فرنسا بين حق الاحتجاج ومسؤولية التربية

…المغاربة بين امتحان الانتماء ونداء العقل

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ليس كل من يخرج إلى الشارع ثائرا، وليس كل من يحمل حجرا صاحب قضية. ثمة مسافة شاسعة بين مواطن يرفع صوته كي يسمع العالم وجعه، وآخر يرفع النار كي لا يبقى للعالم ما يسمعه. في تلك المسافة بالذات تقف الحضارة، عارية من أوهامها، تسأل الإنسان سؤالا قديما يتجدد كلما اشتعلت المدن: هل جئنا إلى الشارع لنغير العالم، أم لنمنحه ذريعة جديدة كي يخاف منا؟

إن ما شهدته فرنسا من أعمال تخريب ونهب وإحراق، وفق المعطيات الواردة في التصريحات الحكومية المنشورة، يعيد فتح جرح يتجاوز واجهات المتاجر المحطمة والزجاج المتناثر. فحين تتحدث الحكومة عن تضرر ما لا يقل عن ثلاثة آلاف متجر، وعن إجراءات لدعم التجار وتفعيل آليات البطالة الجزئية، فنحن لا نتحدث عن أرقام جوفاء، بل عن بشر استيقظوا ليجدوا أن رزقهم صار رمادا، وأن سنوات من العمل قد تختصرها ليلة واحدة من الفوضى. ولا ذنب لهؤلاء لأنهم فتحوا أبواب محلاتهم طلبا للقمة العيش، ولا لأن مستخدميهم اختاروا العمل بدل اللهب، ولا لأنّ أحلامهم متواضعة إلى الحد الذي يجعلهم يريدون أن يعيشوا بكرامة فحسب. التاجر الصغير ليس هامشيا في مسرح الاحتجاج؛ إنه أحد أعصاب المجتمع، وقد يكون أول من يدفع ثمن غضب لم يصنع أسبابه. والعامل الذي يقف خلف صندوق الأداء، أو يرتب السلع على الرفوف، لا ينبغي أن يتحول إلى ضحية مجهولة في رواية يتقاسم البطولة فيها الغاضبون والمطاردون. أي عدالة تلك التي تدعي الدفاع عن المقهور، ثم تبدأ بتحطيم مورد عيشه؟ وأي احتجاج هذا الذي يقتحم خبز الفقير باسم الغضب من ظلم قد يكون الفقير نفسه ضحيته؟

لقد كان موقف الاتحاد الأوروبي، كما ورد في التصريحات المنقولة، واضحا في التمييز بين الاحتجاج السلمي وأعمال العنف، مؤكدا أن الحق في التظاهر يجب أن يظل محميا، وأن الحرائق المتعمدة والنهب والاعتداءات أمور غير مقبولة. وهذا التمييز هو قاعدة أخلاقية وقانونية لا تستقيم الديمقراطية من دونها. فالدولة التي تجرم كل صوت معارض تفتح باب الاستبداد، والمحتج الذي يبرر كل تخريب باسم الغضب يفتح باب الفوضى. وبين البابين تقف دولة القانون، مطالبة بأن تحمي المواطن من العنف، وأن تحمي حقه في الاعتراض، وأن تحاسب على أساس الفعل والدليل، لا على أساس الأصل أو اللون أو اللغة أو الانتماء.

أما نحن، المغاربة المقيمين بفرنسا، وأسرنا الممتدة بين ضفتي المتوسط، فلدينا في هذه اللحظة مسؤولية مضاعفة، لا لأننا متهمون جماعيا، بل لأنّنا نرفض أن يختزل أحد أبناءنا في صورة مشوهة، كما نرفض أن يتحول الدفاع عن كرامتنا إلى ستار يحجب أخطاء من يسيء إلى الناس وممتلكاتهم. فرنسا التي احتضنت أجيالا من المهاجرين، والتي درس أبناؤنا في مدارسها، وعملوا في مصانعها ومستشفياتها ومطاعمها ومتاجرها، ليست مجرد مكان للإقامة؛ إنها أيضا فضاء تشكلت داخله حياة كاملة، بأفراحها ومظالمها وتناقضاتها. ومن حقّنا أن نطالبها بالعدل والمساواة، ومن واجبنا في الوقت نفسه ألا نسمح للغضب بأن يبتلع مستقبل أبنائنا. لا يجوز أن نحمّل آلاف المغاربة مسؤولية أفعال أفراد، كما لا يجوز أن نمنح العنف حصانة أخلاقية لأنّ مرتكبه يحمل اسما مغربيا أو عربيا أو إفريقيا. الجريمة لا تصبح مقاومة لمجرد أنّ صاحبها غاضب، كما أن الغضب لا يصبح جريمة لمجرد أن صاحبه يرفع صوته. وفي كل المجتمعات، لا في فرنسا وحدها، قد توجد نزعات عنصرية وأحكام مسبقة؛ لكن مواجهة العنصرية لا تكون بإشعال المتاجر، بل بتعرية التمييز، وتوثيق التجاوزات، والاحتكام إلى القضاء

يا آباء المغرب وأمهاته، في الوطن وفي المهجر، لا تتركوا الشارع يربي أبناءكم نيابة عنكم، ولا تتركوا الخوارزميات تصوغ وعيهم من مقاطع مبتورة وصور مشتعلة وتعليقات تتغذى على الكراهية. تحدثوا إليهم عن الفرق بين الشجاعة والتهور، وبين المطالبة بالحق والاعتداء على حق الآخرين، وبين أن يكون الإنسان غاضبا وأن يصبح أداة في يد غضبه. علّموهم أن الممتلكات التي تحترق قد تكون حصيلة عمر أسرة مهاجرة، وأن اليد التي تكسر واجهة متجر قد تكسر معها أجرة عامل لا يملك من الدنيا سوى راتبه. علّموهم أن الكرامة لا تحتاج إلى قناع، وأن البطولة ليست أن تفر من الشرطة بعد إشعال النار، بل أن تمتلك القدرة على قول «لا» للظلم من دون أن تقول «نعم» للخراب. وليكن انتماء أبنائنا إلى المغرب حافزا على الرقي، لا عبئا من الشعارات. فالمغرب الذي نعتز به ليس اسما يرفع عند الحاجة، ولا ذاكرة تختزل في الحنين، بل تاريخ من الصبر والعمل والتضامن، وتربية تنتقل من الآباء إلى الأبناء عبر السلوك قبل الكلام. «تربية الملوك» تستحضر المسؤولية الأخلاقية والاعتزاز بالتاريخ،

وفي الموروث اليوناني، لم يكن الوحش دائما كائنا يولد خارج الإنسان؛ كثيرا ما كان صورة لما يعجز الإنسان عن ترويضه في داخله. وفي الأسطورة الكريتية، كان المينوتور، ذلك الكائن نصف الإنسان ونصف الثور، محبوسا في متاهة صنعها البشر أنفسهم. ولعل أكثر ما يرعب في الحكاية ليس وجود الوحش، بل وجود المتاهة التي تتيح له أن يستمر، ووجود مجتمع يفضل إخفاء مأزقه بدل مواجهة أسبابه. أما في التراث العربي، فيحضر الوحش في الحكايات بوصفه امتحانا للشجاعة والحيلة، بينما تحمل أمثالنا الشعبية تحذيرا عميقا من أن من يزرع الريح يحصد العاصفة. ولسنا بحاجة إلى إسقاط الأساطير على البشر حرفيا؛ فالمعنى الأشد قسوة أن الوحش قد يكون اسما نطلقه على إنسان حين نريد تجريده من إنسانيته، وقد يكون استعارة عن الغضب حين يتحرر من العقل، أو عن مجتمع يراكم الإقصاء ثم يندهش عندما يسمع صوت الانفجار.

فهل الوحش هو الشاب الذي يحطم واجهة متجر، أم المنظومة التي أخفقت في منحه الأمل؟ أم هو ذلك الخطاب السياسي الذي يختزل الأحياء في أصولها، فيصنع من الهوية تهمة ومن الخوف سياسة؟ أم أن الوحش الحقيقي هو اجتماع هذه العناصر حين تتبادل الأعذار، فيصبح كل طرف شاهدا على خطأ الآخر، ولا أحد مستعدا للاعتراف بنصيبه من المسؤولية؟ إن الأسئلة الصعبة لا تبرر النهب، لكنها تمنعنا من الاكتفاء بمشهد العقاب ونسيان جذور الأزمة. كما أن فهم أسباب الغضب لا يعني تبرير نتائجه، تماما كما أن المطالبة بالأمن لا تمنح أي سلطة رخصة مفتوحة للتعسف.

إن الأمن ليس عدوا للحرية، بل شرط من شروط ممارستها؛ غير أنه لا يكون أمنا حقيقيا حين يتحول المواطن إلى خصم، ولا تكون الحرية حقيقية حين يصبح الخوف وسيلة لفرض الصمت. وعلى الشرطة أن تحمي الأشخاص والممتلكات، وأن تتصرف في حدود القانون، وعلى السلطات أن تضمن المحاسبة والشفافية، وعلى المحتجين أن يدركوا أن الشارع فضاء عام لا ملكية خاصة للغاضبين. وعلى المنصات الرقمية أن تتحمل مسؤوليتها في مواجهة المحتوى الذي يحرض على العنف، من دون أن تتخذ مكافحة التحريض ذريعة لإسكات التعبير السلمي. لسنا مطالبين باختيار معسكر بين الفوضى والقمع، ولا بين كرامة المهاجر وكرامة المواطن الفرنسي، فكلاهما لا ينبغي أن يكون ثمنا للآخر. نحن مطالبون باختيار الإنسان: العامل الذي يريد العودة إلى متجره، والطفل الذي يستحق مستقبلا لا تحدده صورة متداولة، والمحتج الذي يريد أن يسمع صوته من دون أن يبتلع صوت غيره، والشرطي الذي ينبغي أن يحمي القانون لا أن يتجاوزه، والمهاجر الذي يريد أن يعيش مواطنا كاملا لا ضيفا موضع شبهة دائمة.

إن فرنسا لا تحتاج إلى مزيد من النار كي تفهم غضب أبنائها. ما يحتاجه الجميع هو شجاعة أكثر ندرة من الغضب: شجاعة التمييز بين الحق والعدوان، وبين المساءلة الجماعية والمسؤولية الفردية، وبين إصلاح المجتمع والانتقام منه. فلا تجعلوا أبناءنا وقودا لمتاهة لا يعرفون من بنى جدرانها، ولا تسمحوا لأحد أن يحول أصولهم إلى تهمة، أو غضب الشباب إلى سلاح ضد مستقبلهم. دعوهم يعبرون عن مطالبهم، وأيها الأباء علموا أبناءكم ألا يحرقوا الطريق الذي يحتاجون إليه للعودة. فليس المنتصر من يترك وراءه مدينة الخراب، بل من يترك وراءه حجة عادلة، وحقا محفوظا، وإنسانا لم يفقد إنسانيته وهو يطالب بإنصافه. حين تنطفئ الحرائق، لن يكون السؤال من كسر الزجاج فقط، بل من أعاد بناء الثقة؛ ولن يكون الامتحان من يملك القوة لإخماد الشارع، بل من يملك الحكمة كي لا يضطر المجتمع إلى إشعاله من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *