الزمن المأزوم في رواية «اللاروب»: الربع الناقص وعقارب التاريخ المتوقفة

قراءة لرواية حسن أوريد «اللاروب» بقلم مينة الحدادي

مقدمة

تعد رواية «اللاروب» للكاتب والمفكر المغربي حسن أوريد من الأعمال الروائية التي تجمع بين الأدب والفلسفة والتاريخ والسوسيولوجيا، لتقدم للقارئ عالما سرديا تتعدد مرجعياته وتتداخل مستوياته الدلالية. وتستدرج الرواية قارئها إلى رحلة غرائبية تتقاطع فيها الواقعية بالسريالية والفنتازيا، ويتخذ فيها الزمن طابعا زئبقيا متشظيا، في سياق يستكشف تعقيدات الهوية المغربية قبيل الاستقلال. وفي هذه المرحلة التاريخية الحرجة، شهدت الهوية المغربية تحولات عميقة، انتقلت خلالها من أشكال التعبير العفوي المرتبطة بالأرض والدين والانتماء الجماعي إلى أشكال أكثر تنظيما وتأطيرا سياسيا، ارتبطت بنشاط الحركة الوطنية ومطالبها الرامية إلى استعادة السيادة الوطنية. وقد تجسدت إحدى أبرز محطات هذا المسار في تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944. وفي ظل هذه التحولات، يغدو الزمن الروائي مجالا تتقاطع فيه الذاكرة بالتاريخ، ويتداخل فيه تشكل الذات الفردية مع تحولات الجماعة الوطنية.

وانطلاقا من هذا السياق، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة تمثيلات الزمن في رواية «اللاروب»، من خلال تحليل دلالات التشظي الزمني وتعطل الساعة، واستكشاف أبعادها الوجودية والاجتماعية والتاريخية. كما تتوقف عند الوظيفة الرمزية للدارجة المغربية في الحوارات الروائية، ولا سيما في الردود الساخرة التي يقدمها علالو عن الساعة، للكشف عن الكيفية التي تتحول بها اللغة اليومية إلى أداة لتشخيص أعطاب الواقع واستبطان اختلالاته. وتفترض الدراسة أن الزمن الناقص في الرواية لا يمثل مجرد خلل في القياس الزمني، بل يجسد حالة من التعطل التاريخي، ويكشف عن فجوة بين انتظارات الذات وإمكانات الواقع.

زمن التشظي: من اختلال التتابع إلى تعطل التاريخ

لم يعد الزمن في الرواية الحديثة يبنى بالضرورة على التسلسل التعاقبي الذي ميز جانبا مهما من الرواية التقليدية، إذ أخذ السرد ينزاح عن خطية الزمن المألوف، متجاوزا انتظام الأحداث وفق منطق سببي صارم. وقد حظي الزمن باهتمام واسع في الدراسات الفلسفية والنقدية، بدءا من التصورات الفلسفية القديمة، مرورا بإسهامات الشكلانيين الروس، وصولا إلى المقاربات البنيوية والسردية الحديثة. وأصبح تحليل الزمن أحد المداخل الأساسية لفهم بنية الرواية وآليات اشتغالها، بالنظر إلى دوره في تنظيم الأحداث وتوجيه إدراك القارئ للعالم الحكائي.

في رواية «اللاروب»، يتجسد هذا الاختلال الزمني منذ اللحظات الأولى التي يدخل فيها البطل الشاب والمخبر محمد بنيس كاباريه «سانترا» في الدار البيضاء، خلال صيف 1946، وفق إحدى الإشارات الزمنية الواردة في الرواية، أو في خريف 1947 وفق الإشارة الأخرى. ويشكل هذا الفضاء عالما مغلقا تتعطل فيه المقاييس الزمنية المألوفة، ويهيمن عليه الحنين، فيما تتداخل الذاكرة بالواقع، ويتحول الماضي إلى تجربة مستمرة لا تنقضي بانقضاء لحظتها التاريخية.

وعندما يغادر بنيس هذا الفضاء، يجد نفسه منقولا إلى عام 2018، وقد شاخ جسده، في مفارقة سردية تقوض العلاقة المألوفة بين الزمن البيولوجي والزمن التاريخي. ويعبر النص عن هذا الانتقال بقوله: «يوم خرج من سانترا صيف 1946، إلى صيف 2018، أو من يونيو 2018، لصيف 1946…» (ص. 262). لا يؤدي هذا الانتقال وظيفة عجائبية فحسب، بل يفتح ثغرة في البناء الزمني للرواية، تتداخل من خلالها الأزمنة وتتزعزع الحدود الفاصلة بين الماضي والمستقبل، وبين الحلم والواقع. وبذلك يغدو التشظي الزمني مبدأ منظما للعالم الروائي، لا مجرد تقنية سردية معزولة، إذ يكشف عن اضطراب أعمق في علاقة الشخصية بتاريخها، وفي قدرتها على إدراك موقعها ضمن مسار زمني متصل.

ويتجلى هذا الاضطراب بوضوح في لازمة «اللاروب»، التي تحيل إلى توقيت ناقص يتكرر داخل فضاء «سانترا»، وترافقها، في مواضع متعددة، حكمة أو أبيات شعرية من يوميات بوعياد. ويعلق السارد على هذه العلاقة قائلا: «غريب، يوميات بوعياد مهووسة بالزمن…» (ص. 90). ويأتي توضيح العلاقة بين الزمن الظاهر والزمن المستتر في المقطع الآتي: «هناك زمنان في سانترا: زمن ظاهر: اللاروب، إلا ربعا. زمن مستتر: السادسة والنصف. الظاهر يحيل إلى عدم الاكتمال، والباطن إلى العجز والسكون والاضطراب» (ص. 97).

يكشف هذا التمييز عن مستويين زمنيين متداخلين: مستوى ظاهر يعلن النقص وعدم الاكتمال، ومستوى مستتر يحيل إلى السكون والاضطراب والعجز عن الحركة. ومن ثم، لا تعود الساعة أداة محايدة لقياس الوقت، بل تتحول إلى علامة رمزية تختزن التوتر بين ما يبدو متحققا وما يظل معطلا في العمق. ولا يقتصر اضطراب الزمن على بنيس وحده، بل يمتد إلى الشخصيات التي تتقاسم فضاء «سانترا»، فيغدو حالة جماعية تعكس اختلال علاقة الجميع بالحاضر والتاريخ. وفي هذا السياق، يقول الموتشو: «تريدون أن تخرجوا من وضع تتداخل فيه الأزمنة؟ عليكم بالفكر، ولا فكر بدون حرية» (ص. 106). ويكشف هذا القول عن ارتباط محتمل بين الخروج من أسر الزمن المتداخل واستعادة القدرة على التفكير الحر، إذ لا يبدو الاضطراب الزمني مجرد مشكلة في إدراك الواقع، بل يتصل أيضا بشروط الوعي وإمكانات التحرر من أنماط التفكير المغلقة.

وتكتسب عبارة «اللاروب» دلالة تتجاوز معناها الحرفي بوصفها توقيتا يشير إلى إلا ربع، لتصبح استعارة للنقص الذي يطبع التجربة الفردية والجماعية. فالزمن يظل ناقصا ومبتورا، كما لو كان يعيد إنتاج الوعود غير المكتملة والأحلام المؤجلة والمشروعات التي لم تبلغ غاياتها. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الزمن الروائي بوصفه تمثيلا رمزيا لتعطل بعض مسارات التحديث والتحول الاجتماعي والسياسي، لا سيما حين تتسع الفجوة بين التطلعات المعلنة وشروط تحققها التاريخي. وفي هذا الإطار، يمكن استحضار مفهوم «التأخر التاريخي» في فكر عبد الله العروي، باعتباره أفقا نظريا مساعدا على فهم التفاوت بين إيقاع الوعي التاريخي وإيقاع التحولات الفعلية في الواقع. غير أن هذه المقارنة تظل مدخلا تفسيريا يحتاج إلى تدعيم نظري ونصي، حتى لا يتحول الربط بين الرواية ومفهوم العروي إلى مجرد تشابه عام في الدلالة.

إن النقص الذي يرمز إليه «اللاروب» لا يختزل في تعطل الساعة، بل يمتد إلى شعور جماعي بأن الواقع لم يحقق ما كان منتظرا منه. ومن هنا يمكن فهم عبارة «أمة اللاروب» بوصفها صياغة مجازية تختزل فجوة بين الإمكانات والتطلعات من جهة، والإنجازات المتحققة من جهة أخرى. وقد أسهم توظيف حسن أوريد للدارجة المغربية في تكثيف هذا المعنى، إذ حول لغة الحياة اليومية إلى أداة نقدية تكشف المفارقات الاجتماعية والتاريخية، وجعل من الساعة المعطلة ومن الردود الساخرة للشخصيات وسيلتين لتشخيص مظاهر الاختلال في الواقع.

تفكيك الردود اللغوية لعلالو: الساعة بوصفها استعارة للعطب

يتجلى تعطل الزمن بصورة لافتة في الحوارات المتكررة بين العلام وعلالو، حين يسأله الأول عن الساعة، فيجيبه الثاني بعبارات دارجة تبدو، في ظاهرها، عفوية أو ساخرة، لكنها تكتسب، في سياق الرواية، دلالات تتجاوز معناها المباشر. ففي الصفحة 112، يسأل العلام علالو عن الساعة، فيجيبه: «مضببة». وفي الصفحة 121، يرد علالو عن سؤال «شحال الساعة أعلالو؟» بعبارة «مطنشة». ثم يجيء الرد في الصفحة 133 على النحو الآتي: «دخل لها الماء». وفي الصفحة 167، يجيب عن السؤال نفسه بكلمة «حامضة». أما في الصفحة 206، فيرد بهدوء: «طاح ليها الموري».

تكشف هذه الإجابات عن نمط حواري متكرر يقوم على إرجاء الإجابة المباشرة واستبدالها بتعابير مجازية تنقل السؤال من مستوى قياس الوقت إلى مستوى التعبير عن اختلاله. فالعلام يسأل عن الساعة بوصفها أداة يفترض أن تقدم معلومة دقيقة، بينما يجيب علالو بلغة تنقض هذا الافتراض، وتحيل إلى العطب أو اللامبالاة أو فساد الآلة. وهكذا تنشأ مفارقة بين جدية السؤال وبنية الجواب، وبين الحاجة إلى تحديد الزمن واستحالة الإمساك به. ويمكن تصنيف هذه الردود، على سبيل التحليل الدلالي، ضمن ثلاثة مستويات متداخلة:

أولا: السخرية والتهكم. تتجلى هذه الوظيفة في عبارتي «مطنشة» و«حامضة»، حيث تتحول الإجابة إلى صيغة ساخرة تفرغ السؤال من طابعه العملي. فبدلا من تقديم توقيت محدد، يواجه علالو السؤال بما يشبه اللامبالاة أو التهكم، وكأن الزمن نفسه لم يعد يستحق إجابة جادة. وتكشف هذه المفارقة عن مسافة تفصل الشخصيات عن الإحساس المعتاد بانتظام الحياة اليومية.

ثانيا: الضبابية وتعذر التحديد. يمكن قراءة عبارة «مضببة» بوصفها إحالة إلى غياب الوضوح وتعذر الرؤية الدقيقة، بما يجعلها قابلة للامتداد من المجال الحسي إلى المجال الرمزي. أما عبارة «طاح ليها الموري»، فتستدعي، في معناها المرتبط بتعطل الساعة، صورة آلة فقدت قدرتها على أداء وظيفتها. وبذلك تتخذ الإجابة شكل وصف غير مباشر لحالة يستحيل فيها تحديد الزمن أو الوثوق بانتظامه.

ثالثا: العطب المادي بوصفه علامة على الاختلال البنيوي. تبرز هذه الدلالة في عبارة «دخل لها الماء»، التي تحيل إلى خلل مادي أصاب الساعة وأفقدها قدرتها على العمل بصورة سليمة. غير أن القيمة الرمزية للعبارة تنشأ من سياق تكرار السؤال والجواب، إذ يتحول العطب المادي إلى صورة مكثفة لاختلال أوسع يطبع الفضاء الروائي. فالساعة التي يفترض أن تنظم الزمن تصبح عاجزة عن أداء وظيفتها، على نحو يوازي عجز الشخصيات عن استعادة انتظام حياتها أو بناء علاقة مستقرة بالحاضر.

ولا ينبغي النظر إلى هذه التصنيفات بوصفها حدودا دلالية مغلقة، إذ يمكن للعبارة الواحدة أن تجمع بين السخرية والضبابية والإحالة إلى العطب. فالقيمة النقدية لهذه الردود تكمن تحديدا في تعدد مستوياتها، وفي قدرتها على نقل اللغة اليومية من وظيفتها التواصلية المباشرة إلى وظيفة رمزية تتصل ببنية الرواية ورؤيتها للعالم. ومن ثم، لا يقتصر حضور الدارجة المغربية في هذه الحوارات على إضفاء طابع محلي أو واقعي على الشخصيات، بل يسهم في إنتاج المعنى وفي بناء المفارقة السردية. فاللغة هنا لا تصف تعطل الساعة فحسب، وإنما تجسده من خلال مراوغة السؤال وتفريغ الإجابة من مضمونها التقريري. وبذلك تصبح الحوارات القصيرة وسيلة فنية لتكثيف الإحساس بزمن مأزوم، يتعذر ضبطه أو إخضاعه لمنطق القياس المألوف.

خاتمة

يتضح، من خلال تحليل تمثيلات الزمن في رواية «اللاروب»، أن العنوان لا يؤدي وظيفة وصفية محايدة، بل ينهض بوصفه استعارة مركزية تنتظم حولها دلالات النقص والتعطل والانتظار. فالربع الناقص لا يشير إلى خلل في قياس الوقت فحسب، بل يعبر عن فجوة بين ما تتطلع إليه الذات وما تستطيع تحقيقه، وبين الوعود التاريخية وإمكانات إنجازها في الواقع. ويكشف تشظي الزمن وتداخل مستوياته عن اضطراب العلاقة بين الفرد وتاريخه، في حين تسهم الساعة المعطلة والحوارات الساخرة في تجسيد هذا الاضطراب على المستوى المادي واللغوي. كما يتيح توظيف الدارجة المغربية تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى أدوات نقدية، تكشف عن التوترات الكامنة في التجربة الاجتماعية والتاريخية، وتمنح الرواية خصوصيتها التعبيرية.

وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى «اللاروب» باعتباره تعبيرا مجازيا عن زمن لم يكتمل، وعن مشروع يظل معلقا بين التطلع إلى التغيير والعجز عن استيفاء شروطه. غير أن الرواية لا تحصر عالمها في التعطل والانكسار، إذ تظل الموسيقى والشعر والذاكرة فضاءات لاستمرار الحلم ومقاومة النسيان. وتتردد في أرجاء كاباريه «سانترا» أغان لأم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب والحسين السلاوي وناس الغيوان ومحمد الإدريسي وإديث بياف، بما يستحضره هذا التنوع من عوالم فنية ووجدانية تتجاوز حدود اللحظة التاريخية الضيقة.

وتتجاوب هذه الذاكرة الموسيقية مع الأفق الشعري الذي تستدعيه أسماء بدر شاكر السياب وأمل دنقل ومحمود درويش، لتؤكد أن الزمن، على الرغم من أعطابه، لا ينغلق تماما على السكون، إذ تظل الفنون قادرة على حفظ أثر التجربة الإنسانية، واستعادة ما عجز الواقع عن تحقيقه، وفتح إمكانات رمزية لمستقبل لم يكتمل بعد. وهكذا، لا تغدو عقارب الساعة المتوقفة مجرد علامة على ماض معطل، بل تصبح دعوة إلى مساءلة الحاضر وشروط تجاوزه. فالربع الناقص هو، في نهاية المطاف، صورة لزمن مأزوم يطالب باستكمال ما انقطع، واستعادة القدرة على تحويل الانتظار إلى فعل، والتطلع إلى أفق تاريخي أكثر اكتمالا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *