الأستاذة الدكتورة ماجدة كريمي
نائبة رئيس الاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية، متخصصة في تاريخ العلاقات المغربية الإفريقية، وباحثة في تاريخ الصحراء المغربية.
تندرج هذه المقالة ضمن سلسلة دراسات أكاديمية تشكل امتدادا للمداخلة التي قدمتها الدكتورة ماجدة كريمي، نائبة رئيس الاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية، خلال الندوة الافتراضية التي نظمتها رابطة كاتبات المغرب بمناسبة عيد الوحدة. وتسعى هذه السلسلة إلى تعميق المحاور التي تناولتها المداخلة، من خلال قراءة تاريخية واستراتيجية لأدوار الدبلوماسية الملكية في تعزيز التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، مع التركيز على تطور الموقف الفرنسي وأبعاده الإقليمية والدولية.

من تقديم المبادرة إلى فتح أفق سياسي جديد
شكّل تقديم المغرب مبادرة الحكم الذاتي في أبريل 2007 منعطفاً مهماً في مسار تدبير ملف الصحراء المغربية على المستوى الأممي. فقد جاء هذا المقترح في سياق اتسم باستمرار تعثر المسار السياسي، وصعوبة التوصل إلى تسوية تحظى بقبول الأطراف المعنية، الأمر الذي جعل البحث عن صيغة سياسية واقعية وتوافقية ضرورة ملحة لإعادة تحريك المفاوضات.
ولم يكن تقديم المبادرة مجرد طرح لتصور سياسي جديد، بل مثّل انتقالاً في طبيعة الترافع المغربي داخل المنتظم الدولي، من التركيز على عرض الموقف الوطني والدفاع عنه إلى تقديم تصور مؤسساتي مفصل لتدبير شؤون الأقاليم الجنوبية، يقوم على توسيع صلاحيات السكان في إدارة شؤونهم المحلية، ضمن إطار السيادة المغربية والوحدة الترابية للمملكة. وقد استند هذا التوجه إلى رؤية تعتبر أن الحل السياسي لا يمكن أن يتحقق بمجرد إعادة إنتاج المقاربات السابقة، وإنما يقتضي البحث عن صيغة تستحضر خصوصية المنطقة، وتوازن بين متطلبات الاستقرار الإقليمي ومبادئ التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.
القرار 1754: بداية مرحلة جديدة في التعاطي الأممي
يكتسي قرار مجلس الأمن رقم 1754، الصادر في 30 أبريل 2007، أهمية خاصة في تتبع المسار الأممي للمبادرة المغربية. فقد أخذ المجلس علماً بالمقترح المغربي الذي قُدّم في 11 أبريل من السنة نفسها، كما دعا الأطراف إلى الدخول في مفاوضات دون شروط مسبقة، وبحسن نية، بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين، يكفل تقرير المصير لشعب الصحراء في إطار الترتيبات المنسجمة مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
وتكمن أهمية هذا القرار في أنه أدرج المبادرة المغربية ضمن الوثائق التي أخذ بها مجلس الأمن في سياق البحث عن تسوية سياسية، وفتح المجال أمام مرحلة جديدة من المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة. غير أن القراءة الدقيقة للقرار تقتضي التمييز بين أخذه علماً بالمقترح وبين تبنيه الكامل لمضمونه؛ إذ لم يعلن المجلس في ذلك التاريخ أن المبادرة أصبحت الحل النهائي أو الوحيد للنزاع. ومع ذلك، فقد أتاح القرار للمغرب الانتقال إلى مرحلة جديدة من الترافع، قوامها الدفاع عن مبادرة محددة المعالم، وتوضيح مرتكزاتها السياسية والمؤسساتية، والعمل على إقناع الأطراف الدولية بقدرتها على توفير أرضية عملية للتفاوض.
من القرار 1754 إلى القرار 1813: ترسيخ منطق التفاوض
واصل مجلس الأمن، من خلال القرار 1783 الصادر في أكتوبر 2007، ثم القرار 1813 الصادر في أبريل 2008، متابعة المسار التفاوضي الذي انطلق عقب تقديم المبادرة المغربية. وقد ظل التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين حاضراً في هذه القرارات، إلى جانب الدعوة إلى مواصلة المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة.
وتبرز أهمية القرار 1813، على وجه الخصوص، في تأكيده ضرورة إبداء الإرادة السياسية والعمل في مناخ ملائم للحوار، مع التشديد على أن المفاوضات ينبغي أن تتسم بالواقعية وروح التوافق. وقد أشار المجلس كذلك إلى الجهود التي بذلها الأمين العام ومبعوثه الشخصي، وإلى أهمية مواصلة العملية السياسية. ومن منظور الترافع المغربي، مثّلت هذه المرحلة فرصة لتثبيت المبادرة باعتبارها تصورا سياسيا مطروحا على طاولة المفاوضات، لا مجرد موقف دبلوماسي ظرفي. كما أظهرت أن مجلس الأمن يتجه إلى تشجيع الحلول السياسية التي يمكن أن تحظى بقبول الأطراف، بدل الاكتفاء بإدارة حالة الجمود.
تراكم القرارات وتطور لغة مجلس الأمن
بين عامي 2009 و2016، واصل مجلس الأمن إصدار قراراته المتعلقة بملف الصحراء، من القرار 1871 لسنة 2009 إلى القرار 2285 لسنة 2016، مع تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، والتأكيد على دعم جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي، والدعوة إلى مواصلة المفاوضات وإبداء الإرادة السياسية اللازمة لإحراز تقدم. ولا ينبغي التعامل مع هذه القرارات باعتبارها إقرارا آليا بجميع تفاصيل المبادرة المغربية؛ فلكل قرار سياقه وصياغته ومقتضياته.
غير أن تتبع مسارها يكشف عن استمرار حضور المقترح المغربي في النقاش الأممي، وعن تزايد الاهتمام بضرورة الانتقال إلى مفاوضات أكثر جدية وعمقا، تقوم على الواقعية وروح التوافق. وفي هذا السياق، اكتسب الترافع المغربي بعداً تراكمياً؛ إذ لم يعد مقتصراً على تقديم المبادرة والدفاع عنها، بل أصبح يستند أيضاً إلى إبراز ما راكمته الأقاليم الجنوبية من مؤسسات ومشاريع تنموية، وما يمكن أن توفره صيغة الحكم الذاتي من آليات لتدبير الشأن المحلي وتوسيع المشاركة في اتخاذ القرار.
القرار 2351 لسنة 2017: إبراز جدية الجهود السياسية
شكّل القرار 2351، الصادر في 28 أبريل 2017، محطة بارزة في تطور لغة مجلس الأمن، إذ رحّب بجهود المغرب الجادة وذات المصداقية الرامية إلى دفع العملية السياسية إلى الأمام، إلى جانب دعوته الأطراف إلى إبداء الإرادة السياسية والعمل في مناخ ملائم للحوار من أجل استئناف المفاوضات. وتكتسب هذه الصياغة أهمية سياسية ودبلوماسية؛ لأنها تعكس اعترافا أمميا بجدية الجهود التي يبذلها المغرب في إطار العملية السياسية، وتمنح الترافع المغربي سندا إضافيا في إبراز المبادرة بوصفها مقترحاً عملياً يستحق أن يشكل جزءا أساسيا من مسار البحث عن التسوية. كما أن هذا التطور لم يكن معزولاً عن التحركات الدبلوماسية المغربية، التي عملت على توسيع دائرة التعريف بالمبادرة، وتوضيح أبعادها السياسية والتنموية، وإبراز ارتباطها بمقومات الاستقرار والتعاون الإقليمي.
القراران 2414 و2440: توسيع دائرة الحوار الإقليمي
واصل مجلس الأمن، من خلال القرارين 2414 الصادر في أبريل 2018 و2440 الصادر في أكتوبر من السنة نفسها، التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق. وقد اكتسب القرار 2440 أهمية إضافية من خلال ترحيبه بالاجتماع المستدير الذي انعقد في جنيف يومي 5 و6 ديسمبر 2018، بمشاركة المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، في إطار الجهود التي بذلها المبعوث الشخصي للأمين العام، هورست كوهلر.
ويعكس هذا التطور اتجاها نحو توسيع دائرة الحوار لتشمل دول الجوار المعنية بالملف، بما ينسجم مع الرؤية المغربية التي تؤكد الطابع الإقليمي للنزاع، وتدعو إلى تحمل الأطراف المعنية مسؤولياتها في تيسير الوصول إلى حل سياسي. ومن زاوية التحليل الاستراتيجي، فإن إدراج الجزائر وموريتانيا في صيغة الموائد المستديرة أضفى على العملية السياسية بعدا إقليميا أكثر وضوحا، وأكد أن التسوية لا ترتبط فقط بمواقف الأطراف المباشرة، بل تتصل أيضا بمستقبل العلاقات المغاربية وبإمكانات بناء فضاء إقليمي يسوده التعاون والاستقرار.
من الواقعية والتوافق إلى تكثيف المفاوضات
خلال الفترة الممتدة من 2019 إلى 2022، واصل مجلس الأمن التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم ومقبول من الطرفين، قائم على التوافق. وتجلّى ذلك في القرارات 2468 و2494 و2548 و2602 و2654، التي واصلت دعم جهود الأمم المتحدة ومبعوثها الشخصي، والدعوة إلى استئناف العملية السياسية. وقد تزامنت هذه المرحلة مع استمرار الترافع المغربي على المستويين الثنائي ومتعدد الأطراف، من خلال إبراز المبادرة باعتبارها تصوراً للحكم الذاتي يستجيب لمتطلبات التدبير المؤسساتي، ويتيح للسكان ممارسة صلاحيات واسعة في إدارة شؤونهم، في إطار السيادة الوطنية.
كما عمل المغرب على ربط المقترح السياسي بالتحولات التنموية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، من خلال الاستثمار في البنيات التحتية والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير المرافق والخدمات، بما يعزز قابلية تصور الحكم الذاتي للتطبيق من الناحية المؤسساتية والتنموية. ولا تنفصل هذه الدينامية عن الرؤية الملكية التي جعلت من التنمية بالأقاليم الجنوبية رافعة أساسية لترسيخ الاندماج الوطني، وإبراز قدرة النموذج المقترح على توفير شروط التنمية والاستقرار والمشاركة في تدبير الشأن المحلي.
القرار 2703 لسنة 2023 والقرار 2756 لسنة 2024: استمرار المسار الأممي
من الضروري التمييز بين القرار 2703 الصادر في 30 أكتوبر 2023، والقرار 2756 الصادر في 31 أكتوبر 2024؛ فكلاهما يتعلق بتجديد ولاية بعثة المينورسو، لكنهما صدرا في سنتين مختلفتين، وفي سياقين متتابعين من مسار العملية السياسية. وقد واصل القرار 2703 دعم جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي، والدعوة إلى استئناف العملية السياسية، فيما أكد القرار 2756 استمرار دعم المجلس للمسار الأممي، مع تجديد ولاية البعثة إلى غاية 31 أكتوبر 2025.
وتكشف متابعة هذين القرارين عن استمرار حضور المبادرة المغربية في النقاش الدبلوماسي، وعن أهمية العمل التراكمي الذي تقوم به المملكة من أجل توضيح مرتكزاتها، وتوسيع دائرة التأييد الدولي لها، وربطها بإمكانية الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة. كما أن استمرار مجلس الأمن في الدعوة إلى حل سياسي قائم على الواقعية والتوافق يعزز أهمية المقترحات العملية القابلة للتفاوض، ويجعل من الضروري مواصلة الترافع الدبلوماسي على أساس توضيح مضامين المبادرة ومؤسساتها وضماناتها.
القرار 2797 لسنة 2025: محطة متقدمة في مسار المبادرة
يمثل القرار 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، محطة متقدمة في تطور التعاطي الأممي مع مبادرة الحكم الذاتي المغربية. فقد نص القرار على دعم جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي في تيسير وإجراء المفاوضات، مع اتخاذ المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً لهذه المفاوضات، والترحيب بالمقترحات البناءة التي يمكن أن تقدمها الأطراف استجابة له. كما دعا القرار الأطراف إلى الانخراط في المناقشات دون شروط مسبقة، واتخاذ المبادرة المغربية أساسا للتفاوض من أجل التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الطرفين، يكفل تقرير المصير لشعب الصحراء. وأشار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل النتيجة الأكثر قابلية للتطبيق.
وتكمن أهمية هذا التطور في أن المبادرة لم تعد ترد فقط ضمن سياق أخذ العلم بالمقترح أو الدعوة العامة إلى التفاوض، بل أصبحت، وفق منطوق القرار، أساسا للمفاوضات التي يرعاها الأمين العام ومبعوثه الشخصي. وهو تحول مهم في صياغة المرجعية التفاوضية الأممية، ينبغي قراءته في ضوء المسار التراكمي الذي انطلق سنة 2007. ومع ذلك، فإن الدقة الأكاديمية تقتضي عدم تحميل القرار أكثر مما ينص عليه؛ فهو لم يعلن أن المبادرة أصبحت حلا نهائيا وحيداً، وإنما جعلها أساساً للمفاوضات، وأكد أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل النتيجة الأكثر قابلية للتطبيق، في إطار حل سياسي متوافق عليه يحترم ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ تقرير المصير.
وقد اعتمد المجلس القرار بأغلبية أحد عشر صوتا مؤيدا، دون أصوات معارضة، مع امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت. وصوتت فرنسا لصالح القرار، بينما امتنعت الجزائر. كما قرر المجلس تمديد ولاية بعثة المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2026، وهو ما ينبغي التمييز بينه وبين أي تطورات لاحقة تخص ولاية البعثة.
الدبلوماسية الملكية وصناعة التراكم الدولي
إن تتبع القرارات الأممية منذ سنة 2007 يبرز أن مسار المبادرة المغربية لم يكن وليد لحظة دبلوماسية واحدة، بل نتاج عمل تراكمي طويل، ارتكز على وضوح الرؤية السياسية، واستمرارية الترافع، وتعدد قنوات التواصل مع القوى الدولية، إلى جانب توظيف العلاقات الثنائية والشراكات الاقتصادية والاستراتيجية في خدمة الموقف الوطني. وقد اضطلعت الدبلوماسية الملكية بدور محوري في هذا المسار، من خلال توجيه التحرك الخارجي للمملكة وفق رؤية تجمع بين الدفاع عن الوحدة الترابية، وتوسيع شبكة الشراكات الدولية، وتعزيز حضور المغرب في القضايا الإقليمية والدولية.
كما أن هذا المسار لم يقتصر على التحرك داخل أروقة الأمم المتحدة، بل امتد إلى الدبلوماسية الثنائية والاقتصادية والبرلمانية والموازية، حيث جرى العمل على توضيح أبعاد المبادرة، وإبراز ما توفره من إمكانات لتدبير الشأن المحلي وتحقيق التنمية والاستقرار. ومن ثم، فإن التحول الذي تعكسه صياغة القرار 2797 لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الترافع السياسي والدبلوماسي، الذي جمع بين تقديم المبادرة، وتطوير مضمونها التفسيري والمؤسساتي، وتعزيز حضورها في النقاش الدولي، وبناء علاقات استراتيجية مع شركاء دوليين مؤثرين.
من الحضور في النقاش الأممي إلى مركزية المرجعية التفاوضية
تكشف مسيرة المبادرة المغربية للحكم الذاتي داخل مجلس الأمن عن انتقال تدريجي من مرحلة تقديم المقترح وأخذ العلم به سنة 2007، إلى مرحلة إبراز جدية الجهود المغربية، ثم ترسيخ لغة الواقعية والتوافق، وصولاً إلى جعل المبادرة أساسا للمفاوضات وفق القرار 2797 لسنة 2025. ويعكس هذا التطور أهمية الاستمرارية في العمل الدبلوماسي، وقدرة الترافع المتعدد المستويات على إحداث تحول في لغة القرارات الأممية وفي المرجعيات المعتمدة لإدارة العملية السياسية. كما يؤكد أن بناء التأييد الدولي لا يتحقق عبر المواقف الظرفية، بل من خلال رؤية استراتيجية طويلة المدى، تجمع بين وضوح الموقف الوطني، وفعالية التحرك الدبلوماسي، وتعزيز الشراكات الدولية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الموقف الفرنسي باعتباره أحد المكونات المؤثرة في تطور المواقف الدولية من قضية الصحراء المغربية، بالنظر إلى عمق العلاقات التاريخية بين الرباط وباريس، وتشابك المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية بين البلدين. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال، في المقال المقبل، إلى دراسة الجذور التاريخية للعلاقات المغربية الفرنسية، وتتبع مسارات تطورها، من الاتصالات الدبلوماسية الأولى إلى بناء الثقة والشراكة الاستراتيجية، بما يساعد على فهم الخلفيات التاريخية والسياسية للتحولات التي عرفها الموقف الفرنسي من قضية الصحراء المغربية.
يتبع….
