بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في المدن التي تنام فوق ذاكرة الفلاسفة، كان التعليم سؤالا يسبق الدولة، وكان المعلم يشبه ذلك المصباح الذي يحترق كي لا تتعثر البشرية في عتمة بداياتها. قال أفلاطون، في جوهر مشروعه الفلسفي، إن التربية هي الطريق الذي تتشكل به المدينة الفاضلة، ورأى أرسطو أن مصير الدولة يتوقف على نوعية التربية التي تمنحها لأبنائها. وفي الموروث العربي، احتل العلم منزلة لا ينازعها فيها شيء، حتى جعل ابن خلدون التعليم صناعة، ورأى في التدرج والرفق أساسا لاكتساب المعرفة، بينما كشف الجاحظ، بعينه النافذة، أن الإنسان لا ينمو في الفراغ، بل في اللغة والبيئة والتجربة. لكن ماذا لو دخل هؤلاء الفلاسفة اليوم الى قسم من أقسام التعليم الاولي في المغرب؟ ماذا لو رأوا طفلا يفتح عينيه على العالم، ومربية تحاول أن تفتح له أبواب المعرفة، بينما يظل مستقبلها المهني معلقا بين جمعية تدبر، ووعود تنتظر، وحقوق تبحث عن عنوان دائم؟ هل كانوا سيكتبون فصلا جديدا في فلسفة التربية، أم كانوا سيعتبرون ما يحدث مفارقة تستحق أن تهتز لها أعمدة المدينة؟
إننا لا نتتبع ملف المربيات والمربين بدافع التعاطف، ولا لأن القضية تصلح مادة للاستهلاك الإعلامي، بل لأن التعليم الأولي هو المكان الذي تبدأ فيه هندسة الإنسان قبل أن تتشكل ملامح المواطن. هناك، في تلك المساحة الصغيرة التي تبدو هامشية في حسابات الميزانيات، يجري الحدث الأكبر: طفل يتعلم الكلام، ويكتشف الثقة، ويتدرب على الاختلاف، ويضع أولى لبناته في بناء شخصيته. فكيف يمكن لمجتمع أن يطلب من هؤلاء صناعة البدايات، بينما يترك بداياتهم المهنية نفسها رهينة الانتظار؟
في هذا السياق، تحسب للسيد نبيل بنعبد الله خطوة فتح باب الحوار مع ممثلي نقابات التعليم الاولي. إنها خطوة تستحق التقدير، لا لأنها أنهت الملف، بل لأنها تعترف بأن الصمت ليس سياسة، وأن القضايا العالقة لا تتحول الى حلول بمجرد تركها في ممرات الانتظار. غير أن التاريخ لا يسجل النوايا بالقدر الذي يسجل به النتائج، والحوار، مهما كانت أهميته، لا يصبح إنجازا إلا حين يغادر قاعة الاجتماع الى حياة الناس، وحين تتحول الكلمات الى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ. هنا بالضبط يبدأ الامتحان الحقيقي. هل يكون اللقاء بابا نحو تسوية عادلة، أم نافذة أخرى يطل منها الأمل ثم يغلقها الزمن؟ هل ستترجم الوعود الى إجراءات واضحة، وآجال محددة، وضمانات اجتماعية ومهنية تحفظ كرامة المربيات والمربين؟ وهل ستتم معالجة اختلالات التدبير التي جعلت فئة تتحمل مسؤولية تربوية جسيمة، فيما يظل استقرارها المهني موضع سؤال؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإصلاح ليس فشله المعلن، بل نجاحه في صناعة صورة براقة تخفي وراءها اختلالات الواقع. قد ترتفع أعداد الأقسام، وتتسع خريطة التعميم، وتتكاثر التقارير التي تحتفي بالمؤشرات، لكن السؤال الذي لا ينبغي أن يختبئ خلف الأرقام هو: من يحرس طفولة المغاربة في سنواتها الأولى، ومن يحرس في المقابل حق من يتولى هذه المهمة في الاستقرار والإنصاف؟
ليس المربي رقما في جدول التدبير، ولا كلفة ينبغي تخفيضها كلما ضاقت الحسابات. إنّه شريك في صناعة المستقبل. وإذا كان الطفل يحتاج الى الأمان كي يتعلم، فإن المربي يحتاج بدوره الى الأمان المهني كي يعلم. لا يمكن أن نزرع الطمأنينة في نفس طفل بأيد ترتجف من القلق على الغد، ولا أن نطالب بالجودة باعتبارها واجبا من طرف واحد، ثم نتعامل مع شروط إنتاجها وكأنها تفصيل قابل للتأجيل. إن مستقبل المجتمعات الحقيقي قد يكون مختبئا في غرفة صغيرة، حيث تحاول مربية أن تعلم طفلا كيف ينطق اسمه، وكيف يصغي الى زميله، وكيف يميز بين يده ويد الآخر. هناك تبدأ الديمقراطية قبل صناديق الاقتراع، ويولد احترام القانون قبل أن يقرأ الطفل نصوصه، ويتشكل معنى المواطنة قبل أن يعرف الطفل اسم الدولة. فهل ندرك أن هشاشة وضع المربي ليست مشكلة مهنية معزولة، بل شرخ صغير في الأساس الذي نريد أن نبني عليه مدرسة الغد؟
إن السير قدما في ما وعد به المربيات والمربون ليس منة تقدمها جهة لأخرى، بل استحقاق تفرضه عدالة الإصلاح. والمطلوب اليوم ليس مزيدا من اللغة المطمئنة، وإنما خريطة طريق معلنة، تتضمن الملفات ذات الأولوية، والجهات المسؤولة، والجدول الزمني للتنفيذ، وآليات التتبع والمساءلة. كما أن إنصاف هذه الفئة ينبغي ألا ينفصل عن تحسين التكوين المستمر، وظروف العمل، والحماية الاجتماعية، وتوضيح المسار المهني، مع مراجعة أنماط التدبير بما يضمن ألا تتحول الوساطة الجمعوية الى منطقة رمادية تتبدد فيها المسؤوليات.
لقد أعاد لقاء نبيل بنعبد الله فتح نافذة كان ينتظر كثيرون أن يدخل منها الهواء. لكن النافذة ليست البيت، والهواء لا يصلح أساسا للبناء. قيمة هذه الخطوة ستتحدد بما يليها، وبمدى القدرة على الانتقال من الاعتراف بالمشكلة الى معالجة أسبابها. فليس المطلوب أن ينتصر طرف على طرف، بل أن ينتصر منطق الإنصاف على منطق التأجيل، وأن ينتصر الطفل المغربي على كل الحسابات التي تجعل مستقبل تعليمه أقل أولوية من تدبير كلفته. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يوقظ ضمير السياسة التعليمية ليس كم طفلا دخل المدرسة، بل أي عالم سنتركه لذلك الطفل حين يكبر؟ وأي معنى سنمنحه للعدالة إذا تعلم منذ سنواته الأولى أن من يصنع المستقبل قد يعيش هو نفسه معلقا بين وعد وموعد؟
إن المربيات والمربين لا يطلبون أن تتحول حياتهم الى أسطورة، بل أن يتوقف الواقع عن معاملتهم كأنهم شخصيات عابرة في رواية لا يملكون حق كتابة نهايتها. لقد آن للأبواب التي فتحت بالحوار أن تقود الى قرارات، وللوعود أن تنزل من لغة الخطاب الى أرض الممارسة. فالتعليم الاولي ليس هامشا في مشروع الدولة، بل هو الصفحة الأولى منه. ومن يترك الصفحة الأولى مثقلة بالقلق، لا يحق له أن يتفاجأ حين يجد بقية الكتاب مليئا بالأسئلة. إن أول خطوة تحسب لنبيل بنعبد الله، أما الخطوة التي ينتظرها المربيات والمربون فهي أن يصبح الحوار بداية تحول، لا مجرد فصل جديد في كتاب الانتظار.
