قراءة جيوسياسية في زيارة فيليبي السادس، وحدود الاستفزاز، وفنّ الرد المغربي

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك مدن لا تنام تحت سقف الجغرافيا، بل تستيقظ كل صباح داخل نزاع لم يكتمل تاريخه. مدن تبدو صغيرة على الخرائط، لكنها تتسع في الذاكرة حتى تصبح قارة من الأسئلة. وسبتة واحدة من تلك المدفين: حجر عند مضيق جبل طارق، لكنه حجر في حذاء التاريخ؛ نافذة على المتوسط، ومرآة تعكس قرونا من التوسع البحري، والانكماش الإمبراطوري، والتنافس على من يملك حق تسمية الأرض، ومن يملك سلطة رواية قصتها. حين حلّ الملك فيليبي السادس، مرفوقا بزوجته الملكة ليتيثيا، بمدينة سبتة يوم 13 أكتوبر 2026، لم تكن الزيارة مجرد موعد في دفتر التشريفات الملكية. فقد جاءت في لحظة مشحونة بالتوتر عقب أزمة الهجرة التي شهدتها المنطقة في أواخر يوليو، وفي سياق تتداخل فيه مسألة السيادة مع أمن الحدود، والذاكرة الاستعمارية مع الحسابات الانتخابية، والتعاون الاقتصادي مع التنافس الاستراتيجي.

كانت الزيارة، في جوهرها، مشهدا سياديا مكثفا: ملك إسبانيا يقف على الضفة الإفريقية للمتوسط، ويعلن أن سبتة جزء لا يتجزأ من إسبانيا وأوروبا؛ فيما يرى المغرب أن المدينتين تمثلان ملفا تاريخيا لم يغلق، وأن مرور الزمن لا يكفي وحده لإطفاء المطالب الوطنية. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم على الانفعال ليس: هل استفز فيليبي السادس المغرب؟ بل: ما الذي أراد تثبيته بهذه الزيارة، ولمن وجّه رسالته، ولماذا اختار الرباط هذه المرة لغة التحفظ بدلاً من المواجهة الدبلوماسية الصاخبة؟

أولا: الزيارة التي تجاوزت حدود البروتوكول

جاءت زيارة فيليبي السادس إلى سبتة في أول زيارة ملكية إسبانية من هذا المستوى إلى المدينة منذ زيارة والده خوان كارلوس الأول سنة 2007، وهي سابقة تمنح الحدث ثقله الرمزي والتاريخي. وكان مقرراً أن تستكمل الزيارة في مليلية يوم 14 أكتوبر. لكن القيمة السياسية للزيارة لا تكمن في ندرتها وحدها، بل في توقيتها أيضا. فقد جاءت بعد أزمة حدودية وإنسانية هزّت المدينة، وأعادت الهجرة إلى صدارة النقاش الإسباني، وفتحت الباب أمام اتهامات متبادلة بشأن مسؤولية إدارة الحدود والتعاون الأمني. في مثل هذه الظروف، لا يعود حضور الملك مجرد ممارسة لواجب دستوري أو احتفال بالانتماء الوطني؛ بل يصبح أداة لطمأنة السكان، وتوحيد المؤسسات، وإرسال إشارة إلى الخارج مفادها أن الدولة تعتبر حدودها جزءاً من تعريفها لنفسها.

وهنا تكمن الرسالة الأولى: لم يزر فيليبي السادس سبتة في فراغ سياسي، بل زارها وهي محمّلة بأسئلة عن الأمن والهجرة والسيادة، وفي لحظة احتاج فيها الخطاب الإسباني الداخلي إلى رمز قادر على جمع ما تفرّق بين الأحزاب والمؤسسات. وقد استقبلت حشود من سكان المدينة الملك والملكة، ورفعت الأعلام الإسبانية، في مشهد استُخدم لتأكيد ارتباط السكان بإسبانيا. وفي الوقت نفسه، شارك الزوجان الملكيان في تكريم ضحايا المأساة المرتبطة بتدفق المهاجرين، وهي لفتة إنسانية لا ينبغي تجاهلها عند تحليل الزيارة. غير أن الجمع بين التكريم الإنساني والتأكيد الصارم للسيادة منح الحدث وجهين متجاورين: وجه التعاطف مع الضحايا، ووجه تثبيت الحدود باعتبارها مسألة أمن قومي وأوروبي. وقد تناولت وكالة أسوشيتد برس وصحيفة «إل باييس» الإسبانية هذا التداخل بين البعد الرمزي للزيارة وأزمة الهجرة التي سبقتها.

ثانيا: ماذا قال فيليبي السادس؟ حين تتحول الكلمات إلى حدود

لم يكن خطاب الملك الإسباني ملتبساً في مسألة السيادة. فقد أعلن أن سبتة ومليلية جزء لا ينفصل عن الواقع السياسي والوطني الإسباني، وشدد على أن السيادة ووحدة الأراضي ليستا موضوعاً للتفاوض، وأن واجب الدولة هو الدفاع عنهما وصونهما أمام أي خطر. كما قال، في جوهر عبارته، إن سبتة إسبانية وأوروبية، وإن أي تهديد لحدودها يمثل تهديداً للاتحاد الأوروبي بأكمله. أما في حديثه عن المغرب، فقد استخدم لغة مختلفة في نبرتها، وإن لم تكن منفصلة عن السياق نفسه. فقد أكد رغبة إسبانيا والاتحاد الأوروبي في الحفاظ على علاقة جوار جيدة مع المملكة المغربية، قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، ومرتبطة بالاستقرار والسلام والأمن الإقليمي، مع التشديد على ضرورة حسن النية من الطرفين. هذه هي البنية الأساسية للخطاب: حزم في تعريف السيادة الإسبانية، وانفتاح مشروط في إدارة العلاقة مع المغرب.

والفارق بين الشطرين بالغ الأهمية. فالملك لم يعرض مسألة سبتة بوصفها قضية مفتوحة للتفاوض، بل قدمها باعتبارها حقيقة نهائية من وجهة النظر الإسبانية. وفي المقابل، أبقى التعاون مع الرباط ضمن لغة المصالح المتبادلة، لكنه ربطه بحسن النية، وهي عبارة اكتسبت دلالة خاصة في ظل الاتهامات الإسبانية التي أعقبت أزمة الهجرة. لم يكن الخطاب، إذن، مجرد كلام موجه إلى سكان سبتة. لقد حمل رسائل إلى أربع دوائر على الأقل:

ثالثا: هل كانت الزيارة استفزازا للمغرب؟

الإجابة الجادة لا تحتاج إلى المبالغة ولا إلى المجاملة: الزيارة ليست استفزازا بالضرورة من حيث الشكل القانوني الإسباني، لكنها تحمل شحنة سياسية ورمزية حساسة من المنظور المغربي. ينبغي هنا التمييز بين ثلاثة مستويات كثيرا ما تختلط في النقاش العام.

المستوى الأول هو المستوى الدستوري الإسباني. فمدريد تعتبر سبتة ومليلية مدينتين تتمتعان بالحكم الذاتي ضمن الدولة الإسبانية، وتتعامل معهما باعتبارهما جزءا من أراضيها. ومن هذا المنطلق، تقدم زيارة الملك بوصفها ممارسة طبيعية لوظيفته رئيسا للدولة.

المستوى الثاني هو المستوى المغربي. فالمغرب لا يعترف بالموقف الإسباني بوصفه نهاية للنقاش حول المدينتين، ويستند في مطالبته إلى اعتبارات تاريخية ووطنية وسياسية. ومن هذه الزاوية، فإن زيارة الملك ليست حدثا محايدا، لأنها تعيد تأكيد السيادة الإسبانية في مكان ينازع المغرب في وضعه التاريخي والسياسي.

أما المستوى الثالث فهو مستوى الرسائل المتبادلة. فحتى عندما يكون الفعل منسجما مع القانون الداخلي للدولة التي تقوم به، يمكن أن يحمل رسالة سياسية مقصودة إلى دولة أخرى، خصوصا إذا جاء في أعقاب أزمة حادة وعلى أرض متنازع على دلالتها الوطنية.

لهذا، لا يكفي القول إن الزيارة استفزاز لأن المغرب يعترض على السيادة الإسبانية، كما لا يكفي القول إنها زيارة عادية لأن إسبانيا تعتبر المدينة جزءا منها. الاستفزاز السياسي لا يُقاس فقط بما إذا كان الفعل مسموحا في النظام القانوني الداخلي، بل أيضا بتوقيته، ومضمونه، والرسائل التي يحملها، والسياق الذي يحيط به. لكن ثمة تحفظا ضروريا: لا تتوفر، في المعطيات المنشورة عن الزيارة، أدلة قاطعة تثبت أن هدفها الوحيد كان استفزاز المغرب. الأرجح أنها جمعت بين تثبيت الموقف الإسباني، واحتواء آثار أزمة الهجرة، والاستجابة لحسابات داخلية تتصل بالأمن والسيادة. والأدق، لذلك، أن نصفها بأنها زيارة سيادية ذات أثر استفزازي محتمل في العلاقة المغربية الإسبانية، لا أن نجعل الاستفزاز حقيقة مثبتة عن النية الشخصية للملك. فالموقف المغربي يستطيع أن يرفض الرسالة السياسية للزيارة من دون الحاجة إلى اختراع نيات لا يمكن التحقق منها.

رابعا: التاريخ ليس ملكا لمن يرفع صوته أولا

لفهم سبتة، لا بد من العودة إلى التاريخ، لكن بشرط ألا نحول التاريخ إلى مستودع للشعارات. احتلت البرتغال سبتة سنة 1415، ثم انتقلت إلى التاج الإسباني سنة 1580 في سياق الاتحاد بين التاجين، واستمر ارتباطها بإسبانيا بعد انفصال البرتغال سنة 1640. أما مليلية، فقد خضعت للسيطرة الإسبانية سنة 1497. هذه الوقائع تفسر جانبا أساسيا من الحجة الإسبانية: المدينتان لم تنشآ نتيجة التوسع الإسباني داخل المحمية التي أقامتها مدريد في المغرب خلال القرن العشرين، بل سبقت السيطرة عليهما قيام تلك المحمية بقرون. لكن هذا التفصيل التاريخي، على أهميته، لا يلغي السؤال المغربي، كما لا يسمح بتحويل الماضي إلى حكم سياسي أبدي لا يقبل النقاش. فالمغرب يستند إلى تصوره لوحدة المجال الوطني، وإلى الذاكرة التاريخية للعلاقات بين المغرب وشبه الجزيرة الإيبيرية، وإلى اعتبار استمرار السيطرة الأجنبية على الثغرين ملفاً وطنياً لم يُسوَّ.

وهنا تظهر مشكلة أعمق من مجرد اختلاف الروايتين: كل طرف ينتقي من التاريخ ما يضيء حجته، بينما يظل التاريخ نفسه أكثر تعقيدا من أي سردية وطنية منفردة. فمن منظور إسباني، تُستحضر قرون السيطرة والارتباط بالمؤسسات الإسبانية لتأكيد استمرارية السيادة. ومن منظور مغربي، يُستحضر تاريخ التوسع الأوروبي في شمال إفريقيا، وتاريخ التنافس حول السواحل والمضائق، للتأكيد أن القِدم وحده لا يحسم كل الأسئلة المتعلقة بالشرعية التاريخية. ولا يجوز أن نختزل الوضع القانوني الراهن في عبارة واحدة. فهناك واقع إداري وسياسي إسباني قائم، ومطالبة مغربية مستمرة، وغياب تسوية سياسية متفق عليها بين البلدين. كما أن تشبيه سبتة مباشرة بجبل طارق أو بأي إقليم متنازع عليه آخر قد يفيد في المقارنة، لكنه لا يغني عن دراسة الخصائص التاريخية والقانونية لكل حالة على حدة.

ومن منظور وطني مغربي، لا تكون قوة الحجة في الادعاء بأن التاريخ لا يعرف إلا رواية واحدة، بل في تقديم ملف موثق، متماسك، وقابل للنقاش الدولي، يوضح المطالب المغربية وأسسها، ويضعها داخل سياق تاريخي وقانوني واضح. فالتاريخ الذي لا يتحول إلى معرفة دقيقة يصبح وقودا للانفعال؛ أما التاريخ الذي يتحول إلى حجة موثقة، فيصبح أداة من أدوات السياسة والدبلوماسية.

خامسا: لماذا اختار المغرب الصمت؟ وهل الصمت تنازل؟

من أكثر العناصر دلالة في الزيارة أن الرباط لم ترد عليها، حتى وقت إعداد التقارير المنشورة في 13 أكتوبر، ببيان رسمي صريح يماثل الرد الذي صدر سنة 2007 على زيارة خوان كارلوس الأول. وكان رد المغرب في تلك السنة أكثر حدة، وشمل إدانة سياسية واستدعاء السفير المغربي من مدريد للتشاور. أما في أكتوبر 2026، فقد اتسم الموقف الرسمي بالتحفظ، مع غياب مسؤولين مغاربة رفيعي المستوى عن حفل العيد الوطني الإسباني في الرباط، في إشارة فُهمت بوصفها تعبيرا عن فتور دبلوماسي. كذلك، لم تتحول الدعوات المحدودة إلى الاحتجاج التي جرى تداولها في بعض الأوساط ووسائل التواصل إلى تحرك جماهيري واسع في مدينة الفنيدق، بحسب تقارير وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي». هذه الوقائع لا تثبت أن المغرب تراجع عن مطالبته، ولا تثبت أن الصمت كان جزءا من خطة استراتيجية متكاملة. لكنها تتيح طرح عدة تفسيرات محتملة.

تدرك الرباط أن علاقتها بمدريد تتجاوز ملف سبتة ومليلية، وتشمل التعاون الأمني والهجرة والتجارة والاستثمار وقضايا إقليمية متعددة. وقد يكون من مصلحة المغرب تجنب تصعيد دبلوماسي يفتح أبوابا يصعب إغلاقها، من دون أن يعني ذلك التخلي عن موقفه.

قد ترى الدبلوماسية المغربية أن رد الفعل الحاد يمنح الحدث وزنا أكبر، ويسمح بتحويله من زيارة ملكية إلى أزمة ثنائية شاملة. وفي بعض الحالات، يكون ضبط الرد وسيلة للحد من تضخيم الرسالة التي أراد الطرف الآخر إيصالها. لكن هذا تفسير محتمل، وليس حقيقة مؤكدة عن حسابات صناع القرار في الرباط.

تغيرت العلاقات بين البلدين خلال السنوات الماضية، ولا سيما بعد التحول الإسباني سنة 2022 بشأن مبادرة الحكم الذاتي المغربية للصحراء. كما أصبحت المصالح الاقتصادية والأمنية متشابكة بصورة تجعل أي تصعيد مكلفا للطرفين. والنتيجة أن رد الفعل الدبلوماسي لا يمكن أن يُفهم خارج شبكة المصالح الأوسع.

غير أن الصمت له مخاطره أيضا. فإذا لم يُشرح للرأي العام، فقد يُفسر باعتباره ضعفا أو قبولا ضمنيا بالواقع القائم. وإذا جرى تحويله إلى عقيدة دائمة، فقد يفقد الملف الوطني حضوره في النقاش الدولي. لهذا، فإن قيمة التحفظ المغربي تتوقف على ما إذا كان مصحوبا بعمل دبلوماسي مستمر، وتوثيق تاريخي وقانوني، وإدارة هادئة للملف، أم أنه مجرد غياب للرد. الصمت ليس نصرا في ذاته، مثلما أن الاحتجاج ليس انتصارا في ذاته. المعيار الحقيقي هو ما إذا كان الموقف يخدم المصالح الوطنية على المدى الطويل.

سادسا: ماذا عن مغاربة سبتة والفنيدق؟

في كل نقاش حول سبتة، يبرز خطر اختزال السكان في رموز سياسية: الإسباني الذي يرفع العلم، والمغربي الذي يرفض الزيارة، والمهاجر الذي يعبر الحدود، والتاجر الذي ينتظر فتح المعبر. لكن الواقع الإنساني أكثر تعقيدا. فسبتة ليست مجرد نقطة على خريطة النزاع؛ إنها مدينة يعيش فيها أناس لهم هويات اجتماعية وثقافية ودينية متعددة، وتتشابك حياتهم مع اقتصاد الحدود، والعلاقات العائلية، وحركة العمل والتجارة. ولا يصح افتراض أن جميع سكان المدينة من أصول مغربية يتبنون موقفا سياسيا واحدا، أو أن انتماءهم الثقافي يحدد تلقائيا ولاءهم السياسي. كما لا يصح اعتبار كل من استقبل الملك الإسباني مؤيدا بالضرورة لكل جوانب السياسة الإسبانية تجاه المغرب.

أما في الجانب المغربي، فقد ظهرت مواقف رافضة للزيارة في بعض الأوساط الحزبية والإعلامية، في حين اتجهت السلطات إلى احتواء احتمالات الاحتجاج، ولم تشهد الفنيدق، وفق التقارير المتاحة، المظاهرات الواسعة التي جرى الترويج لها عبر الشبكات الاجتماعية. وهذا يعني أن الحديث عن «موقف المغاربة» ينبغي أن يكون دقيقا: هناك موقف الدولة، ومواقف الأحزاب، وردود فعل الإعلام، ومشاعر المواطنين، وهي ليست بالضرورة متطابقة.

ومن منظور وطني مغربي، فإن الدفاع عن المطالب التاريخية لا يحتاج إلى تحويل سكان سبتة إلى خصوم، ولا إلى إنكار واقعهم الاجتماعي أو حقوقهم الإنسانية. بل إن الرؤية الوطنية الأكثر قوة هي تلك التي تستطيع التمييز بين النزاع حول السيادة وبين كرامة السكان وأمنهم وحقهم في حياة مستقرة. فالمغرب الذي يدافع عن تاريخه يستطيع أن يفعل ذلك من دون أن يعادي المجتمع الذي يعيش على الجانب الآخر من الحدود. والوطنية التي تملك ثقة بنفسها لا تحتاج إلى تجريد الآخرين من إنسانيتهم.

سابعا: اقتصاد بمليارات اليورو وحدود تحمل ذاكرة متنازعة

إذا كانت السياسة تتحدث بلغة السيادة، فإن الاقتصاد يتحدث بلغة الاعتماد المتبادل. وبين اللغتين تقع واحدة من أهم مفارقات العلاقة المغربية الإسبانية. وفق بيانات رسمية إسبانية نُشرت في ديسمبر 2025، بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين خلال سنة 2024 نحو 22.693مليار يورو، وهو رقم قياسي آنذاك. كما كانت إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب، وكان أكثر من ستة آلاف شركة إسبانية يصدر بانتظام إلى السوق المغربية.وفي المغرب، توجد مئات الشركات الإسبانية التي تعمل في قطاعات متنوعة، تشمل البنية التحتية، والصناعة، والطاقة، والتكنولوجيا، والسياحة. كما تشكل الاستعدادات المشتركة لتنظيم كأس العالم 2030 مع البرتغال فرصة إضافية لتوسيع الاستثمار والتعاون.

هذه الأرقام لا تعني أن الخلاف حول سبتة ومليلية قد تراجع أو فقد أهميته. لكنها تكشف أن البلدين ليسا مجرد خصمين في ملف سيادي، بل شريكان اقتصاديان تربطهما مصالح يومية عميقة. وهنا تظهر مفارقة استراتيجية: إسبانيا تحتاج إلى الاستقرار والتعاون مع المغرب في إدارة الهجرة ومكافحة الشبكات الإجرامية وتأمين المجال البحري؛ والمغرب يحتاج بدوره إلى علاقات تجارية واستثمارية قوية مع إسبانيا، فضلا عن التعاون الأوروبي الأوسع. لكن الاعتماد المتبادل لا يعني تساوي جميع أوراق الضغط. فكل دولة تمتلك أدوات مختلفة، وتتفاوت قدرتها على تحمل كلفة التوتر في كل قطاع. لذلك ينبغي ألا يُختزل الاقتصاد في سلاح يُستخدم ضد الطرف الآخر، لأن التصعيد قد يضر بالمؤسسات والشركات والعمال والسكان على جانبي المضيق.

والأهم أن المغرب لا يحتاج إلى اختيار العداء الاقتصادي لإثبات موقفه الوطني. يستطيع أن يطور اقتصاده، ويوسع موانئه وشبكات النقل والطاقة، ويرفع قدرته الصناعية، ويعزز حضوره الإفريقي والأوروبي، فيما يظل متمسكا بمطالبه السياسية. بل إن التنمية المستقلة نسبياً، وتنويع الشراكات، ورفع القيمة المضافة للصناعة الوطنية، تمنح الدبلوماسية المغربية خيارات أوسع من مجرد الاحتجاج. فالسيادة في القرن الحادي والعشرين ليست علما يُرفع فوق مبنى فحسب؛ إنها أيضا قدرة على الإنتاج، وتأمين سلاسل التوريد، وبناء المؤسسات، وتوفير فرص العمل، وامتلاك خيارات استراتيجية متعددة.

ثامنا: سبتة… لماذا تتجاوز القضية حدود المدينتين؟

لا يمكن فهم القيمة الجيوسياسية لسبتة من دون النظر إلى موقعها عند مدخل المتوسط، بالقرب من مضيق جبل طارق، أحد الممرات البحرية الأكثر أهمية للتجارة الدولية وحركة الطاقة والربط بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط.إن من يراقب المنطقة يرى أن التنافس لا يدور فقط حول مساحة محدودة من الأرض، بل حول شبكة كاملة من الممرات البحرية، والموانئ، والحدود، والتدفقات التجارية والبشرية.

في هذا السياق، تمثل سبتة بالنسبة إلى إسبانيا موقعا متقدما على الساحل الإفريقي، وجزءا من تصورها لأمن الحدود والسيادة البحرية. أما المغرب، فيعمل على تعزيز موقعه اللوجستي والاقتصادي عبر موانئ كبرى مثل طنجة المتوسط، ومشروعات تطوير البنية التحتية في الشمال والشرق. ولا يعني ذلك أن تطوير الموانئ المغربية يستهدف سبتة بالضرورة، أو أن كل مشروع اقتصادي في المنطقة جزء من مواجهة جيوسياسية. لكن تراكم الاستثمارات وتغير طرق التجارة يعيدان تشكيل التوازن الاقتصادي والاستراتيجي في غرب المتوسط. كلما ارتفعت قدرة المغرب على الربط بين إفريقيا وأوروبا، زادت خياراته الاقتصادية، وتوسعت قدرته على التعامل مع التحولات الدولية. وكلما حافظت إسبانيا على علاقاتها التجارية والأمنية مع المغرب، ازدادت فرص الاستقرار على جانبي المضيق.

وهنا ينبغي توسيع زاوية النظر: ملف سبتة ليس مجرد خلاف على الماضي، بل قضية تتصل بمستقبل المجال البحري والاقتصادي والأمني المحيط بالمضيق. كما أن الاتحاد الأوروبي حاضر في هذه المعادلة. فحين يصف الملك الإسباني الحدود بأنها أوروبية، فهو يستدعي إطارا مؤسسيا وسياسيا أوسع من الدولة الإسبانية. لكن هذا الوصف لا يحسم بمفرده النزاع المغربي الإسباني؛ إنه يعبر عن موقف مدريد بشأن موقع المدينتين ضمن المنظومة الأوروبية. ومن ثم، فإن التعامل المغربي الأكثر فاعلية مع هذا البعد يقتضي مخاطبة أوروبا بلغتها المؤسسية: الاستقرار، والتعاون الإقليمي، والتكامل الاقتصادي، واحترام المصالح المتبادلة، مع الحفاظ على وضوح الموقف الوطني بشأن الثغرين.

تاسعا: ما وراء الزيارة

من الخطأ قراءة الزيارة باعتبارها تعبيرا عن السياسة الخارجية وحدها. فالملفات السيادية تُستخدم أحيانا أيضا في السياسة الداخلية، خصوصا عندما تصبح الحدود والهجرة موضوعين شديدي الحساسية لدى الرأي العام. وقد جاءت زيارة فيليبي السادس في أعقاب أزمة هجرة أثارت جدلا واسعا داخل إسبانيا، ودفعت أطرافا سياسية إلى التشكيك في كفاءة إدارة الحدود والمطالبة بمواقف أكثر صرامة.

في هذا السياق، يمكن للزيارة أن تؤدي وظيفة مزدوجة: طمأنة السكان المحليين، وإظهار أن الدولة تسيطر على خطاب السيادة ولا تتركه حكرا على الأحزاب الأكثر تشددا. كما أن التأكيد على أن أي تهديد لحدود سبتة يمثل تهديدا للاتحاد الأوروبي ينقل النقاش من مستوى المسؤولية الثنائية إلى مستوى الأمن الأوروبي. وهذه صياغة ذات قيمة سياسية، لأنها تسعى إلى جعل التضامن الأوروبي مع المدينة جزءا من تعريف أمن الاتحاد. لكن من الضروري التمييز بين التفسير والتحقق. فوجود مصلحة داخلية محتملة لا يثبت أن الزيارة صُممت حصراً لإرضاء تيار سياسي أو لمواجهة المغرب. إنما يجعل السياق الداخلي عنصرا لا يمكن تجاهله في تحليل توقيتها. وفي المقابل، لا ينبغي أن ينساق المغرب إلى كل رسالة داخلية إسبانية وكأنها موجهة إليه حصرا. فبعض الخطابات التي تبدو خارجيا تصعيدية قد تكون موجهة أساسا إلى الناخب الإسباني، أو إلى المؤسسات المحلية، أو إلى المعارضة السياسية.

ومن هنا تأتي أهمية القراءة الهادئة: لا ينبغي للرباط أن تمنح كل خطاب داخلي إسباني حجما يتجاوز مقصده الفعلي، لكنها لا ينبغي أيضا أن تتجاهل الرسائل التي تتجاوز الداخل إلى تثبيت موقف سيادي في الخارج.

عاشرا: ما الاستراتيجية المغربية الأكثر فاعلية؟

إذا كانت الزيارة قد أعادت الملف إلى الواجهة، فإن الرد الأكثر جدوى لا يكمن في سباق الشعارات، بل في بناء سياسة طويلة النفس تتعامل مع التاريخ والقانون والاقتصاد والدبلوماسية باعتبارها أدوات متكاملة.

يمكن للمغرب أن يواصل التعبير عن مطالبته التاريخية والسياسية بسبتة ومليلية، مع تجنب خطوات لا تضيف قيمة فعلية إلى موقفه. فالتوازن بين وضوح المطالب وضبط الأدوات هو جوهر الدبلوماسية الفعالة.

ينبغي أن يستند النقاش الدولي إلى وثائق أرشيفية ودراسات تاريخية وقانونية محكمة، لا إلى الروايات الانفعالية وحدها. فالمعركة على الذاكرة لا تُحسم بكثرة التكرار، بل بجودة الأدلة والقدرة على عرضها بلغات متعددة وفي منصات دولية موثوقة.

إن تقوية الصناعة الوطنية، وتطوير الموانئ، وتحسين البنية التحتية، وتوسيع الشراكات الإفريقية والأوروبية، تمنح المغرب مجالاً أوسع للمناورة. فالقدرة الاقتصادية لا تحل النزاعات التاريخية وحدها، لكنها ترفع قدرة الدولة على الدفاع عن مصالحها.

أزمة الهجرة في يوليو كانت مأساة إنسانية وأزمة حدودية في الوقت نفسه. ويجب أن يظل التعامل معها قائما على القانون، وحماية الأرواح، ومكافحة الاستغلال الإجرامي للمهاجرين، والتعاون المسؤول بين الدول. إن استخدام المعاناة الإنسانية لتبادل الاتهامات قد يؤدي إلى مزيد من الخسائر من دون أن يقرب أي طرف من حل مستدام.

إن الخلاف حول الثغرين لا يلغي ضرورة الحوار بشأن التجارة والأمن والهجرة والمياه والطاقة ومستقبل غرب المتوسط. وقد تكون القضايا الخلافية نفسها سببا إضافيا للحاجة إلى مؤسسات اتصال مستقرة تمنع سوء التقدير وتحد من احتمالات التصعيد.

إذا كانت إسبانيا تؤكد أن سبتة جزء من الحدود الأوروبية، فإن المغرب يستطيع بدوره أن يؤكد أن استقرار أوروبا يرتبط أيضا باستقرار جوارها الجنوبي، وأن الشراكة مع المغرب لا تختزل في مراقبة الهجرة أو ضبط الحدود، بل تشمل الاقتصاد والتنمية والأمن الإقليمي. هذه ليست دعوة إلى التنازل عن الموقف الوطني، بل إلى الدفاع عنه بأدوات تتناسب مع تعقيد العالم المعاصر.

حادي عشر: هل من حق فيليبي السادس زيارة سبتة؟

من حيث النظام الدستوري الإسباني، نعم: تعتبر إسبانيا سبتة جزءا من أراضيها، ولذلك تنظر إلى زيارة الملك باعتبارها ممارسة لاختصاصاته الدستورية ورمزية التاج في الدولة. لكن هذا الجواب لا ينهي السؤال السياسي، لأن المغرب لا يقبل أن يكون الموقف الإسباني وحده كافيا لإغلاق ملف المطالبة التاريخية بالمدينتين. وهنا ينبغي الحفاظ على التمييز بين ثلاثة أمور: حق الملك في ممارسة دوره وفق النظام الإسباني، وحق المغرب في التعبير عن موقفه الوطني والتاريخي، ووجود خلاف سياسي لم يتوصل الطرفان إلى تسوية متفق عليها بشأنه.

ليس من الدقة أن نزعم أن زيارة الملك وحدها غيّرت الوضع القانوني للمدينتين أو أوجدت واقعا جديدا من العدم. فالزيارة أكدت الموقف الإسباني القائم، وأعادت عرضه في صيغة ملكية مباشرة ومكثفة. وبالمثل، ليس من الدقة أن نقول إن صمت الرباط منح الزيارة شرعية إضافية أو أنهى المطالبة المغربية. فغياب الاحتجاج الرسمي لا يساوي تلقائيا الاعتراف السياسي. إن أقوى موقف مغربي هو الذي يستطيع الجمع بين الثبات في المطالبة، والدقة في توصيف الوقائع، والهدوء في اختيار الأدوات.

مغرب لا يحتاج إلى أن يرفع صوته كي يثبت حضوره

لم تكن زيارة فيليبي السادس إلى سبتة مجرد رحلة ملكية إلى مدينة على الساحل الإفريقي. كانت لحظة التقت فيها ثلاث خرائط: خريطة الحدود كما تراها الدولة الإسبانية، وخريطة الذاكرة الوطنية كما يحملها المغرب، وخريطة المصالح الأوروبية التي تجعل المضيق أكثر من ممر مائي بين قارتين. وبين هذه الخرائط، تتحرك السياسة مثل سفينة تبحث عن ممر آمن وسط صخور التاريخ.

قد يكون من السهل أن نطلق على الزيارة وصف الاستفزاز، وقد يكون من الأسهل أن نعتبرها ممارسة بروتوكولية عادية. لكن التحليل الجاد يقتضي الاعتراف بأن الحدث يجمع بين الأمرين بدرجات مختلفة: فهو زيارة تنسجم مع الموقف الدستوري الإسباني، وتحمل في الوقت نفسه رسالة سيادية ذات أثر سياسي واضح في نزاع لم يُحسم بين البلدين.

أما المغرب، فإن قوته ليست بارتفاع نبرة الاحتجاج، بل بقدرته على الجمع بين الذاكرة والاستراتيجية، وبين المطالبة الوطنية وحساب المصالح، وبين وضوح الموقف والمرونة في إدارة العلاقات الدولية. إن الدفاع عن مغربية الموقف لا يحتاج إلى معاداة الإسبان، مثلما أن احترام السكان وحقوقهم لا يفرض التخلي عن الأسئلة التاريخية والسياسية. فالسياسة الناضجة لا تحول الشعوب إلى خصوم أبديين، ولا تسمح في الوقت نفسه بأن يُمحى خلاف تاريخي لمجرد أن المصالح الاقتصادية تفرض التعاون.

في هذا المضيق، لا تتواجه ضفتان منفصلتان تماما؛ بل تتجاوران وتتبادلان المنافع وتتنافسان على المكانة والرمزية والأمن. ومن هنا فإن التحدي المغربي ليس أن ينتصر في سجال حول زيارة ملكية، بل أن يحافظ على وضوح موقفه، ويعزز حضوره الاقتصادي والدبلوماسي، ويبقي الباب مفتوحا أمام حلول سياسية لا تصادر التاريخ ولا تستسلم له. فالأوطان لا يحرسها الماضي وحده، ولا تحميها البلاغة وحدها. تحرسها المعرفة، وتدعمها المؤسسات، ويمنحها الاقتصاد عمقا، وتحفظ للدبلوماسية قدرتها على تحويل النزاع من مصدر دائم للاشتعال إلى ملف يمكن إدارته بعقل بارد وإرادة وطنية ثابتة. سبتة ليست مجرد سؤال عن الماضي؛ إنها امتحان لقدرة المغرب وإسبانيا على العيش مع خلافهما من دون أن يتحول الخلاف إلى قدر أبدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *