بقلم الإعلامي البشير حيمري, كوبنهاغن-الدنمارك
ليست القضية التي تطرحها إقامة الجالية المغربية في الدنمارك مجرد مسألة اندماج في مجتمع جديد، ولا هي نقاش تقليدي حول المحافظة على الهوية في مواجهة الاختلاف الثقافي. إن المسألة، في جوهرها، أعمق من ذلك بكثير؛ إنها سؤال عن طبيعة حضورنا في المجتمع الدنماركي، وعن قدرتنا على الانتقال من مجرد التعايش مع محيطنا إلى المشاركة الواعية في تشكيل مستقبله، دون أن نفقد صلتنا بجذورنا أو نختزل انتماءنا في شعارات لا تنعكس بالضرورة على سلوكنا ومواقفنا. لقد اختارت أسر مغربية كثيرة الدنمارك فضاء للاستقرار والعمل وتربية الأبناء وبناء المستقبل.
وهذا الاختيار لا يمكن أن يُقرأ باعتباره انتقالا جغرافيا فحسب، بل هو انتقال إلى فضاء قانوني وثقافي ومؤسساتي له قواعده وقيمه وآليات اشتغاله. ومن ثم، فإن المسؤولية تقتضي منا أن نفهم المجتمع الذي نعيش فيه، وأن نتعامل مع مؤسساته بعقلانية، وأن ندرك أن الاستفادة من الحقوق لا تنفصل عن احترام القوانين، وأن المواطنة الفاعلة لا تتحقق بمجرد الإقامة، وإنما تتأسس على المشاركة وتحمل المسؤولية والإسهام في الصالح العام. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا بوضوح هو: هل نريد أن نكون جالية تعيش داخل المجتمع الدنماركي، أم جماعة مواطنة فاعلة تعرف كيف تستثمر إمكاناتها، وتدافع عن مصالحها المشروعة، وتساهم في توجيه النقاش العام من داخل المؤسسات الديمقراطية؟ إن الفرق بين الحالتين ليس لغويا، بل استراتيجي.
أولا: الهوية ليست جدارا عازلا، والمواطنة ليست تنازلا عن الجذور
من أكثر الأخطاء التي تعرقل النقاش داخل بعض أوساط المهاجرين الاعتقاد بأن الانفتاح على المجتمع المضيف يستلزم التنازل عن الهوية، أو أن المحافظة على الهوية تفرض اتخاذ مسافة من المجتمع المحيط. وهذه ثنائية زائفة لا تصمد أمام التحليل الهادئ. فالهوية المغربية والإسلامية ليستا نقيضا حتميا للانتماء إلى المجتمع الدنماركي. كما أن احترام النظام الديمقراطي الدنماركي لا يعني التخلي عن المرجعية الدينية أو الذاكرة الثقافية أو الروابط التاريخية مع المغرب. إن الإنسان قادر على الجمع بين انتماءات متعددة، متى امتلك الوعي الكافي للتمييز بين الثوابت التي تمنحه توازنه، والقواعد المشتركة التي تنظم حياته مع الآخرين.
المطلوب، إذن، ليس المفاضلة بين الهوية والمواطنة، وإنما بناء علاقة ناضجة بينهما. علاقة تقوم على احترام القانون، والاعتراف بحق الآخرين في الاختلاف، وممارسة الحرية في إطار المسؤولية، والتمييز بين ما نؤمن به لأنفسنا وما يحق لنا فرضه على غيرنا. فالديمقراطية لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن معتقداته، وإنما تضع إطارا يتيح لمختلف المعتقدات والقناعات أن تتعايش دون أن يتحول أي منها إلى سلطة تلغي حقوق الآخرين. ومن هنا، فإن الدفاع عن الإسلام لا يحتاج إلى الخصومة مع الديانات الأخرى، والاعتزاز بالثقافة المغربية لا يستلزم التقليل من الثقافة الدنماركية. بل إن قوة الهوية تظهر حين تستطيع الانفتاح دون خوف، والحوار دون عقدة، والاختلاف دون عداء. فالهوية الواثقة لا تخشى التعدد، والمواطنة الناضجة لا تشترط محو الذاكرة.
ثانيا: لا يكفي أن نطالب بالحقوق؛ علينا أن نمتلك أدوات التأثير
تتيح الديمقراطية الدنماركية، في إطار قوانينها، قنوات متعددة للمشاركة السياسية والنقابية والجمعوية. غير أن وجود هذه القنوات لا يعني بالضرورة أن الجالية المغربية تستثمرها بالقدر الذي تسمح به إمكاناتها. وهنا تكمن إحدى المفارقات التي تستحق النقاش: قد يكون الفرد حريصا على متابعة القرارات التي تؤثر في حياته، وعلى مناقشة قضايا التعليم والسكن والعمل والتربية والسياسات الاجتماعية، لكنه لا يشارك في الهيئات التي تناقش هذه القضايا أو تصنع القرارات المتعلقة بها. وقد يشتكي من ضعف تمثيل المهاجرين، دون أن يسأل عن مدى انخراطه في الأحزاب والنقابات والجمعيات والمجالس المنتخبة، أو عن مدى استعداده لخوض تجربة العمل العام.
إن النفوذ داخل المجتمعات الديمقراطية لا يُكتسب بمجرد الانتماء إلى أقلية، ولا يتولد تلقائيا من عدد أفرادها. إنه نتيجة التنظيم، والمعرفة، والاستمرارية، والقدرة على بناء التحالفات، وتقديم مقترحات قابلة للنقاش والتنفيذ. ولهذا، لا ينبغي أن تتحول الجالية المغربية إلى كتلة مغلقة تبحث عن صوت واحد أو موقف موحد من جميع القضايا. فالتعدد السياسي داخلها أمر طبيعي، والاختلاف بين اليمين واليسار والوسط ليس خللا ينبغي إخفاؤه، وإنما تعبير عن تنوع المصالح والتصورات والاختيارات الفردية. المعيار الحقيقي ليس أن نتفق جميعا على الاتجاه السياسي نفسه، بل أن نتفق على قواعد الحوار الديمقراطي، وعلى رفض التحريض والكراهية، وعلى احترام المؤسسات، وعلى حق كل فرد في اتخاذ موقفه بحرية. إن المشاركة السياسية ليست مجرد وسيلة للحصول على مكاسب آنية، بل مدرسة لتعلم المسؤولية، وفهم آليات اتخاذ القرار، وتحويل المطالب المتفرقة إلى برامج قابلة للتنفيذ. ومن لا يشارك في صناعة القرار، لا يستطيع أن يكتفي بالشكوى من نتائجه.
ثالثا: الأسرة هي خط الدفاع الأول عن التوازن، لا عن الانغلاق
إذا كان الحضور في المجال العام يحدد موقع الجالية داخل المجتمع، فإن الأسرة تحدد إلى حد بعيد نوعية الأجيال التي ستتحمل مسؤولية هذا الحضور مستقبلا. وتواجه الأسرة المغربية في الدنمارك تحديا مركبا: كيف تنقل إلى أبنائها الدين واللغة والذاكرة الثقافية، وفي الوقت نفسه تهيئهم للنجاح في مدرسة ومجتمع تحكمهما قواعد ثقافية ومؤسساتية قد تختلف عن تلك التي نشأ عليها الآباء؟
إن الجواب لا يكمن في الانغلاق، ولا في ترك الأبناء يواجهون وحدهم أسئلة الهوية والانتماء. بل يكمن في التربية الواعية، وفي قدرة الوالدين معا على بناء علاقة تقوم على الثقة والحوار، وتجمع بين الوضوح في القيم والمرونة في فهم الواقع. ومن الضروري هنا تجاوز تصور يختزل التربية الإسلامية في الأوامر والنواهي، أو يقيس الالتزام الديني بمقدار المسافة التي تفصل الأبناء عن المجتمع المحيط. فالتربية التي لا تنمي التفكير المسؤول، ولا تعلم احترام كرامة الإنسان، ولا تساعد الناشئة على فهم الاختلاف، قد تنتهي إلى نتائج معاكسة للمقاصد التي تسعى إلى تحقيقها.
إن المطلوب هو تربية أبناء يعرفون دينهم دون أن يتحول الدين في وعيهم إلى مبرر للاحتقار أو الإقصاء، ويعتزون بأصولهم دون أن ينظروا إلى الآخرين باعتبارهم غرباء، ويستطيعون الدفاع عن قناعاتهم دون الإساءة إلى قناعات غيرهم. كما ينبغي أن ندرك أن أبناءنا ليسوا نسخة مطابقة من آبائهم، وأن تجاربهم وأسئلتهم تتشكل داخل واقع اجتماعي مختلف. لذلك، فإن فرض تصورات جاهزة عليهم، دون تفسير أو نقاش، قد يوسع الهوة بين الأجيال بدلا من أن يحمي الروابط الأسرية. والأهم أن مسؤولية التربية لا ينبغي أن تُلقى على عاتق الأم وحدها، أو أن يُختزل دور الأب في توفير المتطلبات المادية. إنها مسؤولية مشتركة تستلزم حضورا فعليا للوالدين، وتنسيقا مستمرا بينهما، وفهما للقوانين والمؤسسات التعليمية والاجتماعية التي تؤثر في حياة الأبناء. إن نجاح أبناء الجالية المغربية في الدنمارك لا يقاس بقدرتهم على المحافظة على ماضي أسرهم فقط، بل بقدرتهم أيضا على بناء مستقبلهم بثقة وكفاءة، دون قطيعة مع جذورهم.
رابعا: التعددية الدينية والثقافية اختبار عملي لقيمنا
من السهل أن نتحدث عن التسامح باعتباره قيمة أخلاقية، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما نواجه معتقدا مختلفا، أو رأيا لا ينسجم مع تصوراتنا، أو ممارسة اجتماعية لا نختارها لأنفسنا. فالتعددية ليست أن يعيش المختلفون متجاورين فحسب، بل أن يعترف كل طرف بحق الطرف الآخر في الوجود والتعبير والمشاركة، ضمن الإطار القانوني المشترك. ومن هذا المنطلق، فإن احترام التعددية الدينية في الدنمارك لا ينتقص من تمسك المسلم بعقيدته، كما أن حرية الاعتقاد التي يتمتع بها الآخر لا تشكل تهديدا تلقائيا لهويته. إن تحويل الاختلاف إلى صراع دائم يضر بالمجتمع، ويضعف الثقة المتبادلة، ويجعل القضايا الدينية والثقافية أدوات للتعبئة بدل أن تكون موضوعات للفهم والحوار. ولا يعني ذلك أن نتخلى عن حقنا في النقاش أو النقد. فحرية التعبير تقتضي إمكان مناقشة الأفكار والممارسات والسياسات، لكنها لا تمنح أحدا مبررا للتحريض على الأشخاص أو الانتقاص من كرامتهم بسبب دينهم أو أصولهم.
ومن واجبنا كذلك ألا نستورد إلى الدنمارك صراعات سياسية أو طائفية أو دينية تجري في أماكن أخرى من العالم، ثم نحول أبناء الجالية إلى امتداد لها. يمكننا أن نهتم بما يجري خارج حدود الدنمارك، وأن نتخذ مواقف إنسانية أو سياسية بشأنه، لكن دون أن نسمح لذلك بأن يقوض السلم الاجتماعي أو يزرع العداء بين مواطنين وجيران تجمعهم الحياة اليومية والمصالح المشتركة. إن احترام المجتمع الذي نعيش فيه لا يعني الصمت أمام الظلم، كما أن التضامن مع المظلومين لا يبرر استهداف أشخاص بسبب هويتهم الدينية أو الوطنية. وهذه التفرقة ضرورية لكل من يريد أن يمارس موقفا أخلاقيا مسؤولا، بعيدا عن الانتقائية والانفعال.
خامسا: التاريخ المغربي رصيد أخلاقي، وليس بديلا عن مسؤولية الحاضر
يمتلك المغرب تاريخا غنيا من التفاعل بين مكوناته الثقافية والدينية، ومن الشواهد البارزة على ذلك الوجود اليهودي المتجذر في البلاد، وما عرفته بعض المراحل التاريخية من استقبال يهود فروا من الاضطهاد، خصوصا عقب طردهم من إسبانيا في نهاية القرن الخامس عشر. كما أن الذاكرة المغربية تحتفظ بأمثلة مهمة عن التعايش بين المسلمين واليهود، وعن مساهمة المكون اليهودي في الحياة الاقتصادية والثقافية والفنية للمملكة. وتبرز هذه الشواهد أن التاريخ المغربي لا يمكن اختزاله في رواية أحادية، وأن تنوعه جزء من ثرائه الحضاري.
لكن استدعاء التاريخ ينبغي ألا يتحول إلى مجرد وسيلة للتفاخر، أو إلى ادعاء بأن مجتمعاتنا كانت خالية من التوترات والتناقضات. فالتاريخ، حين نقرأه بجدية، يعلمنا أن التعايش ليس معطى ثابتا، وإنما تجربة تحتاج إلى حماية وتجديد، وأن التسامح لا يستمر بالشعارات وحدها، بل بالمؤسسات والضمانات القانونية والممارسات اليومية. ومن هنا، فإن أفضل طريقة للاعتزاز بتاريخ المغرب ليست الاكتفاء بسرد صفحاته المشرقة، بل ترجمة القيم التي نعتز بها إلى سلوك معاصر. فإذا تحدثنا عن التعايش، وجب أن نمارسه. وإذا استحضرنا التسامح، وجب أن يظهر في خطابنا تجاه المخالفين. وإذا افتخرنا بانفتاح ثقافتنا، وجب أن نعكس ذلك في قدرتنا على الحوار مع المجتمع الدنماركي. إن الماضي يمنحنا رصيدا رمزيا، لكنه لا يعفينا من امتحان الحاضر.
سادسا: الجالية التي لا تنتج خطابها تظل أسيرة خطابات الآخرين
إن إحدى الحاجات الملحة داخل الجالية المغربية في الدنمارك تتمثل في بناء فضاء مستقل للحوار الجاد، يتجاوز المناسبات العابرة والمواقف الانفعالية، ويتيح مناقشة القضايا التي تؤثر فعليا في حياة المغاربة وأبنائهم. فغياب النقاش المنظم يترك المجال للشائعات، وللتعميمات، وللخطابات التي تستثمر المخاوف والهويات المغلقة. كما يجعل الأفراد يتحدثون عن قضايا مشتركة دون أن يمتلكوا معلومات كافية عنها، أو دون أن تتوفر لهم مساحة آمنة ومحترمة لاختلاف الآراء. والمطلوب ليس تأسيس منصة جديدة تحمل اسما جذابا فحسب، بل بناء ثقافة للحوار تقوم على الاستقلالية، والجدية، والقدرة على الإنصات، واحترام التخصص، والفصل بين الرأي والمعلومة، وبين الاختلاف الفكري والخصومة الشخصية.
يمكن لهذه المنصة أن تناقش أوضاع الأسر، وتحديات الشباب، والتعليم، وسوق العمل، والمشاركة السياسية، والعلاقات بين الأجيال، والحوار الديني والثقافي. ويمكنها أيضا أن تفتح المجال أمام المختصين والفاعلين الجمعويين والسياسيين والنقابيين لتقديم قراءات مختلفة، دون أن تتحول إلى أداة لتصفية الحسابات أو احتكار تمثيل الجالية. ولكي تكون المبادرة ذات مصداقية، ينبغي أن تحترم تعدد التوجهات، وأن تتيح الفرصة للنساء والشباب، وأن تستند إلى قواعد واضحة للنقاش، وأن تقيس نجاحها بقدرتها على إنتاج أفكار ومبادرات ملموسة، لا بعدد المتابعين أو حدة التعليقات. فالجالية لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تكرر ما يقال، بقدر حاجتها إلى فضاء يساعدها على فهم ما يجري، وتحديد أولوياتها، وبناء رؤية مشتركة لما يمكن إنجازه.
سابعا: ما الذي تنتظره الدنمارك منا، وما الذي ينبغي أن ننتظره من أنفسنا؟
إن العلاقة بين الجالية والمجتمع الدنماركي لا ينبغي أن تُبنى على منطق المطالب وحدها، ولا على منطق الامتنان الذي يمنع النقد. إنها علاقة مواطنة ومصالح مشتركة، يحكمها القانون وتثريها المشاركة.ومن حق أفراد الجالية أن ينتظروا المساواة في المعاملة، واحترام كرامتهم، وتكافؤ الفرص، ومواجهة التمييز، وإتاحة المشاركة في المؤسسات العامة وفقا للقواعد القانونية. وفي المقابل، فإن مسؤوليتهم تتمثل في احترام القانون، والإسهام في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتربية الأبناء على المسؤولية، والمشاركة في حماية التماسك المجتمعي.
ولا ينبغي أن يُطلب من المغاربة إثبات ولائهم للمجتمع من خلال التخلي عن هويتهم، كما لا ينبغي أن يُستخدم الانتماء الثقافي أو الديني لتبرير رفض القواعد المشتركة. فالانتماء إلى المجتمع الدنماركي لا يُقاس بمدى التشابه في الأصول، بل بمدى احترام القانون والمشاركة في الحياة العامة والاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات. وفي الوقت نفسه، يجب أن نتوقف عن التعامل مع الاندماج باعتباره مسؤولية أحادية تقع على المهاجر وحده. فالمجتمع المضيف ومؤسساته يتحملان أيضا مسؤولية توفير فرص عادلة للمشاركة، ومواجهة الأحكام المسبقة، وإزالة العوائق غير المبررة أمام التعليم والعمل والتمثيل. إن الاندماج الناجح ليس مطالبة طرف واحد بالتغيير، بل عملية متبادلة، وإن كانت مسؤوليات أطرافها ليست متطابقة. وهو ليس ذوبانا ثقافيا، كما أنه ليس انعزالا باسم الخصوصية؛ بل مشاركة في إطار مشترك يحمي الحقوق ويتيح الاختلاف.
من الاعتزاز بالهوية إلى صناعة المكانة
إن الرهان الحقيقي أمام الجالية المغربية في الدنمارك ليس أن تثبت أنها مختلفة، ولا أن تقنع الآخرين بأنها متشابهة معهم، وإنما أن تثبت قدرتها على تحويل اختلافها إلى قيمة مضافة للمجتمع الذي تعيش فيه. نحتاج إلى مغاربة يعتزون بدينهم دون تعصب، ويحترمون الثقافة الدنماركية دون عقدة نقص، ويتمسكون بجذورهم دون انغلاق، ويمارسون مواطنتهم دون تردد، ويختلفون سياسيا دون أن تتحول خلافاتهم إلى خصومات شخصية أو انقسامات دائمة. ونحتاج، قبل كل شيء، إلى الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة؛ من الشكوى من ضعف الحضور إلى بناء أدوات التأثير؛ ومن الاكتفاء باستحضار أمجاد الماضي إلى تقديم نموذج مقنع في الحاضر.
إن الجالية القوية ليست بالضرورة الجالية الأكثر عددا، ولا الأكثر ضجيجا في النقاش العام، بل تلك التي تعرف مصالحها، وتفهم مؤسسات المجتمع الذي تعيش فيه، وتحسن تنظيم طاقاتها، وتربي أبناءها على الثقة والمسؤولية، وتدافع عن حقوقها بالحجة والعمل والمشاركة الديمقراطية. وإذا أردنا أن نترك لأبنائنا إرثا يستحق الاعتزاز، فلا يكفي أن نورثهم أسماءنا وذكرياتنا وشعاراتنا؛ علينا أن نورثهم أيضا القدرة على التفكير، وشجاعة الحوار، واحترام الاختلاف، وفهم القانون، والإيمان بأن المكانة في المجتمع لا تُمنح بالانتساب وحده، وإنما تُبنى بالكفاءة والمشاركة والاستقامة. إن مستقبل الجالية المغربية في الدنمارك لن تصنعه الأسئلة التي نكررها عن هويتنا، بقدر ما ستصنعه الإجابات العملية التي نقدمها عن دورنا. فإما أن نكون حضورا واعيا يساهم في بناء المجتمع، وإما أن نظل موضوعا للنقاش الذي يصوغه الآخرون عنا. وبين الخيارين تتحدد مسؤوليتنا التاريخية تجاه أنفسنا وأبنائنا والبلد الذي اخترنا أن يكون وطن إقامتنا ومستقبل أجيالنا.
