الاندماج والمشاركة السياسية في أوروبا

هل تكون الهجرة المعاكسة جوابا عن أسئلة الإقصاء؟

بقلم الإعلامي حيمري البشير – كوبنهاغن

بين تصاعد الخطاب اليميني في شمال أوروبا وتنامي القلق داخل الجاليات المسلمة، تبرز معادلة تستحق التأمل: لا يمكن الدفاع عن الحقوق من خارج المؤسسات، ولا يمكن بناء التعايش بمجرد الاحتماء بالخصوصية الدينية. فهل أصبح التفكير في الهجرة المعاكسة نحو بلدان شمال إفريقيا خيارا مطروحا لدى بعض الأسر المسلمة المقيمة في دول شمال أوروبا؟ وهل وصل القلق من التحولات السياسية والاجتماعية إلى درجة جعلت بعض هذه الأسر تعيد النظر في مستقبل أبنائها داخل مجتمعات اختارت الاستقرار فيها منذ عقود؟

لم يعد هذا السؤال مجرد هاجس عابر، بل أصبح يعكس حالة من التوجس لدى شرائح من الجاليات المسلمة، في ظل صعود الخطاب السياسي اليميني، وتنامي الدعوات إلى مراجعة بعض السياسات المرتبطة بالهجرة والهوية الدينية ومظاهر التدين في الفضاء العام. وتقدم الدنمارك نموذجا يستحق التوقف عنده، بالنظر إلى النقاشات السياسية المتكررة حول الحجاب، والمدارس الإسلامية، ومكانة المؤسسات الدينية في مجتمع يقوم دستوره على مبادئ الديمقراطية والحرية والمساواة.

لقد أتاح الإطار القانوني الدنماركي، في حدود شروطه وضوابطه، للأقليات الدينية ممارسة شعائرها، وإنشاء مؤسساتها، والاستفادة من بعض أوجه الدعم العمومي وفق القواعد المعمول بها. ومن الطبيعي، في مجتمع تعددي، أن يكون للمسلمين الحق في بناء المساجد وتأسيس المدارس وممارسة شعائرهم، مثلما تتمتع باقي المكونات الدينية بحقوقها. غير أن اتساع حضور هذه المؤسسات، وتزايد ظهور الرموز الدينية، وفي مقدمتها الحجاب، فتحا نقاشا سياسيا واجتماعيا تجاوز في كثير من الأحيان حدود التدبير القانوني إلى أسئلة الهوية والانتماء ومستقبل النموذج المجتمعي الدنماركي.

ما كان يُفترض أن يكون تعبيرا طبيعيا عن التعددية الدينية أصبح لدى بعض التيارات السياسية مادة للتعبئة الانتخابية، وذريعة لإعادة طرح أسئلة الاندماج والهوية، بل وأحيانا لتغذية مخاوف لا تستند بالضرورة إلى وقائع موضوعية. فبدلاً من النظر إلى وجود المساجد والمدارس الإسلامية باعتباره مظهرا من مظاهر حرية الاعتقاد والتنظيم، يجري أحيانا تقديمه باعتباره مؤشرا على ما يسمى «أسلمة المجتمع»، وكأن ممارسة أقلية لحقوقها الدستورية تشكل في حد ذاتها تهديدا لأغلبية المجتمع. لكن الإنصاف يقتضي ألا نختزل المشهد في خطاب المظلومية وحده، كما لا يجوز أن نضع جميع التيارات السياسية الدنماركية في سلة واحدة. فالمجتمعات الأوروبية تعرف نقاشات حقيقية حول الاندماج، وحدود الخصوصية الثقافية، وطبيعة العلاقة بين الدين والدولة. ومن حق المجتمع أن يناقش هذه القضايا، لكن ليس من حق أي طرف أن يحوّل الاختلاف الديني إلى شبهة جماعية، أو أن يجعل الانتماء الإسلامي سببا للتمييز أو الانتقاص من المواطنة.

إن الإشكال الأعمق لا يكمن فقط في تنامي خطاب اليمين المتشدد، بل يكمن أيضاً في طبيعة حضور الجاليات المسلمة داخل المؤسسات التي تصنع القرار. فكيف يمكن لجالية تطالب بالمساواة والاعتراف بحقوقها أن تظل محدودة التأثير في الأحزاب السياسية والمجالس البلدية والمؤسسات المنتخبة؟ وكيف يمكنها أن تدافع عن مصالحها ومستقبل أبنائها إذا ظلت علاقتها بالشأن العام محصورة في ردود الفعل، والبيانات الاحتجاجية، والتعبير عن الاستياء عند صدور قرار أو مشروع قانون يمس بعض مظاهر حياتها الدينية؟

إن المشاركة السياسية لا ينبغي اختزالها في التصويت خلال الانتخابات. إنها ممارسة يومية تبدأ بالانخراط في الأحزاب، والمشاركة في النقاشات العمومية، والترشح للمجالس البلدية، والمساهمة في صياغة البرامج المحلية، والوصول إلى مواقع المسؤولية. فالمسلم الذي يعيش في الدنمارك ليس مجرد فرد ينتمي إلى أقلية دينية، بل هو مواطن له حقوق وعليه واجبات، ومن حقه أن يكون شريكاً في رسم السياسات التي تحدد مستقبل المجتمع الذي يعيش فيه. ولعل الخطأ الذي ينبغي تجاوزه هو الاعتقاد بأن المحافظة على الهوية الدينية تستوجب الانكفاء داخل مؤسسات مغلقة أو الاكتفاء ببناء المدارس والمساجد. فهذه المؤسسات، على أهميتها، لا تعوض المشاركة في المؤسسات المدنية والسياسية، ولا يمكن أن تكون بديلاً عن بناء جسور التواصل مع مختلف مكونات المجتمع. بل إن الانغلاق، حين يتحول إلى نمط دائم في التعامل مع المحيط، قد يمنح خصوم التعددية حججاً إضافية لترويج أطروحة المجتمعات الموازية.

وفي المقابل، لا ينبغي أن يصبح الاندماج مرادفا للتخلي عن الخصوصية الدينية والثقافية، أو أن يُطلب من المسلم الاختيار بين مواطنيته وإيمانه. فالاندماج الحقيقي لا يعني الذوبان، كما أن التمسك بالهوية لا يعني الانعزال. إنه القدرة على الجمع بين الانتماء الديني والمواطنة الفاعلة، وبين احترام قوانين البلد والدفاع عن الحقوق التي يكفلها دستوره. وهذه معادلة لا تستقيم إلا على أساس الاحترام المتبادل، لا على منطق الإملاء من طرف واحد. ومن هنا، فإن مسؤولية الجاليات المسلمة لا تقل عن مسؤولية النخب السياسية في مواجهة العنصرية وخطاب الكراهية. فبدلا من الاكتفاء برصد التحولات السياسية والتوجس من نتائجها، يتعين الانتقال إلى مرحلة الفعل والمبادرة. وعلى الجمعيات والمؤسسات الدينية والثقافية أن تفتح أبوابها أمام المجتمع، وأن تجعل من الحوار والتواصل والتربية على المواطنة جزءاً من رسالتها، لا أن تحصر دورها في المحافظة على الشعائر والهوية فقط.

كما أن الأحزاب السياسية الدنماركية مطالبة بأن تدرك أن التعددية الدينية ليست تهديداً للديمقراطية، وأن المساواة لا تكون انتقائية، ولا يجوز أن تتغير معاييرها تبعاً للانتماء الديني أو الخلفية الثقافية للمواطنين. فالدولة التي تحمي حرية الاعتقاد وتحترم الاختلاف إنما تحمي في الوقت نفسه الأساس الذي تقوم عليه ديمقراطيتها. أما الحديث عن الهجرة المعاكسة، فينبغي ألا يتحول إلى تهديد عاطفي أو استنتاج متسرع. فمغادرة بلد الإقامة ليست قرارا سهلا، خصوصا بالنسبة إلى أجيال وُلدت وترعرعت في أوروبا، وأصبحت لغتها وثقافتها وعلاقاتها الاجتماعية جزءا من تكوينها. وأي تفكير في هذا الخيار يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أن أبناء الجاليات المسلمة ليسوا زوارا مؤقتين في المجتمعات الأوروبية، بل مواطنون وشركاء في حاضرها ومستقبلها.

إن الرهان الحقيقي ليس في عدد المساجد التي تُبنى، ولا في عدد المدارس الإسلامية التي تُفتح، ولا في حجم الجدل الذي يثيره الحجاب في الفضاء العام؛ بل في قدرة المسلمين على الانتقال من الحضور العددي إلى التأثير المؤسساتي، ومن الدفاع الانفعالي عن الهوية إلى المساهمة الواعية في صناعة القرار. إننا أمام لحظة تستدعي قدراً كبيراً من الحكمة السياسية والوعي المدني. فلا مواجهة العنصرية تكون بالانعزال، ولا حماية الخصوصية تكون بإدارة الظهر للمجتمع، ولا يتحقق الاندماج بالتنازل عن الحقوق. إن الطريق الأكثر واقعية وفاعلية هو المشاركة، والانخراط، والحوار، واحترام القانون، مع التشبث بحقوق المواطنة الكاملة. فإذا كانت الهجرة المعاكسة احتمالا يفرضه القلق على بعض الأسر، فإن المشاركة السياسية تظل خياراً يفرضه الوعي على الجاليات بأكملها. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: هل سنغادر أوروبا؟ بل: هل نحن مستعدون لأن نكون شركاء حقيقيين في صناعة مستقبلها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *