الأردن والبحرين وقطر والإمارات بين شبح الحرب، وهندسة الخوف، ومعضلة الحليف الذي قد يتحول إلى ساحة
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
عندما تقرر واشنطن إخراج موظفين حكوميين غير أساسيين وعائلات دبلوماسية من بيئة إقليمية مضطربة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يغادر، بل بما الذي تغيّر في تقدير الدولة العظمى للمستقبل الذي ينتظرها. في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أفادت رويترز بأن الولايات المتحدة أمرت بمغادرة موظفين غير أساسيين وأفراد أسرهم من بعثاتها في السعودية، وسط تصاعد الهجمات الحوثية على أهداف مدنية وحيوية، بينما تحدثت مصادر أمريكية عن إجراءات تخص عائلات العاملين في بعثات أخرى في الخليج. وكانت واشنطن قد اتخذت، في مارس/آذار من العام نفسه، إجراءات أوسع شملت الموظفين غير الأساسيين وأفراد أسرهم في البحرين والأردن وقطر والإمارات ودول أخرى، مع اتساع الحرب مع إيران.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية: ليس بوصف المغادرة دليلا قاطعا على قرار حرب جديد، وإنما بوصفها نافذة نطل منها على منظومة أمنية باتت مضطرة إلى التعامل مع أخطار متزامنة، يصعب احتواؤها داخل حدود جغرافية أو سياسية واضحة. إن المفارقة الكبرى ليست أن الولايات المتحدة تخشى على موظفيها، بل أن القوة التي بنت جزءا كبيرا من هندستها الأمنية في المنطقة تجد نفسها مضطرة إلى إعادة حسابات وجودها البشري في الدول التي تشكل ركائز تلك الهندسة.
أولا: لماذا تغادر الدولة الأقوى مواقعها؟
ثمة وهم شائع في قراءة القوة العسكرية، مفاده أن الدولة التي تستطيع إسقاط خصمها من الجو تستطيع بالضرورة حماية كل موقع يرتبط بها على الأرض. لكن الحروب الحديثة أثبتت أن التفوق في المعارك التقليدية لا يعني القدرة على تحييد جميع أشكال التهديد. فالصاروخ منخفض الكلفة، والمسيّرة التي يصعب رصدها مبكرا، والهجوم الذي يستهدف منشأة مدنية أو مركزا لوجستيا، قد يفرض على دولة كبرى كلفة دفاعية وأمنية تتجاوز قيمته المادية بكثير. ليس مطلوبا من الخصم أن يهزم الولايات المتحدة عسكريا كي يربك حساباتها؛ يكفي أن يخلق مستوى من المخاطر يجعل استمرار وجود المدنيين والعائلات في بعض المواقع غير مبرر من منظور إدارة المخاطر.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة قرارات مختلفة: إجلاء العائلات، وإخراج الموظفين غير الأساسيين، وإخلاء بعثة دبلوماسية أو إغلاقها. فالأول والثاني قد يعكسان احتياطا أمنيا شديدا، لكنهما لا يعنيان بالضرورة التخلي عن التمثيل الدبلوماسي أو الاستعداد الفوري لشن حرب. ومع ذلك، فإن القرار الوقائي يكشف شيئا مهما: تقدير المخاطر تغير بما يكفي لتبرير دفع كلفة المغادرة الآن، بدل المخاطرة بدفع كلفة الإنقاذ بعد وقوع هجوم محتمل. إنها لحظة تتراجع فيها الثقة بقدرة البيئة الأمنية على امتصاص الصدمات، لا بالضرورة الثقة بقدرة الدولة على الرد عليها.
ثانيا: من اليمن إلى الخليج.. كيف تستطيع جبهة واحدة إرباك خمس عواصم؟
قد يبدو غريبا أن تؤثر هجمات تنطلق من اليمن في القرارات الأمنية الأمريكية المتعلقة بالسعودية والإمارات وقطر والبحرين، وأن يمتد سياق المخاطر إلى الأردن. لكن الغرابة تزول حين نفهم أن الشرق الأوسط لا يتكون من ساحات منفصلة، بل من منظومة مترابطة من المطارات والموانئ والمنشآت النفطية والقواعد العسكرية وممرات التجارة والاتصالات السياسية. في هذه المنظومة، لا تقاس أهمية الجبهة بحجمها الجغرافي أو بعدد مقاتليها، بل بقدرتها على إحداث أثر متسلسل في بقية الجبهات.
فالهجوم على مطار مدني لا يهدد الأرواح فحسب؛ بل قد يربك حركة الطيران، ويرفع تكاليف التأمين، ويؤثر في حركة رجال الأعمال والسلع، ويضاعف العبء على الدفاعات الجوية. والهجوم على منشأة نفطية لا يستهدف الإنتاج وحده، بل يطال تصورات الأسواق بشأن أمن الإمدادات، وقدرة الحكومات على ضمان استمرارها. وقد شهدت السعودية، وفق تقارير رويترز في 21 أكتوبر، هجمات دامية على منشآت مدنية وحيوية، بينها مطار في الدمام وحقل نفطي في الشيبة، في سياق تصعيد منسوب إلى الحوثيين المدعومين من إيران. وهذا هو العامل المباشر الذي ربطت به التقارير التحرك الأمريكي الجديد في المملكة.
لكن الأثر الاستراتيجي لا يتوقف عند الحدود السعودية. فحين تتعرض دولة محورية في منظومة الطاقة والأمن الإقليمي لتهديدات متكررة، يصبح من الضروري إعادة تقييم سلامة الأفراد والمنشآت المرتبطة بالقوى الدولية في الدول المجاورة. وهكذا يستطيع فاعل مسلح محدود القدرات، مقارنة بالقوى الكبرى، أن يفرض على تلك القوى إعادة توزيع مواردها ورفع مستويات التأهب، من دون أن يحقق نصرا عسكريا تقليديا. هذه ليست مفارقة عابرة، بل إحدى سمات الحروب غير المتكافئة: قد يعجز الطرف الأضعف عن التحكم في ميدان المعركة، لكنه يستطيع التأثير في كلفة بقاء الطرف الأقوى داخل الميدان.
ثالثا: البحرين.. حين تصبح المظلة الأمنية جزءا من معادلة الخطر
البحرين ليست مجرد جزيرة صغيرة في الخليج؛ إنها جزء من البنية الأمنية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في حماية مصالحها البحرية والإقليمية. ولذلك فإن أي اضطراب واسع في الخليج يضعها ضمن حسابات لا تتعلق بأمنها الداخلي وحده، بل بحرية الملاحة، وسلامة المنشآت العسكرية، وقدرة واشنطن على المحافظة على حضورها. لكن هذه الأهمية تحمل مفارقة قاسية. فالدولة التي تستفيد من شراكة أمنية مع قوة عظمى قد تجد أن بعض المنشآت المرتبطة بهذه الشراكة تكتسب أهمية إضافية في حسابات الخصوم أثناء الحرب. لا يعني ذلك أن التحالف سبب حتمي للخطر، لكنه يعني أن قيمة الحماية العسكرية لا تلغي الحاجة إلى تقييم المخاطر المرتبطة بوجودها.
وفي ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران التي بدأت في فبراير/شباط 2026، أشارت الإرشادات الأمريكية المتعلقة بالسفر إلى البحرين إلى مخاطر الصراع المسلح والتهديدات الصاروخية وهجمات المسيّرات واضطرابات الطيران. وهذه خلفية مهمة لفهم لماذا لا تتعامل واشنطن مع الأمن في البحرين بوصفه ملفًا محليًا منعزلا. السؤال الجوهري هنا هو: كيف تحافظ البحرين على مزايا شراكتها الأمنية، وتضمن في الوقت نفسه ألا تتحول بنيتها التحتية إلى جزء من معادلة الاستهداف المتبادل؟
لا توجد إجابة سهلة. فتعزيز الدفاعات قد يقلل احتمالات نجاح الهجوم، لكنه لا يزيلها بالكامل؛ وتوسيع التعاون العسكري قد يقوي الردع، لكنه لا يضمن منع الخصوم من محاولة رفع كلفة هذا التعاون. لذلك فإن أمن البحرين يتطلب أكثر من الاعتماد على الحماية الخارجية: يحتاج إلى جاهزية مدنية، واستمرارية للخدمات الحيوية، واتصالات دبلوماسية فعالة، وإدارة دقيقة لاحتمالات اتساع الحرب.
رابعا: قطر.. المفارقة بين مركز الوساطة ومركز الثقل الاستراتيجي
تتمتع قطر بميزة لا تمتلكها جميع الدول في المنطقة: قدرتها على الجمع بين شراكة أمنية مع الولايات المتحدة، وعلاقات دبلوماسية تسمح لها بالتواصل مع أطراف متعارضة. وفي الأزمات، تصبح هذه الميزة أكثر أهمية. فحين تتعطل الثقة بين الخصوم، ترتفع قيمة الوسطاء القادرين على نقل الرسائل، واختبار النيات، وتوفير مخارج سياسية لا تتطلب من الأطراف إعلان التراجع علنا. لكن قطر ليست خارج الجغرافيا العسكرية. فأهميتها الأمنية واللوجستية تجعلها معنية بأي اتساع للصراع الإقليمي، كما أن وجود منشآت استراتيجية على أراضيها يفرض حسابات خاصة بشأن الحماية واستمرارية العمليات.
قد تكون الدولة أكثر حاجة إلى الدبلوماسية في اللحظة التي تصبح فيها بنيتها الأمنية أكثر تعرضا للمخاطر. ومع ذلك، فإن خروج بعض العائلات الدبلوماسية لا يثبت تراجع دور قطر السياسي، ولا يدل على توقف الوساطة، ولا يعني أن واشنطن قررت التخلي عن شراكتها معها. فالحماية القنصلية والدبلوماسية وإدارة الأزمة السياسية مسارات متوازية، وقد تستمر الاتصالات في وقت تتقلص فيه أعداد الموجودين ميدانيا. والقراءة الأعمق أن قطر تواجه اختبارا مزدوجا: المحافظة على دورها وسيطا، وضمان ألا يؤدي اتساع الصراع إلى تقليص المساحة التي تستطيع أن تمارس فيها هذا الدور.
خامسا: الإمارات.. القوة الاقتصادية حين تواجه جغرافيا التهديد
تستمد الإمارات جزءا كبيرا من مكانتها الدولية من الاستقرار الاقتصادي، والبنية التحتية المتقدمة، والموانئ والمطارات، وموقعها بوصفها مركزا للتجارة والاستثمار والاتصال العالمي. لكن هذه المزايا نفسها تجعل استمرارية البنية التحتية مسألة استراتيجية. فالمطار ليس منشأة نقل فحسب؛ إنه جزء من شبكة عالمية لحركة الأشخاص والسلع. والميناء ليس نقطة شحن فحسب؛ إنه حلقة في سلاسل إمداد تتجاوز حدود الدولة. والمنشآت المالية والاقتصادية تعتمد، في جانب من قيمتها، على ثقة المستثمرين بأن البيئة التشغيلية ستظل مستقرة. وفي مارس 2026، شمل أمر المغادرة الأمريكي الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد أسرهم في الإمارات، ضمن مجموعة من الدول العربية التي تأثرت بتصاعد الحرب مع إيران. وربطت الإرشادات الأمريكية حينها التدابير بمخاطر الصراع المسلح والتهديدات التي تطال المواقع المرتبطة بالولايات المتحدة.
أما في أكتوبر، فإن التقارير المتاحة تتحدث عن مغادرة عائلات من بعض البعثات الإقليمية، في وقت اتجهت فيه الإجراءات الأوضح إلى الموظفين غير الأساسيين وأسرهم في السعودية. ويجب الحفاظ على هذا الفارق الزمني والواقعي؛ لأن التحليل القوي لا يحتاج إلى توسيع الخبر أكثر مما تسمح به الوقائع. جيوسياسيا، تواجه الإمارات معادلة معقدة: كيف تحمي مركزا اقتصاديا عالميا في بيئة يمكن فيها لتهديد عسكري محدود أن يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤثر في حركة السفر، ويغير حسابات المستثمرين؟ الجواب ليس أن الخطر سيؤدي حتمًا إلى تراجع اقتصادي، بل أن قيمة الاستقرار تصبح أعلى كلما ازدادت الروابط الاقتصادية التي تعتمد عليه. ولذلك تتحول حماية البنية التحتية وإدارة الأزمات إلى جزء من استراتيجية القوة الوطنية، لا مجرد ملف أمني تقني.
سادسا: الأردن.. الدولة التي لا تختار موقعها على الخريطة
يختلف الأردن عن دول الخليج في طبيعة التهديدات التي يواجهها، لكنه لا يقل أهمية في حسابات واشنطن. فالمملكة تقع عند تقاطع ملفات فلسطين وإسرائيل وسوريا والعراق، وتؤدي دورا مهما في التعاون الأمني والاستقرار الإقليمي. والمشكلة التي تواجه الأردن ليست أنه يسعى بالضرورة إلى الدخول في صراع جديد، بل أنه يقع في جوار صراعات قد تنتقل آثارها إليه من دون أن يكون صاحب القرار في اندلاعها. فالدولة الواقعة بين ساحات متوترة تحتاج إلى إدارة دقيقة للحدود والمجال الجوي، وإلى المحافظة على الشراكات الدولية، وفي الوقت نفسه إلى حماية سيادتها ومنع تحول أراضيها إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية.
وفي مارس 2026، شمل أمر المغادرة الأمريكي الموظفين غير الأساسيين وأفراد أسرهم في الأردن، في سياق الحرب مع إيران. أما في أكتوبر، فقد تحدثت تقارير عن تدابير تتعلق بعائلات العاملين في بعثات إقليمية أخرى، ولا تثبت وحدها صدور أمر جديد بإخلاء جميع الموظفين الأمريكيين من الأردن. وهنا تكمن حساسية الموقع الأردني: قد يكون الأردن شريكا في ترتيبات الاستقرار، لكنه لا يستطيع التحكم في جميع العوامل التي تحدد مستوى المخاطر في محيطه. إن المصلحة الأردنية الأساسية تتمثل في منع انتقال الحرب إلى الداخل، والحفاظ على القرار الوطني، وتجنب الانجرار إلى مواجهة لا تتناسب كلفتها مع المصالح الوطنية.
سابعا: لماذا الآن؟ ثلاثة تفسيرات تتقاطع ولا تتطابق
لفهم توقيت الإجراءات، يجب التمييز بين ثلاثة مستويات من التفسير.
المستوى الأول: الخطر الميداني. الهجمات التي تستهدف المطارات والمنشآت الحيوية، واحتمالات تجدد الهجمات الحوثية، وما قد يصاحب ذلك من اضطراب في حركة الطيران، كلها أسباب مباشرة يمكن أن تدفع المؤسسات الأمريكية إلى تقليص وجود الأفراد غير الضروريين.
المستوى الثاني: الإرث الأمني للحرب مع إيران. الإجراءات الواسعة التي اتخذتها واشنطن في مارس لم تكن معزولة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، والتهديدات التي طالت منشآت أمريكية في المنطقة. وقد تركت هذه الحرب بيئة أمنية أكثر حساسية، لا تختفي آثارها بمجرد تراجع وتيرة الهجمات.
المستوى الثالث: الاستعداد لسيناريوهات متعددة. قد تستعد الدولة لهجوم محتمل، أو لتعطل الطيران، أو لصعوبة تنفيذ إجلاء لاحق، من دون أن تكون قد قررت شن عملية عسكرية جديدة. فالاستعداد لنتائج الحرب ليس دليلًا كافيًا على اتخاذ قرار إشعالها.
وهذه النقطة أساسية لفهم سلوك القوى الكبرى. فالقرارات الأمنية لا تصدر دائمًا لأن القيادة تعرف ما سيحدث، بل لأنها لا تستطيع تحمل كلفة أن تكون مخطئة في تقدير ما قد يحدث. ومن هنا، لا يجوز اعتبار الإجراءات دليلًا قاطعًا على هجوم أمريكي وشيك على إيران، ولا على حرب حتمية بين واشنطن والحوثيين، ولا على انهيار التحالفات الخليجية. إنها مؤشرات على ارتفاع تقدير المخاطر، ويجب وضعها إلى جانب التطورات العسكرية والدبلوماسية الأخرى قبل الوصول إلى استنتاج أوسع.
ثامنا: هل يتحول الاحتياط إلى نبوءة تحقق نفسها؟
في العلاقات الدولية، لا تبقى القرارات الأمنية داخل المؤسسات التي تصدرها. فالخصوم يراقبونها، والحلفاء يفسرونها، والأسواق تستجيب لها، والرأي العام يحولها إلى إشارات عن المستقبل. قد يتخذ طرف إجراء دفاعيا لتقليل احتمال الخسائر، فيقرأه الطرف الآخر بوصفه استعدادًا لهجوم. وقد يعزز الطرف الثاني دفاعاته، فيرى الأول أن مستوى التهديد قد ارتفع، فيتخذ إجراءات إضافية. وهكذا قد تتشكل دائرة من انعدام الثقة، لا لأن أي طرف يريد بالضرورة حربًا شاملة، بل لأن كل طرف يخشى أن يكون أقل استعدادا من خصمه إذا اندلعت.
هذه هي معضلة الردع: يجب أن يبدو الاستعداد كافيا لمنع الهجوم، لكن من دون أن يُفسر على أنّه مقدمة حتمية للهجوم نفسه. وتزداد خطورة هذه المعضلة في الشرق الأوسط، حيث تتداخل الجبهات وتختلف طبيعة الفاعلين، من الدول ذات الجيوش التقليدية إلى الجماعات المسلحة التي تستطيع التأثير في الأمن الإقليمي من خلال وسائل أقل كلفة. لكن هذا لا يعني أن كل إجراء احترازي يخلق التصعيد، أو أن واشنطن تتعمد استخدام المغادرة الدبلوماسية لبعث رسالة عسكرية. فقد يكون الهدف المباشر ببساطة هو حماية الأفراد. إنما تكمن أهمية الحدث في أن أثره السياسي قد يتجاوز الغرض الأمني الأصلي.
تاسعا: ماذا ينبغي أن تراقب العواصم قبل الحديث عن حرب أوسع؟
لا تكفي مغادرة موظفين أو عائلات دبلوماسية وحدها لاستنتاج أن المنطقة على أبواب مواجهة جديدة. والأكثر أهمية هو مراقبة مجموعة من المؤشرات المتزامنة:
– هل تتسع أوامر المغادرة لتشمل الموظفين الأساسيين، أم تبقى محصورة في الفئات غير الضرورية؟
– هل تستمر الهجمات على المطارات والمنشآت الحيوية، وهل تتسع جغرافيا؟
– هل تتزايد القيود على الرحلات التجارية والمجالات الجوية والملاحة البحرية؟
– هل تظهر تحركات عسكرية معلنة ومؤكدة تتجاوز إجراءات الحماية المعتادة؟
– هل تتراجع الاتصالات الدبلوماسية والوساطات، أم تستمر محاولات احتواء التصعيد؟
إذا اجتمعت هذه المؤشرات في اتجاه واحد، يصبح الحديث عن اتساع الخطر أكثر استنادا إلى الأدلة. أما إذا بقيت التدابير محصورة في حماية الموظفين، واستمرت قنوات الاتصال، فلا يصح تحويلها إلى إعلان غير مباشر عن حرب حتمية.
عندما تصبح الجغرافيا أقوى من إرادة صانعي القرار
إن ما يجمع الأردن والبحرين وقطر والإمارات ليس تشابه مواقعها أو أدوارها، بل انكشافها بدرجات مختلفة على منظومة أمنية إقليمية تتشابك فيها المصالح والتهديدات. الأردن يواجه ضغوط الجغرافيا السياسية للمشرق، والبحرين تقع في قلب معادلة الأمن البحري الخليجي، وقطر تجمع بين الثقل الأمني والدبلوماسي، فيما تعتمد الإمارات على استمرارية مركز اقتصادي عالمي شديد الارتباط بحركة الإقليم والعالم.
أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام معضلة مزدوجة: المحافظة على حضورها وشراكاتها، وتقليل تعرض أفرادها ومصالحها لأخطار قد لا يمكن احتواؤها بالكامل. لا تعني هذه الإجراءات أن واشنطن فقدت قدرتها على الرد، ولا أنها قررت الانسحاب من المنطقة، ولا أن الحرب باتت حتمية. لكنها تكشف أن التفوق العسكري لا يمنح صاحبه سيطرة كاملة على نتائج الصراع، وأن الحضور الاستراتيجي يحمل معه أعباءً تتزايد كلما تعددت الجبهات.
والدرس الأعمق أن القوة في الشرق الأوسط لا تستطيع منع أزمة محلية من التحول إلى سلسلة أزمات عابرة للحدود. فقد تستطيع دولة أن تختار حلفاءها، وأن تعزز دفاعاتها، وأن تنقل موظفيها من موقع إلى آخر؛ لكنها لا تستطيع أن تختار جغرافيتها السياسية بالكامل، ولا أن تتحكم منفردة في ردود أفعال جميع الأطراف المحيطة بها. وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحا اليوم ليس لماذا تغادر بعض العائلات الدبلوماسية، بل لماذا أصبحت احتمالات التصعيد كافية لتغيير قرارات الحضور الأمريكي في أكثر من عاصمة في وقت واحد. حين يحدث ذلك، فإن المنطقة لا تكون بالضرورة قد دخلت حربا جديدة، لكنها تكون قد دخلت مرحلة يصبح فيها الاستعداد للحرب جزءا من إدارة الحياة اليومية، وتصبح فيها مهمة السياسة الأصعب هي منع الخوف من أن يتحول إلى قدر، والردع من أن يتحول إلى طريق لا يجد أصحابه مخرجا منه.
