بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر استراتيجي تتقاطع عنده مصالح القوى النفطية وحسابات الأمن البحري، بل بات مرشحا للتحول إلى إحدى أكثر نقاط الاختناق حساسية في النظام الدولي: نقطة لا تمر عبرها ناقلات الطاقة فحسب، وإنما تعبر في محيطها أيضاً شرايين الاتصال الرقمي التي تقوم عليها المصارف والأسواق المالية والخدمات السحابية وشبكات التجارة العالمية. وإذا كان العالم قد اعتاد النظر إلى المضيق باعتباره بوابة النفط والغاز، فإن التهديدات الإيرانية المرتبطة بكابلات الاتصالات البحرية تفتح الباب أمام معادلة استراتيجية جديدة، قوامها أن من يستطيع تهديد تدفق الطاقة يستطيع، في ظروف معينة، أن يلوّح أيضا بتهديد تدفق البيانات.
في هذا السياق، يكتسب التصريح المنسوب إلى متحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، والمتداول بتاريخ 19 أكتوبر 2026، دلالة تتجاوز مضمونه التقني المباشر. فقد جاء فيه، بحسب النص المتداول: «تمر سبعة كابلات رئيسية تحت مضيق هرمز، يعتمد عليها الإنترنت العالمي والبيانات التجارية؛ ونحن نذكّر بذلك حتى يدرك العدو هذه الحقيقة». ومهما تكن حدود القدرة الإيرانية الفعلية على تنفيذ تهديد من هذا النوع، فإن الرسالة السياسية واضحة: طهران تريد توسيع نطاق أدوات الردع والضغط، ونقل جزء من المواجهة من المجال العسكري التقليدي إلى البنية التحتية الرقمية التي تقوم عليها الاقتصادات الحديثة. غير أن القراءة الاستراتيجية الرصينة تقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات كثيرا ما تختلط في الخطاب الإعلامي: التهديد بوصفه رسالة سياسية، والقدرة التقنية على إلحاق الضرر، ثم النتائج الفعلية المترتبة على ذلك الضرر. فليس كل ما يمكن تهديده قابلا للتدمير، وليس كل ما يمكن قطعه قادراً على شل العالم.
من جغرافيا النفط إلى جغرافيا البيانات
منذ عقود، شكّل مضيق هرمز إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية في مواجهة خصومها الإقليميين والدوليين. فالجغرافيا تمنح طهران قدرة على التأثير في حسابات الملاحة وإمدادات الطاقة، حتى من دون إغلاق المضيق فعليا. ويكمن جوهر هذه الورقة في أن مجرد احتمال تعطيل حركة السفن كفيل برفع تكاليف التأمين والشحن، وإرباك الأسواق، وإجبار القوى الكبرى على إعادة حساباتها. أما اليوم، فإن التهديد المرتبط بالكابلات البحرية يفتح جبهة موازية في معركة النفوذ. فالاقتصاد العالمي لم يعد يعتمد على انتقال السلع ورؤوس الأموال وحدها، بل على التدفق المتواصل للبيانات بين مراكز المال ومراكز الحوسبة ومراكز الإنتاج والاستهلاك. وتحمل الكابلات البحرية القسم الأكبر من حركة البيانات الدولية، بما يجعلها من أكثر مكونات البنية التحتية العالمية أهمية، رغم بقائها بعيدة عن أعين الجمهور.
ومن هنا، لا ينبغي التعامل مع التصريحات الإيرانية باعتبارها مجرد تهويل دعائي. فحتى إذا تعذّر على إيران قطع الإنترنت العالمي، فإن قدرتها على إثارة المخاوف بشأن أمن الاتصالات البحرية في منطقة الخليج قد تكون كافية لرفع مستوى المخاطر، وزيادة تكاليف الحماية والتأمين، ودفع الشركات والحكومات إلى مراجعة حساباتها التشغيلية والاستراتيجية. إن جوهر المسألة ليس أن إيران باتت تملك مفتاح الإنترنت العالمي، بل أنها تحاول توظيف موقعها الجغرافي لإدخال عنصر جديد في معادلة الردع: القدرة على تهديد الاتصال الرقمي في منطقة تتشابك فيها مصالح الطاقة والمال والتجارة والأمن.
التهديد المتدرج: من التخويف إلى فرض الوقائع
وفق المعطيات الواردة في التقارير المتداولة، بدأت ملامح هذا المسار تتبلور في أبريل 2026، مع نشر وكالة «تسنيم» خريطة لمسارات كابلات بحرية في الخليج، ترافقت مع تحذيرات من التداعيات المحتملة لاستهدافها. ثم برزت في مايو إشارات إلى إمكانية فرض تراخيص ورسوم على الكابلات، وربط عمليات إصلاحها بشروط إيرانية. وفي أكتوبر، عاد التهديد إلى الواجهة بصيغة أكثر حدة، من خلال التلويح بإمكانية استهداف الكابلات العابرة لمضيق هرمز. وتحتاج هذه التسلسلات الزمنية والتصريحات المنسوبة إلى الجهات الإيرانية إلى التحقق المستقل من نصوصها وسياقاتها قبل اعتمادها بوصفها وقائع ثابتة. لكن، على مستوى التحليل الاستراتيجي، فإن الانتقال من التلويح بالتعطيل إلى الحديث عن الرسوم والتراخيص، ثم استحضار القدرة على الاستهداف، يعكس نمطاً معروفاً في إدارة أدوات الضغط: تحويل التهديد الأمني إلى ورقة تفاوض، ثم محاولة انتزاع مكاسب سياسية أو اقتصادية من حالة عدم اليقين التي ينتجها.
فطهران لا تحتاج بالضرورة إلى تنفيذ عملية تخريب واسعة حتى تحقق جزءا من أهدافها. وقد يكفي أن تزرع الشك في قدرة الشركات الدولية على حماية بنيتها التحتية، أو أن تجعل عمليات الإصلاح محفوفة بالمخاطر، أو أن ترفع الكلفة السياسية والتأمينية للعمل في المنطقة. وفي هذا المعنى، يصبح التهديد نفسه أداة ضغط، حتى عندما تظل كلفة تنفيذه الفعلي مرتفعة. لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين فرض رسوم قانونية على كابلات بحرية دولية وبين التلويح بفرضها تحت ضغط القوة. فالكابلات لا تخضع، بمجرد مرورها قرب سواحل دولة ما، لسيادتها المطلقة؛ إذ تتحدد الحقوق والاختصاصات القانونية وفق موقع الكابل، والمياه الإقليمية، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وأحكام قانون البحار والاتفاقيات ذات الصلة. ولذلك فإن أي محاولة لفرض رسوم أو احتكار عمليات الإصلاح خارج نطاق الحقوق القانونية المعترف بها قد تفتح مواجهة قانونية ودبلوماسية، فضلا عن تداعياتها الاقتصادية.
ما الذي تستطيع إيران فعله فعليا؟
هنا تبدأ المسألة الأكثر حساسية: الفصل بين القدرة على الإيذاء والقدرة على إحداث انهيار شامل. تضم منطقة الخليج مسارات متعددة لكابلات بحرية دولية وإقليمية، من بينها أنظمة مثل «فالكون» (FALCON) و«جي بي آي» (GBI)، إلى جانب منظومات أخرى تربط الشرق الأوسط بجنوب آسيا وأوروبا. وتكتسب هذه المسارات أهمية خاصة لدول الخليج التي تعتمد على الاتصال الخارجي في تشغيل المؤسسات المصرفية، ومراكز البيانات، والخدمات الحكومية، والأنظمة التجارية. غير أن تحديد عدد الكابلات التي تمر فعلياً تحت مضيق هرمز، وقياس سعاتها، وتعيين مواقعها الدقيقة، وتحديد أيها يقع ضمن المياه الإقليمية الإيرانية أو العُمانية، مسائل تحتاج إلى الرجوع إلى خرائط المشغلين والبيانات الفنية الموثوقة. ولا يصح التعامل مع الأرقام المتداولة، بما فيها القول إن سبعة كابلات رئيسية تمر جميعها تحت المضيق أو إن اثنين منها فقط يقعان في المياه الإيرانية، باعتبارها حقائق محسومة من دون توثيق مستقل.
ومع ذلك، فإن الدرس الاستراتيجي لا يتوقف على العدد الدقيق للكابلات. فالبنية التحتية الرقمية البحرية تقوم على الترابط بين مسارات متعددة، لكنها لا تتمتع جميعاً بالدرجة نفسها من التنوع الجغرافي أو القدرة الاحتياطية. وقد يؤدي تعطل مسار واحد إلى اضطراب محدود، بينما يمكن لتعطل عدة مسارات متقاربة جغرافياً أن يرفع الضغط على المسارات البديلة، ويزيد زمن الاستجابة، ويؤثر في جودة الاتصال وكلفته. ومن المهم هنا التمييز بين انقطاع الإنترنت عن العالم وانقطاعه عن منطقة بعينها. فاستهداف كابلات في الخليج لن يؤدي تلقائيا إلى قطع الإنترنت العالمي، لأن حركة البيانات موزعة على شبكة واسعة من المسارات البرية والبحرية. لكنه قد يسبب اضطرابات مؤثرة في بعض دول الخليج، خصوصا إذا تزامن مع تعطل مسارات بديلة أو تعرض شبكات الطاقة والاتصالات المحلية لضغوط متزامنة. وبالتالي، فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس «إطفاء الأنترنت العالمي»، بل إحداث اختناق إقليمي متفاوت الشدة، تتحدد آثاره بمدى تركز الاتصالات، وتوافر السعات الاحتياطية، وقدرة مشغلي الشبكات على إعادة توجيه حركة البيانات.
نقطة الضعف الحقيقية: زمن الإصلاح لا لحظة القطع
قد يبدو قطع كابل بحري عملا محدودا من الناحية المادية، لكن تداعياته تعتمد بدرجة كبيرة على سرعة إصلاحه. وهنا تظهر إحدى نقاط الضعف البنيوية في منظومة الاتصالات الدولية: محدودية أسطول سفن إصلاح الكابلات، وتعقيد عمليات تحديد الأعطال والوصول إليها، والحاجة إلى تصاريح وتنسيق بين الدول والمشغلين، فضلاً عن الظروف الجوية والأمنية. وفي بيئة تشهد تصعيدا عسكريا، قد تصبح المشكلة أكبر من الضرر المادي نفسه. فقد تتأخر السفن عن الوصول إلى موقع العطل، أو ترتفع كلفة التأمين، أو تتعطل عمليات الإصلاح بفعل القيود الأمنية. وإذا تكررت الأعطال في منطقة جغرافية واحدة، فإن زمن استعادة الخدمة قد يتحول إلى عنصر حاسم في تقدير الخسائر.
لكن القول إن إصلاح الكابلات في منطقة حرب يصبح مستحيلا، أو إن كل عطل يحتاج إلى أشهر، تعميم لا تسنده الوقائع بالضرورة. فالمدة تختلف وفق موقع الكابل، وطبيعة العطل، والطقس، وتوافر سفن الإصلاح، وإمكان الوصول إلى الموقع. والمشكلة الأكثر واقعية هي ارتفاع احتمال التأخير وعدم اليقين، لا استحالة الإصلاح في جميع الحالات. ويزداد هذا الخطر عندما تتقاطع التهديدات الأمنية مع مشروعات بنية تحتية جديدة. أما الإشارات المتداولة بشأن إعلان شركة «ألكاتيل سبمارين نتوركس» حالة القوة القاهرة في مارس 2026 فيما يتعلق بمشروع «2Africa Pearls»، فتحتاج بدورها إلى توثيق مباشر من الشركة أو الأطراف المعنية قبل استخدامها دليلا على تعطّل منظومة الإصلاح في الخليج. ومع ذلك، فإن الدلالة الأوسع تظل قائمة: في الحروب الحديثة، قد تكون القدرة على منع استعادة الخدمة أكثر تأثيرا من القدرة على إحداث العطل الأول. فالتخريب يخلق الضرر، أما تعطيل الإصلاح فيحوّله إلى أزمة ممتدة.
الخليج أمام اختبار الأمن المالي والرقمي
تتجاوز المخاطر المحتملة حدود شركات الاتصالات إلى صميم الاقتصاد الخليجي. فالمصارف والمؤسسات المالية تعتمد على اتصال مستمر بمراكز المعالجة والأنظمة الدولية، كما ترتبط الشركات بمنصات الحوسبة السحابية ومراكز البيانات وخدمات المصادقة والدفع والتسوية. ويعني اضطراب الاتصال أن بعض الخدمات قد تصبح أبطأ أو أقل موثوقية، وأن المؤسسات التي لا تملك مسارات احتياطية كافية قد تواجه انقطاعات جزئية أو صعوبات في استمرارية الأعمال. لكن من الضروري عدم الخلط بين تعطل الاتصالات وانهيار الأنظمة المالية. فالمؤسسات الكبرى تستخدم عادة مزيجا من المسارات المتنوعة جغرافيا، والاتصالات البرية، ومراكز البيانات الموزعة، وخطط استمرارية الأعمال. كما أن أنظمة مثل «سويفت» ليست كابلات بحرية بحد ذاتها، بل شبكة مراسلات مالية تعتمد على بنية اتصالات متعددة. لذلك، فإن تضرر كابل لا يعني تلقائياً انهيار التحويلات المالية أو توقف المصارف.
أما الأرقام المتداولة عن مرور معاملات مالية يومية بقيمة تتجاوز عشرة تريليونات دولار عبر هذه الكابلات، فلا ينبغي اعتمادها من دون تحديد مصدرها ومنهجية احتسابها. فالقيمة الإجمالية للمعاملات المالية العالمية لا تساوي حجم البيانات المنقولة عبر مسار بحري معين، ولا تعني أن جميع تلك المعاملات ستتعطل إذا أصيب ذلك المسار. ومع ذلك، فإن دول الخليج تواجه تحديا حقيقيا بحكم مركزيتها المتزايدة في قطاعات المال والطيران والخدمات اللوجستية والحوسبة السحابية. فأي اضطراب واسع في الاتصالات قد ينعكس على كلفة الأعمال، وموثوقية الخدمات، وثقة المستثمرين، خصوصا إذا تزامن مع تصعيد عسكري أو تهديدات للملاحة البحرية.
وتبرز هنا الإمارات والسعودية وقطر والبحرين والكويت، ليس لأنها ستفقد اتصالها بالضرورة، بل لأن اقتصاداتها ترتبط بدرجات متفاوتة بشبكات دولية متكاملة، ولأن أي اضطراب إقليمي قد يرفع تكاليف التشغيل ويختبر قدرة المؤسسات على مواصلة العمل في ظروف استثنائية. وقد تمتد التأثيرات إلى الهند وأوروبا، بحسب المسارات المتضررة وحجم السعات البديلة المتاحة. غير أن الاستشهاد بأحداث انقطاع الكابلات في عام 2008، أو بنسب محددة من تعطل العمليات المصرفية وتقنية المعلومات في الهند، يتطلب توثيقاً مستقلاً يميز بين أثر كل حادثة والنتائج التي ترتبت عليها فعليا.
الابتزاز الرقمي: حرب اقتصادية دون مواجهة مفتوحة
إذا كان التهديد العسكري التقليدي يقوم على إظهار القدرة على استخدام القوة، فإن الابتزاز الرقمي يقوم على استثمار هشاشة البنية التحتية وتكلفة تعطّلها. وفي الحالة الإيرانية، يمكن أن يتحول التلويح باستهداف الكابلات إلى وسيلة لتوسيع هامش المناورة، ولا سيما في ظل العقوبات والتوترات الإقليمية والمواجهات غير المباشرة. ولا يقتصر هذا الابتزاز المحتمل على التهديد بالقطع. فقد يتخذ أشكالاً أقل مباشرة، مثل مضايقة عمليات الإصلاح، أو خلق مخاطر أمنية حول السفن المتخصصة، أو التهديد بفرض قيود ورسوم، أو توظيف المخاوف من الانقطاع في المفاوضات السياسية والاقتصادية.
غير أن وصف هذا المسار بأنه ضريبة رقمية مفروضة على شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل «غوغل» و«ميتا» و«مايكروسوفت» و«أمازون»، يظل فرضية تحليلية لا واقعة ثابتة. فهذه الشركات لا تعتمد على كابل واحد أو مسار واحد، كما أن امتلاكها بنية تحتية عالمية لا يمنحها حصانة كاملة من الاضطرابات، لكنه يتيح لها في بعض الحالات إعادة توزيع حركة البيانات والاستثمار في بدائل إضافية. والأهم أن أي محاولة إيرانية لفرض ترتيبات قسرية على الكابلات الدولية قد ترتد عليها اقتصاديا وسياسيا. فالشركات والدول قد تستجيب بتقليل اعتمادها على المسارات المعرضة للخطر، أو بتوسيع استثماراتها في طرق بديلة، أو بتشديد العقوبات والإجراءات القانونية. وقد تتحول ورقة الضغط، إذا أُفرط في استخدامها، إلى حافز لتقليص النفوذ الجغرافي الذي تسعى طهران إلى استثماره. إن معضلة إيران هنا شبيهة بمعضلتها في ملف الطاقة: تستطيع التهديد بإحداث اضطراب كبير، لكنها لا تستطيع ضمان أن تكون كلفة الاضطراب على خصومها أعلى من كلفته عليها. فالخليج ليس مجرد ممر للبيانات الدولية، بل هو أيضاً فضاء تتشابك فيه مصالح اقتصادية واستثمارية إيرانية وإقليمية ودولية.
ما المطلوب خليجيا ودوليا؟
تفرض هذه المخاطر على دول مجلس التعاون الخليجي الانتقال من مفهوم حماية الكابلات بوصفها منشآت اتصالات، إلى مفهوم أوسع يعتبرها جزءا من الأمن الوطني والاقتصادي. ويقتضي ذلك، أولا، مراجعة درجة الاعتماد على المسارات البحرية المتقاربة جغرافيا، والاستثمار في تنويع طرق الاتصال، بما يشمل المسارات البرية والبحرية البديلة، وفقا للجدوى الفنية والاقتصادية. وثانيا، تعزيز التنسيق بين الحكومات ومشغلي الكابلات وشركات الاتصالات ومراكز البيانات والمؤسسات المالية، من أجل وضع خطط مشتركة للاستجابة للأعطال واسعة النطاق، وتحديد المسؤوليات، وتسريع تبادل المعلومات، وتطوير ترتيبات تسمح بإصلاح الأعطال في ظروف أمنية معقدة. وثالثا، ينبغي ألا تظل سفن إصلاح الكابلات خارج الحسابات الأمنية للدول المعنية. فحماية القدرة على الإصلاح، وضمان حرية وصول السفن المتخصصة إلى مواقع الأعطال، وتوفير أطر تعاون دولية واضحة، عناصر أساسية في تقليص قدرة أي طرف على تحويل العطل التقني إلى أزمة استراتيجية ممتدة. ورابعا، يتعين تعزيز أمن مراكز البيانات والخدمات السحابية وأنظمة الدفع والاتصالات الحكومية، مع اختبار سيناريوهات الانقطاع المتزامن لعدة مسارات. فالمرونة الرقمية لا تتحقق بمجرد إنشاء كابل إضافي، وإنما تتطلب التأكد من أن المسارات البديلة مستقلة فعليا، وأن الأنظمة قادرة على تحويل حركة البيانات واستمرار الخدمات عند وقوع أزمة. وأخيرا، تحتاج المنطقة إلى مقاربة دبلوماسية وقانونية واضحة ترفض تحويل البنية التحتية المدنية العابرة للحدود إلى أداة إكراه، وتدعم حماية الكابلات البحرية وعمليات إصلاحها وفقا للقانون الدولي. فاستهداف هذه البنية لا يهدد خصماً سياسياً واحداً، بل يعرّض مصالح اقتصادية ومدنية واسعة للخطر، وقد تتجاوز تداعياته حدود المنطقة بكثير.
الخلاصة: ليست إيران قادرة على إطفاء العالم
إن المبالغة في تصوير التهديد الإيراني باعتباره قدرة على قطع الإنترنت العالمي بأكمله تضعف التحليل بدلا من أن تقويه. فالشبكة الدولية أوسع من مضيق هرمز، ومساراتها متعددة، وقدراتها على إعادة توجيه البيانات ليست معدومة. لكن التقليل من شأن التهديد بدوره خطأ استراتيجي، لأن الاعتماد المتزايد على الاتصالات البحرية يجعل الاضطراب الإقليمي قادرا على إحداث خسائر اقتصادية وتشغيلية معتبرة. لذلك، يبدو سيناريو القطع الشامل أقل ترجيحا من سيناريوهات الضغط المحدود، والتهديد المتكرر، وتعطيل الإصلاح، أو استهداف مسارات محددة في ظروف تصعيد حاد. غير أن تقدير احتمالات هذه السيناريوهات يظل مشروطاً بالمعلومات الاستخباراتية والفنية التي لا تتوافر جميعها في المجال العام، ولا يمكن اختزاله في أحكام قطعية.
والرسالة الأهم أن إيران لا تحتاج إلى امتلاك القدرة على إطفاء الأنترنت العالمي حتى تجعل الكابلات البحرية جزءاً من معادلة الردع. يكفي أن تستطيع تهديد نقاط اختناق إقليمية، ورفع كلفة حمايتها، وإثارة الشك في استمرارية الاتصال، حتى تفرض على خصومها حسابات جديدة. لقد كان النفط لعقود أحد أهم أسلحة الجغرافيا في الخليج. أما في العصر الرقمي، فإن البيانات أصبحت موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الطاقة، وإن كانت أقل ظهورا وأكثر تعقيدا من الناحية التقنية. ومن هنا، فإن مضيق هرمز لا يواجه مجرد تهديد جديد للملاحة أو الاتصالات، بل يكشف عن تحول أعمق في طبيعة القوة: انتقال المنافسة الجيوسياسية من السيطرة على تدفق الموارد المادية إلى القدرة على التأثير في تدفق المعلومات.
في المحصلة، لا تكمن خطورة التهديد في أن إيران تستطيع قطع الأنترنت عن العالم، بل في أنها تحاول تحويل موقعها الجغرافي إلى أداة ضغط على البنية التحتية التي يتصل بها العالم. وهذه معادلة لن تواجهها دول الخليج بالشعارات أو بالتخويف المضاد، بل بتنويع المسارات، وحماية عمليات الإصلاح، وبناء استقلالية تشغيلية، وإدراك أن الأمن الرقمي بات جزءا لا يتجزأ من الأمن الاقتصادي والسيادي. ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد السيطرة على المضائق تعني التحكم في حركة السفن وحدها؛ بل أصبحت تعني، أيضا، محاولة التأثير في الشرايين غير المرئية التي تنقل بيانات العالم. ومن يراهن على تحويل هذه الشرايين إلى رهينة قد يحقق مكاسب تكتيكية مؤقتة، لكنه يخاطر في الوقت نفسه بتسريع بناء نظام دولي أقل اعتماداً على جغرافيته وأكثر استعدادا لمقاومة ابتزازه.
