحة تستطيع الاحتماء بالتضاريس، وتوزيع قدراتها، وتحويل استمرار الصراع نفسه إلى دليل على بقائها. وعندما يتكرس هذا التفاوت، لا تعود الحرب مجرد مواجهة بين قدرات عسكرية؛ بل تتحول إلى اختبار لقدرة المجتمعات والدول على تحمل الكلفة، ولقدرة القوى غير الحكومية على نقل الخسائر من بنيتها العسكرية إلى البيئة المدنية المحيطة بها.

أولا: من تبادل الضربات إلى تبادل الاستنزاف

تقوم معادلة الورديات على منطق يبدو بسيطاً: إذا فُرض الضغط على ميناء، جاء الرد على ميناء آخر؛ وإذا أُغلق مطار، استُهدف مطار مقابل؛ وإذا حُوصرت منطقة، جرى الضغط على منطقة أخرى. وهكذا تتوالى الإجراءات والردود، ويصبح الرد على الخصم غاية قائمة بذاتها، بدلاً من أن يكون وسيلة لتحقيق هدف سياسي قابل للقياس.في السياق اليمني، تتداخل هذه المعادلة مع القيود المفروضة على حركة الموانئ والمطارات، والهجمات التي تستهدف البنية التحتية، والضغوط العسكرية على مناطق النفوذ المتقابلة، فضلاً عن الدور الإقليمي الذي تؤديه إيران عبر علاقتها بجماعة الحوثيين.

لكن ينبغي التمييز بين الوقائع العسكرية المحددة، التي تحتاج إلى توثيق كلٍّ على حدة، وبين النموذج الاستراتيجي الذي يجمعها. فليس كل حصار ردا على حصار، ولا كل هجوم جزءاًمن خطة مركزية واحدة. ومع ذلك، فإن تكرار منطق الرد بالمثل قد ينتج، حتى في غياب غرفة عمليات موحدة تدير جميع التفاصيل، حلقة استنزاف تتغذى على نفسها. المشكلة أن هذه الحلقة لا تقيس النجاح بمدى الاقتراب من السلام، بل بمدى القدرة على إيلام الطرف الآخر. وعندما يصبح إلحاق الضرر معياراً للإنجاز، تتراجع قيمة المكاسب السياسية، ويصبح استمرار الحرب مكسباً تكتيكياً لبعض الأطراف، حتى عندما يكون خسارة استراتيجية للمجتمع بأكمله. إن أخطر ما في حرب الورديات ليس تبادل الضربات، بل تحوّل تبادل الضربات إلى بديل من الاستراتيجية.

ثانيا: لماذا لا تتوزع كلفة الاستنزاف بالتساوي؟

في الحساب العسكري التقليدي، يُفترض أن يؤدي استمرار الضغط إلى إنهاك الأطراف المتحاربة بصورة متقاربة. غير أن حروب الاستنزاف غير المتكافئة تكسر هذه القاعدة؛ إذ تختلف قدرة كل طرف على تحمل الخسائر، وتعويض المعدات، وحماية اقتصاده، وإقناع جمهوره بجدوى الاستمرار. تواجه المملكة العربية السعودية، بحكم طبيعة الدولة الحديثة وتشابك مصالحها الاقتصادية، معادلة مختلفة عن تلك التي تواجهها جماعة مسلحة تعمل في بيئة يمنية مدمرة. فالمملكة معنية بأمن السكان والمنشآت الحيوية، واستمرارية النقل والطاقة والتجارة، والحفاظ على ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين. وكل تهديد جدي لهذه المصالح يمكن أن يفرض كلفة أمنية واقتصادية وسياسية تتجاوز قيمة السلاح المستخدم في الهجوم. أما الجماعة المسلحة، فقد تتمكن من الاستمرار بقدرات أقل، وبنية أكثر تشتتاً، وتوقعات أدنى بشأن مستوى الخدمات والرفاه الذي ينبغي توفيره للسكان الخاضعين لسيطرتها. وهذا لا يعني أنها لا تتكبد خسائر، أو أن بنيتها محصنة من الانهيار؛ بل يعني أن معيار بقائها يختلف عن معيار استقرار الدولة. لكن التفاوت لا يقتصر على الرياض وصنعاء أو صعدة. فالدولة اليمنية نفسها تدفع ثمناً بالغاً، فيما يتحمل المدنيون العبء الأكبر من انهيار الاقتصاد، وتعطل الخدمات، وتراجع فرص العمل، وارتفاع تكاليف النقل والغذاء والدواء.

وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية والاستراتيجية: قد تتمكن جماعة مسلحة من إعلان الصمود بعد سنوات من الحرب، بينما يكون المجتمع الذي تزعم الدفاع عنه قد خسر جانباً كبيراً من مقومات الحياة الطبيعية. لا يعني ذلك أن الحوثيين لا يتأثرون بالضغط، أو أن الحصار لا يفرض عليهم كلفة. فالجماعة تحتاج إلى الموارد، وشبكات الإمداد، والتمويل، والقدرة على إدارة مناطق سيطرتها، كما أن خسائرها البشرية والعسكرية ليست معدومة. لكن الأثر النهائي لأي ضغط يعتمد على كيفية توزيعه: هل يصيب القدرات العسكرية وشبكات الإمداد، أم يتركز على السكان الذين يملكون أقل قدرة على التأثير في القرار؟ والحصار الذي يوسع معاناة المدنيين من دون أن يغير حسابات القيادة العسكرية قد يتحول إلى عبء سياسي وأخلاقي على فارضيه، بدلاً من أن يكون أداة حاسمة لإجبار الخصم على التراجع.

ثالثا: إيران والرابح من إطالة أمد الصراع

في قلب هذه المعادلة يبرز الدور الإيراني. فطهران تنظر إلى علاقاتها مع القوى المسلحة الحليفة في المنطقة بوصفها أحد مكونات الردع الإقليمي وتوسيع مجال نفوذها، فيما يمثل الحوثيون طرفاً محلياً يمتلك أجندته الخاصة، وحساباته اليمنية، ومصادر قوته الداخلية. ومن الخطأ، في التحليل الجاد، اختزال الحوثيين إلى مجرد أداة بلا إرادة مستقلة. لكن من الخطأ المقابل أيضاً تجاهل ما تتيحه العلاقة مع إيران من دعم تقني وعسكري وخبرات وشبكات إمداد، وما يمكن أن تحققه هذه العلاقة من مكاسب استراتيجية لطهران.

إن قيمة هذا النموذج بالنسبة إلى إيران لا تُقاس فقط بكلفة الدعم الذي تقدمه، بل أيضاً بالكلفة التي يفرضها استمرار التهديد على خصومها. فكلما اضطرت الدول المقابلة إلى تخصيص مزيد من الموارد للدفاع الجوي، وحماية الملاحة، وتأمين المنشآت الحيوية، ارتفعت كلفة الردع، حتى عندما لا تقع أضرار مادية كبيرة. لكن الأرقام المتداولة بشأن إنفاق إيراني شهري محدد، مثل تقدير أربعين مليون دولار، مقابل إنفاق مليارات لدى الطرف المقابل، لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة من دون مصادر مستقلة توضح منهجية الحساب، والفترة الزمنية، وما إذا كانت تشمل الإنفاق المباشر وغير المباشر. الأهم من الرقم هو بنية المعادلة نفسها: قد تنفق الدولة أكثر بكثير على منع الضرر مما تنفقه الجهة المسلحة على إحداثه. وهذا هو جوهر عدم التكافؤ في الاستنزاف.

مع ذلك، فإن وصف إيران بأنها الرابح الوحيد يحتاج إلى تدقيق. فطهران قد تحقق مكاسب نفوذ وردع، لكنها تتحمل بدورها مخاطر التصعيد، وتكاليف الدعم، واحتمالات توسع المواجهة، وما قد ينجم عنها من ضغوط اقتصادية ودبلوماسية أو ضربات تطال مصالحها وحلفاءها. لذلك، فإن الصياغة الأدق هي أن استمرار حرب الورديات قد يمنح إيران مكاسب استراتيجية غير متناسبة مع كلفة دعمها، من دون أن يجعلها بمنأى عن الخسائر أو المخاطر. إن نجاح هذا النموذج لا يتطلب انتصار الحليف المحلي في معركة فاصلة؛ يكفي أحياناً أن يبقى قادراً على تعطيل خصمه، ورفع تكلفة أمنه، ومنع استقرار البيئة الإقليمية المحيطة به.

رابعا: الميناء والمطار ليسا هدفين عسكريين فحسب

حين يتحول الميناء إلى ورقة ضغط، والمطار إلى رسالة ردع، فإن الحرب تتجاوز المنشآت ذاتها لتطال شبكة الحياة التي تعتمد عليها المجتمعات. في اليمن، لا يمكن فصل الموانئ والمطارات عن تدفق الغذاء والدواء والوقود، وعن حركة المسافرين والمرضى والطلاب والعمال. كما أن تعطلها يرفع تكاليف النقل، ويعمق اختلال الأسواق، ويزيد اعتماد السكان على شبكات المساعدة والاقتصاد غير الرسمي. أما في السعودية، فإن استهداف المطارات أو المنشآت الحيوية يحمل أبعاداً أمنية واقتصادية ورمزية، لأنه يختبر قدرة الدولة على حماية بنيتها التحتية وضمان استمرار الحياة الاقتصادية. وفي البحر الأحمر، يمتد الأثر إلى شركات الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

وهكذا تتولد حلقة معقدة: يستهدف طرف منشأة للضغط على خصمه؛ فيرد الطرف الآخر بإجراء مماثل؛ فتتسع دائرة المخاطر، وتتزايد تكاليف الحماية والتأمين، ويدفع المدنيون والاقتصادات المحلية جزءاً من الفاتورة. لكن يجب ألا تختلط المفاهيم. فالإغلاق الإداري للمطار، والحصار البحري، والهجوم الصاروخي، وتعطيل الملاحة ليست أفعالا متماثلة تلقائياً من الناحية القانونية أو العسكرية. لكل منها ظروفه وأهدافه وآثاره، ويجب تقييمه وفق الوقائع والقانون الدولي الإنساني والقانون الواجب التطبيق. كما أن المنشآت المدنية لا تفقد حمايتها القانونية لمجرد وجودها في بيئة نزاع، ولا يجوز تحويل معاناة السكان إلى وسيلة ضغط بلا حدود. من هنا، فإن أي استراتيجية تسعى إلى إنهاء حرب الورديات يجب أن تقيس نجاحها ليس فقط بعدد الهجمات التي مُنعت، بل أيضا بقدرتها على إعادة فتح مسارات الإغاثة، واستعادة الحركة التجارية، وتقليص المخاطر التي تهدد المدنيين. فالميناء الذي يعود إلى العمل ليس مجرد منشأة تستعيد نشاطها؛ إنه شريان اقتصادي يُنتزع من منطق الحرب ويُعاد إلى منطق الحياة.

خامسا: درس لبنان… الصمود بديلا من الحل

تقدم التجربة اللبنانية، ولا سيما حرب عام 2006 وما تلاها من أزمات، مادة مهمة لفهم العلاقة بين الردع والاستنزاف. فقد أظهرت المواجهة آنذاك أن قدرة طرف مسلح على الاستمرار تحت القصف لا تعني بالضرورة أن المجتمع الذي يعيش في محيطه قد حقق مكاسب استراتيجية مماثلة. كما أظهرت السنوات اللاحقة أن الاحتفاظ بقدرات عسكرية لا يحل تلقائياً أزمات الدولة والاقتصاد والشرعية والمؤسسات. فلبنان دخل في أزمة مالية واقتصادية عميقة، لكن تفسير انهياره لا يمكن اختزاله في عامل واحد أو تحميله للحرب وحدها؛ إذ تداخلت فيه اختلالات الحكم، والفساد، وأزمة النظام المالي، والانقسامات السياسية، والصدمات الإقليمية.

وهذا التمييز ضروري عند المقارنة باليمن. فالدرس ليس أن كل جماعة مسلحة ستنتصر لأنها تتحمل الخسائر، أو أن كل دولة ستنهار لأنها تمتلك اقتصاداً أكبر، بل أن الصمود العسكري قد يتحول إلى فخ حين لا يرتبط بمسار سياسي يعيد بناء الدولة والمجتمع. يمكن لطرف أن يمنع خصمه من تحقيق نصر سريع، لكنه يعجز في الوقت نفسه عن بناء نظام مستقر. ويمكن لدولة أن تمتلك تفوقاً عسكريا واضحا، لكنها تفشل في تحويل هذا التفوق إلى تسوية قابلة للحياة. وفي الحالتين، يصبح الزمن سلاحا ذا حدين: يستنزف الخصم، لكنه يستنزف المجتمع أيضا. ولهذا فإن استعارة «المطار بالمطار» أو «الميناء بالميناء» لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها وصفاً حرفياً لكل ما جرى في لبنان، بل باعتبارها تحذيراً من منطق يجعل الرد بالمثل بديلاً من استراتيجية سياسية تنهي الصراع.

سادسا: القرار 2216 …ضرورة سياسية لا وصفة سحرية

يظل قرار مجلس الأمن رقم 2216، الصادر في أبريل 2015، أحد المراجع الدولية الأساسية في الملف اليمني. وقد تناول الانقلاب الحوثي، وطالب الحوثيين بالانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها، وتسليم الأسلحة التي استولوا عليها من مؤسسات الدولة، واتخذ تدابير تتعلق بالأفراد والجهات المشمولة به. لكن استدعاء القرار وحده لا يكفي لتقديم استراتيجية لإنهاء الحرب. فالقرارات الدولية تحتاج إلى شروط سياسية وأمنية ومؤسسية تسمح بتنفيذها، كما أن مسار التسوية اليمنية تطور عبر سنوات من الحرب والمفاوضات والهدن والتفاهمات الإقليمية.

إن تطبيق القرار ينبغي أن يكون جزءا من مسار يعيد بناء مؤسسات الدولة، ويضمن مشاركة سياسية قابلة للاستمرار، ويعالج مسألة السلاح خارج مؤسساتها، ويحد من التدخلات الخارجية، ويحمي المدنيين. أما تحويله إلى شعار منفصل عن موازين القوى والواقع الاجتماعي والاقتصادي، فلن يحقق وحده النتيجة المنشودة. والأمر نفسه ينطبق على الدعوة إلى استعادة نفوذ الدولة في المناطق القبلية. فالعلاقات القبلية في اليمن ليست سوقا يمكن شراء ولاءاتها بصفقات مالية، بل شبكات اجتماعية وسياسية متغيرة، تتأثر بالأمن والعدالة والموارد والتمثيل المحلي وعلاقة المركز بالأطراف. إن بناء تحالف وطني مستدام يقتضي مخاطبة المجتمعات المحلية باعتبارها شركاء في مستقبل الدولة، لا مجرد أدوات في صراع عسكري. كما يتطلب معالجة المظالم، وضمان الحقوق، وتقديم نموذج حكم قادر على توفير الأمن والخدمات. لا يمكن استعادة الدولة بمجرد تغيير ميزان السلاح؛ بل ينبغي أيضاً استعادة الثقة في الدولة نفسها.

سابعا: كيف تُكسر حلقة الورديات؟

إذا كانت حرب الورديات تقوم على تبادل الضغط من دون حسم، فإن كسرها يبدأ من رفض منطقها بوصفه استراتيجية مكتملة.

– أولا، ينبغي الفصل بين حماية المدنيين والاقتصاد وبين منطق العقاب الجماعي. فالإجراءات التي لا تحقق أثرا عسكريا أو سياسياً واضحاً، لكنها توسع معاناة السكان، قد تعزز قدرة الجماعات المسلحة على توظيف المظلومية وتبرير استمرار الحرب.

– ثانيا، لا بد من تقليص مصادر التصعيد الإقليمي، بما في ذلك الدعم العسكري الخارجي الذي يزيد قدرات الأطراف على إطالة المواجهة. ويتطلب ذلك مساراً دبلوماسياً جدياً مع إيران، يربط خفض التوتر بضمانات قابلة للتحقق، من دون أن يتحول إلى تجاهل لمسؤوليات الفاعلين اليمنيين أنفسهم.

– ثالثا، يحتاج اليمن إلى مسار سياسي يعالج ازدواج السلطة والسلاح، ويعيد الاعتبار للمؤسسات العامة، ويضع حماية المدنيين واستعادة الخدمات في صدارة الأولويات. فلا يكفي منع الهجمات إذا ظلت الدولة عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة.

– رابعا، ينبغي دعم مسار إقليمي يحمي الملاحة في البحر الأحمر، ويقلص فرص توسع المواجهة، ويمنع استخدام التجارة الدولية رهينة للصراعات المحلية والإقليمية.

– خامسا، لا بد من وضع مؤشرات واضحة للنجاح: انخفاض الهجمات، واستقرار حركة الموانئ والمطارات، وتحسن وصول المساعدات، وتراجع التهديدات العابرة للحدود، وتقدم عملية سياسية قابلة للاستمرار. فبدون مؤشرات من هذا النوع، يمكن لكل طرف أن يعلن انتصاره فيما تتدهور حياة السكان.

إن كسر حلقة الاستنزاف لا يعني تجاهل مصادر التهديد، ولا التخلي عن الردع المشروع؛ بل يعني ربط استخدام القوة بهدف سياسي واضح، ومنع تحوّل الردود المتبادلة إلى آلية دائمة لإعادة إنتاج الحرب.

خاتمة: حين ينتصر الزمن على الجميع

تكمن مأساة حرب الورديات في أنها تسمح للأطراف بأن تستمر من دون أن تنتصر، وأن تتبادل الضربات من دون أن تحل أسباب الصراع، وأن تعلن الصمود بينما تتآكل المجتمعات المحيطة بها. في هذه المعادلة، قد تحقق إيران مكاسب استراتيجية من خلال استنزاف خصومها عبر شبكة من العلاقات الإقليمية، وقد تتمكن جماعة الحوثيين من المحافظة على قدرتها القتالية رغم الخسائر، لكن ذلك لا يعني أن اليمن ينتصر، أو أن الاستقرار الإقليمي يقترب. كما أن التفوق العسكري والاقتصادي للسعودية لا يعفيها من كلفة التهديد المستمر، ولا يجعل الردع وحده بديلاً من التسوية السياسية.

إن السؤال الحقيقي ليس مَن يستطيع تحمل وردية إضافية من القصف والحصار، بل مَن يستطيع تحويل القوة إلى نتيجة سياسية، والضغط إلى اتفاق قابل للاستمرار، والردع إلى أمن مستقر. وإذا بقيت الموانئ رهائن للردود، والمطارات أهدافاً للرسائل، والمجتمعات وقوداً للاستنزاف، فإن الأطراف قد تواصل القتال سنوات أخرى من دون أن تقترب من نهاية حقيقية. في حرب الورديات، لا يكون الرابح بالضرورة هو من ينتصر في المعركة، بل من ينجح في جعل خصمه يدفع كلفة استمرارها. لكن الرابح الاستراتيجي الحقيقي هو من يستطيع إنهاء الحرب قبل أن يتحول صموده إلى خراب دائم. اليمن لا يحتاج إلى وردية جديدة من الاستنزاف، بل إلى نهاية سياسية تعيد للدولة معناها، وللمجتمع حقه في الحياة، وللمنطقة فرصة الخروج من دائرة الحروب التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *