البيعة المغربية… ميثاق السيادة وذاكرة الدولة وسرّ استمرارية العرش

من عمق الشرعية التاريخية إلى رهانات الحسم الدبلوماسي في قضية الصحراء المغربية

تحرير وصياغة زكية لعروسي باللغة العربية للمقال الفرنسي للسيدة سكينة الركراكي، حول البيعة وأسس الشرعية الملكية المغربية وامتداداتها التاريخية والسياسية في قضية الصحراء المغربية

ليست البيعة في التجربة المغربية مجرد تقليد احتفالي تناقلته الأجيال وحافظت عليه الذاكرة الجماعية؛ إنها، في جوهرها العميق، ميثاق تأسيسي للدولة، وعقد سياسي وروحي تتجدد من خلاله أواصر الارتباط بين العرش والشعب، وتتجسد به استمرارية السلطة الشرعية في امتدادها التاريخي والديني والمؤسساتي. إنها إحدى الخصوصيات الكبرى التي صاغت الشخصية السياسية للمغرب، ومنحت نظامه الملكي قدرة استثنائية على الجمع بين رسوخ الجذور ومتطلبات التحول، وبين ثبات المرجعية وانفتاح الدولة على العصر.

وفي لحظة تاريخية تتجدد فيها رهانات قضية الصحراء المغربية، وتتشكل فيها معالم مرحلة دبلوماسية جديدة، تعود البيعة إلى واجهة النقاش باعتبارها أكثر من مجرد شاهد على الماضي؛ إنها مرجعية تاريخية وسياسية يستحضرها المغرب في دفاعه عن وحدته الترابية، وفي تأكيده على عمق الروابط التي جمعته، عبر القرون، بقبائل وأقاليم امتد إليها نفوذ الدولة المغربية وأطرته علاقات الولاء والحماية والتدبير الديني والسياسي. إن فهم القضية من هذه الزاوية يقتضي العودة إلى الجذور، واستحضار المسار الذي تشكلت عبره الدولة المغربية، والوقوف عند طبيعة البيعة باعتبارها رابطة متعددة الأبعاد، لا يمكن اختزالها في مفهوم الطاعة المجردة، ولا إخضاعها حصرا لمقاييس الحدود الجغرافية الحديثة.

الثلاثون من أكتوبر 2026… منعطف دبلوماسي في مسار قضية الصحراء المغربية

تأتي محطة الثلاثين من أكتوبر 2026 في سياق تاريخي وسياسي بالغ الأهمية، بعد خمسة عقود من التدبير الأممي لنزاع الصحراء الغربية، وما رافقها من مسارات تفاوضية ومقاربات دبلوماسية لم تنجح في وضع حد نهائي لهذا الملف. لقد حمل بلاغ الديوان الملكي الصادر في هذه المناسبة دلالات سياسية تتجاوز حدود الإعلان الظرفي، إذ عكس توجها نحو إعادة ترتيب المقاربة المغربية للقضية، والانتقال من منطق تدبير النزاع في إطاره التقليدي إلى أفق جديد يروم تغيير معادلاته السياسية والدبلوماسية، انطلاقا من الثوابت الوطنية والمرجعيات التاريخية والقانونية التي يستند إليها المغرب.

إنها لحظة تستدعي قراءة متأنية في مسار القضية، لا سيما أن المغرب لا يتعامل مع الصحراء باعتبارها مجرد مجال جغرافي تتنازع حوله الأطروحات، بل باعتبارها جزءا من ذاكرته التاريخية، ومن امتداد دولته، ومن شبكة الروابط السياسية والدينية والاجتماعية التي تشكلت عبر قرون بين السلطة المركزية والقبائل الصحراوية. وفي هذا السياق، تكتسب البيعة أهمية خاصة؛ فهي ليست مجرد وثيقة تاريخية تستحضر عند الاقتضاء، وإنما تعبير عن تصور مغربي أصيل للسلطة والسيادة، تشكل في سياق تاريخي مختلف عن السياق الذي نشأ فيه مفهوم الدولة الحدودية الحديثة.

رأي محكمة العدل الدولية سنة 1975… بين الاعتراف بروابط البيعة وحدود السيادة الترابية

يشكل السادس عشر من أكتوبر 1975 تاريخا مفصليا في المسار القانوني والسياسي لقضية الصحراء الغربية. ففي ذلك اليوم أصدرت محكمة العدل الدولية بلاهاي رأيها الاستشاري، استجابة لطلب الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 3292 (الدورة التاسعة والعشرون)، بشأن الوضع القانوني للإقليم قبيل خضوعه للاستعمار الإسباني. وقد انصب الرأي على مسألتين جوهريتين: هل كان إقليم الصحراء الغربية أرضاً خلاء لا مالك لها عند بدء الاستعمار الإسباني سنة 1884؟ وهل كانت تربطه بالمملكة المغربية وبالمجموعة الموريتانية روابط قانونية من شأنها أن تؤثر في تحديد وضعه؟

في المسألة الأولى، كان جواب المحكمة واضحا: لم يكن الإقليم أرضا بلا صاحب. فقد كانت تقطنه جماعات بشرية منظمة في قبائل، لها زعاماتها وبنياتها الاجتماعية والسلطات التقليدية التي تتولى تمثيلها. أما المسألة الثانية، فقد أقرت المحكمة بوجود روابط قانونية بين السلطان المغربي وبعض القبائل التي كانت تعيش في الإقليم، كما أقرت بوجود روابط تاريخية وثقافية ودينية واجتماعية وعقارية بين المنطقة ومحيطها المغاربي. غير أن المحكمة ميزت، في استنتاجها القانوني، بين وجود روابط البيعة والولاء من جهة، وبين ثبوت السيادة الإقليمية الحصرية وفق معايير القانون الدولي التي اعتمدتها من جهة أخرى. وخلصت إلى أن العناصر المعروضة عليها لم تثبت وجود رابطة سيادة إقليمية مغربية حصرية، أو سيادة موريتانية حصرية، على الإقليم وقت الاستعمار الإسباني، بما يحول دون تطبيق مبدأ تقرير المصير.

وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي ينبغي التوقف عندها: فالمحكمة لم تنفِ الروابط التي استند إليها المغرب، ولم تتجاهل وجود البيعة بين السلطان المغربي وبعض القبائل الصحراوية، وإنما ميزت بين الطبيعة التاريخية والسياسية والدينية لهذه الروابط وبين مدى كفايتها، وفق المفهوم القانوني الدولي للمرحلة، لإثبات سند سيادة إقليمية حصرية. لقد استندت المحكمة إلى وثائق ومراسلات وشهادات وقرائن تاريخية، تضمنت مظاهر الاعتراف بسلطة السلطان المغربي من جانب بعض زعماء القبائل الصحراوية، من خلال تقديم الهدايا، وطلب الحماية، وتلقي التعيينات والتظهيرات السلطانية، فضلا عن مظاهر الولاء السياسي والديني.

وبذلك، فإن القيمة التاريخية والقانونية لرأي سنة 1975 لا تكمن في نتيجة واحدة معزولة عن سياقها، وإنما في إقراره بوجود روابط قانونية تاريخية بين المغرب وبعض القبائل الصحراوية، مع احتفاظه بالتمييز بين هذه الروابط ومفهوم السيادة الإقليمية الحصرية في القانون الدولي. إنها مسألة تتطلب قراءة علمية دقيقة، بعيدا عن التبسيط أو الاجتزاء؛ فالقانون الدولي يشتغل بمفاهيمه الخاصة، بينما تشكلت الدولة المغربية عبر تاريخ طويل من أنماط السلطة والولاء والحماية والامتداد السياسي والديني.

الحسن الثاني وتحول البيعة من مرجعية تاريخية إلى قوة فعل سياسي

لم ينتظر الملك الراحل الحسن الثاني طويلاً للتفاعل مع رأي محكمة العدل الدولية. ففي اليوم نفسه، السادس عشر من أكتوبر 1975، وبعد صدور الرأي الاستشاري بساعات، توجه إلى الشعب المغربي بخطاب تاريخي استثمر فيه ما تضمنه الرأي من إقرار بوجود روابط البيعة بين السلطان المغربي وبعض القبائل الصحراوية. لقد أدرك الحسن الثاني أن المسألة لا تتعلق بمجرد وثيقة قانونية، بل بمرجعية عميقة في بنية الدولة المغربية ووعيها السياسي. ومن هنا، أعاد وضع مفهوم البيعة في قلب المعادلة، مستحضرا دلالاته الدينية والتاريخية والسياسية، ومحوّلا الاعتراف القضائي بوجود روابط الولاء إلى رافعة سياسية ورمزية في الدفاع عن المطالب المغربية.

كانت تلك لحظة فارقة في إدارة الملف؛ إذ لم يتعامل الملك الراحل مع الرأي الاستشاري باعتباره نهاية النقاش، بل باعتباره مدخلا لتفعيل رصيد تاريخي متراكم، وربط الحاضر بمسار تشكل الدولة المغربية عبر القرون. وفي هذا الإطار، أعلن الحسن الثاني عن المسيرة الخضراء، التي ستتحول إلى واحدة من أبرز المحطات في التاريخ السياسي المغربي المعاصر. لقد كانت عبقرية المقاربة الحسنيّة، في جانب منها، كامنة في استحضار مفهوم السيادة كما تجسد في الوعي السياسي المغربي التقليدي، حيث لم تكن الدولة تعرّف دائما بحدود مرسومة على الخرائط، بقدر ما كانت تتحدد أيضا بشبكة من علاقات الولاء والبيعة والحماية والسلطة الدينية والسياسية.

ففي الفضاءات الصحراوية والبدوية، حيث كانت الحدود المادية أقل وضوحا من المجال الذي تتحرك فيه القبائل، كان ارتباط الجماعات بالسلطة المركزية يتجلى من خلال الاعتراف بشرعية السلطان، والاحتكام إليه، وتلقي الحماية والتعيين، وتجديد الولاء له. ومن هذا المنظور، غدت البيعة لدى الحسن الثاني أكثر من ممارسة تقليدية؛ لقد أصبحت لغة سياسية تستحضر بها الدولة جذورها، وتدافع بها عن استمرارية روابطها التاريخية.

البيعة في الفقه السياسي الإسلامي… عقد شرعية ومسؤولية متبادلة

لا يمكن استيعاب المكانة التي تحتلها البيعة في النظام المغربي دون العودة إلى أصولها في الفكر السياسي الإسلامي، ولا سيما ما تناولته كتب الأحكام السلطانية والفقه السياسي من شروط الإمامة ومفهوم الطاعة وأسس انعقاد الولاية. فالبيعة ليست، في تصورها النظري، مجرد إعلان خضوع من طرف المحكومين، ولا تفويضا مطلقا لا تحده مسؤولية. إنها عقد ذو طبيعة دينية وسياسية، يتجسد من خلاله الاعتراف بشرعية الحاكم والتزام الجماعة بمناصرته وطاعته في إطار المرجعية الشرعية، مقابل اطلاعه بمسؤوليات الحكم وحماية المصالح العامة.

وتقوم هذه العلاقة على معادلة متكاملة: التزام بالطاعة والوفاء من جهة، والتزام بإقامة العدل وصيانة الأمن وحماية الدين ورعاية مصالح الرعية من جهة أخرى. فالحاكم، بصفته أميرا للمؤمنين، يتحمل مسؤولية صيانة الجماعة، وضمان الأمن والأمان، وحماية المجال العام، وإقامة العدل، والحفاظ على الثوابت الدينية والروحية للأمة. ومن هنا، فإن البيعة تتجاوز كونها طقسا احتفاليا؛ إنها صيغة تاريخية للتعاقد السياسي، تتداخل فيها الشرعية الدينية مع الاعتراف الجماعي، وتلتقي فيها المسؤولية السياسية بالواجب الأخلاقي والروحي. وفي التجربة المغربية، اكتسب هذا المفهوم خصوصية إضافية، بالنظر إلى ارتباط المؤسسة الملكية بإمارة المؤمنين، وإلى الامتداد التاريخي للسلالة العلوية الشريفة، وإلى الدور الذي اطّلع به العلماء والفقهاء والأعيان في توثيق البيعة وتجديدها.

من الأدارسة إلى العلويين… اثنا عشر قرنا من استمرارية الشرعية

إن البيعة ليست ابتكارا سياسيا حديثا، ولا ممارسة ارتبطت بمرحلة بعينها من تاريخ المغرب. إنها من أقدم المكونات التي ساهمت في بناء الدولة المغربية وتثبيت شرعيتها. وتعود جذورها المؤسسية إلى أواخر القرن الثامن الميلادي، مع قدوم إدريس الأول وتأسيس الدولة الإدريسية حوالي سنة 788م. فقد ارتبط استقرار سلطته، ولا سيما في علاقته بقبائل أوربة الأمازيغية، ببيعة أسهمت في إرساء شرعية سياسية ودينية، ولم يكن تأسيس الدولة مجرد نتيجة للقوة العسكرية أو الغلبة وحدهما. ومنذ تلك اللحظة، توالت مظاهر البيعة وتطورت أشكالها مع تعاقب الدول والسلالات التي حكمت المغرب؛ من المرابطين إلى الموحدين، ومن المرينيين إلى السعديين، وصولا إلى الدولة العلوية.

وعلى امتداد هذه القرون، ظل هذا الميثاق إحدى الركائز التي تربط السلطة المركزية بمختلف مكونات المجتمع، وتمنح الحكم شرعيته في إطار المرجعية الدينية والتاريخية. ولعل ما يميز التجربة المغربية هو قدرتها على المحافظة على هذا الموروث، مع إدماجه في تحولات الدولة الحديثة. فالبيعة لم تختفِ مع الاستقلال، ولم تتوارَ أمام الدستور والمؤسسات، بل استمرت في أداء وظيفة رمزية ومؤسساتية، تربط بين الذاكرة السياسية للمغرب ومتطلبات نظامه الدستوري المعاصر. ومن هنا، فإن استمرارية البيعة لا تعني الجمود، كما أن تحديث المؤسسات لا يستلزم القطيعة مع التاريخ. فالمغرب الذي يعتز بعمقه الحضاري هو نفسه المغرب الذي ينخرط في بناء دولة حديثة، ويعمل على تطوير مؤسساتها، دون التفريط في خصوصياتها التاريخية.

شرعية الملكية المغربية… تلاقي المرجعية الدينية والعقد التاريخي والامتداد الشريف

تقوم الشرعية الملكية في المغرب على أبعاد متكاملة، لا يستقيم فهم أحدها بمعزل عن الآخر. فهي شرعية دينية تستند إلى المرجعية القرآنية والسنة النبوية، وشرعية تعاقدية تتجسد في البيعة، وشرعية تاريخية ونسبية ترتبط بالانتساب الشريف للسلالة العلوية. وتتداخل هذه الأبعاد في صياغة تصور مغربي خاص للملكية، يجعل من المؤسسة الملكية محوراً لاستمرارية الدولة ووحدتها، ومرجعا رمزيا وروحيا يتجاوز حدود الوظيفة السياسية التقليدية. لقد استطاع الملك الحسن الثاني أن يرسخ هذه الأبعاد في بنية النظام السياسي المغربي، من خلال الجمع بين صفته أميرا للمؤمنين، وممثلا أسمى للأمة، ورمزاً لوحدتها واستمرارها.

وقد عبّر عن هذه الرؤية في رسالته إلى الأمة بمناسبة إقرار أول دستور للمملكة، في السابع من دجنبر 1962، حين أكد أن المغرب جدد ثقته في الملكية باعتبارها رمزا لوحدة الأمة وعظمتها، وجعل منها ضامنا لمستقبله باسم ماضيه. إن هذه العبارة تختزل فلسفة سياسية كاملة: الماضي ليس عبئا على المستقبل، بل أحد مصادر شرعيته؛ والملكية ليست مجرد مؤسسة تتوارث الحكم، بل ركيزة لاستمرارية الدولة في الوعي السياسي المغربي. ومع اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، استمرت هذه المرجعية، في سياق اتسم بتطلعات جديدة إلى التحديث والإصلاح والانفتاح، دون التخلي عن المرتكزات التاريخية التي تشكل هوية النظام الملكي المغربي. وهكذا، استطاعت المؤسسة الملكية أن تجمع بين صورتين متكاملتين: ملكية متجذرة في التاريخ، وملكية تتطلع إلى المستقبل.

حفلة الولاء…تحول الذاكرة التاريخية إلى مؤسسة حية

تحتل مراسم البيعة وتجديد الولاء مكانة خاصة في الوجدان السياسي المغربي. فهي ليست مجرد مشهد بروتوكولي تتكرر تفاصيله في المناسبات الرسمية، بل تعبير رمزي عن استمرارية المؤسسة الملكية، وعن العلاقة التاريخية التي تجمع العرش بمختلف مكونات الأمة. وقد شهدت هذه المراسم تحولات متعددة عبر التاريخ. ففي السابق، كانت البيعة ترتبط أساسا بحدث تولي السلطان الحكم، وتنجز عند انتقال السلطة من سلطان إلى آخر. غير أن مرحلة ما بعد الاستقلال منحتها بعدا إضافيا، إذ تحولت إلى مناسبة سنوية لتجديد رمزية الارتباط بالعرش، وتعزيز حضور المؤسسة الملكية في الذاكرة الوطنية. وعندما اعتلى الأمير مولاي الحسن العرش في الثالث من مارس 1961، خلفا لوالده الملك محمد الخامس، جرت مراسم البيعة في ظروف سياسية خاصة، ولم تحظَ آنذاك بالمظاهر الاحتفالية التي ستكتسبها لاحقا.

وقد تولى عبد الخالق الطريس، وزير العدل آنذاك، صياغة وثيقة البيعة التي أعلنت تنصيب مولاي الحسن ملكا على المغرب تحت اسم الحسن الثاني، المعروف في الصيغة الملكية باسم الحسن الثاني. ثم جرى توثيق البيعة وتوقيعها من طرف أعضاء الأسرة الملكية، والشرفاء العلويين بمختلف المدن، وأعضاء الحكومة، ومجالس العلماء. ومع مرور السنوات، اتخذت مراسم الولاء أبعادا أكثر رسوخا، وأصبحت جزءاً من الاحتفالات الرسمية المرتبطة بعيد العرش. وفي الثالث والعشرين من يوليوز 1999، اعتلى الأمير سيدي محمد العرش عقب وفاة والده الملك الحسن الثاني، وتلقى البيعة وفق الأصول والتقاليد المعمول بها. وقد أكد البلاغ الرسمي آنذاك استمرارية البيعة الموروثة عن الأجداد، في إشارة واضحة إلى أن انتقال العرش لا يمثل انقطاعاً في تاريخ الدولة، وإنما حلقة جديدة في سلسلة متصلة من الشرعية.

لقد حرص الملك محمد السادس، رغم ما ارتبط بعهده من صورة التحديث والانفتاح وتجديد أساليب الحكم، على صيانة هذا الموروث. فالتحديث في التجربة المغربية لم يُطرح بوصفه قطيعة مع الذاكرة، بل باعتباره تطويرا لمؤسسات الدولة مع المحافظة على ركائز هويتها. وقد حملت مراسم بيعة الملك محمد السادس دلالات خاصة، من بينها حضور امرأتين من عضوات الحكومة ضمن الموقعين على وثيقة البيعة، في سابقة بارزة في الممارسة الاحتفالية المعاصرة، واستحضارا لما ورد في التراث الإسلامي بشأن مشاركة النساء في بيعة العقبة الثانية، وإن كانت هذه المشاركة قد غابت لاحقا عن كثير من المراسم التقليدية.

وتجسد مراسم الولاء، في بعدها الرمزي، فكرة أن البيعة لا تنعقد إلا لإمام واحد، بما يعزز وحدة المرجعية السياسية والدينية، ويقطع الطريق أمام تعدد مراكز الشرعية المتنافسة. كما أن للوثيقة المكتوبة تاريخا خاصا في المغرب؛ فقد كان العلماء والفقهاء يتولون تحرير نصوص البيعة، ويوقعها ممثلو الجماعة وأعيانها، وتوثق أحيانا بواسطة العدول. ونظرا إلى مكانتها الدينية والرمزية، كانت بعض هذه الوثائق تحفظ أو تعرض في أماكن ذات حرمة، من قبيل المساجد الكبرى والأضرحة والمقامات الدينية. ومنذ سنة 1962، أخذت مراسم تجديد الولاء طابعا سنويا منتظما، تزامنا مع إقرار أول دستور حديث للمملكة. وأصبحت المناسبة جزءا من تقاليد عيد العرش الذي يحتفل به المغرب في الثلاثين من يوليوز من كل سنة. إنها صورة من صور التوازن المغربي بين الدولة الحديثة وموروثها السياسي؛ فالمؤسسات تتطور، لكن الذاكرة لا تمحى، والطقوس تتغير تفاصيلها، لكن الدلالة المركزية تظل قائمة.

البيعة والقبائل الصحراوية… من روابط الولاء التاريخية إلى تجليات الارتباط بالعرش

تتخذ البيعة أهمية خاصة في سياق العلاقات التاريخية بين الدولة المغربية والقبائل الصحراوية، حيث شكلت إحدى المرجعيات التي استند إليها المغرب في تأكيد عمق ارتباط هذه القبائل بالعرش العلوي. ولم تكن هذه الروابط مجرد علاقات عاطفية أو انتماءات رمزية، بل تجلت، وفق الوثائق والروايات التاريخية التي يستند إليها المغرب، في أشكال متعددة من الاعتراف بالسلطة السلطانية، وطلب الحماية، وتلقي التعيينات، وتجديد الولاء، والتعاون في تدبير الشؤون الدينية والسياسية والأمنية. ومن أبرز المحطات التي استحضرتها الدولة المغربية في هذا السياق بيعة وادي الذهب في الرابع عشر من غشت 1979. فبعد انسحاب موريتانيا من المنطقة، في أعقاب اتفاق السلام الذي وقعته مع جبهة البوليساريو بالجزائر في الخامس من غشت 1979، وجد المغرب نفسه أمام تحول ميداني وسياسي جديد في المنطقة.

وفي خضم تلك التطورات، اتجهت الرباط إلى تأكيد روابطها التاريخية مع المنطقة، واستحضرت البيعة باعتبارها إحدى المرجعيات التي تؤطر علاقة القبائل الصحراوية بالعرش العلوي. وفي الرابع عشر من غشت 1979، شهد القصر الملكي مراسم بيعة وادي الذهب، حيث قدم وفد من أعيان المنطقة ووجهائها وعلمائها ورؤساء قبائلها لتجديد الولاء للملك الحسن الثاني، بقيادة خطري ولد سيدي سعيد الجماني. وكان الجماني شخصية ذات مكانة قبلية وسياسية معتبرة، إذ تولى رئاسة الجماعة، وهي هيئة استشارية ضمت أعيانا وزعماء قبائل صحراوية خلال فترة الوجود الإسباني، كما ارتبط اسمه بقبيلة الرقيبات، إحدى أبرز المكونات القبلية في المنطقة. وقد قاد وفدا من أعيان وادي الذهب إلى الرباط لتقديم البيعة رسميا، في مشهد اعتبره المغرب تجسيدا لعودة روابط الولاء التاريخية إلى الواجهة، وتعزيزا لموقفه السياسي في المنطقة.

وعقب هذه المحطة، أدرجت وادي الذهب ضمن التقسيم الإداري المغربي باعتبارها إقليما جديدا، في سياق التطورات التي أعقبت الانسحاب الموريتاني واستمرار مسار إنهاء الوجود الاستعماري الإسباني. وفي مارس 1980، قام الملك الحسن الثاني بزيارة إلى الداخلة، في خطوة ذات دلالة سياسية ورمزية، هدفت إلى تأكيد الحضور المغربي في المنطقة وترسيخ الارتباط المؤسساتي بها. واستمر خطَرَيْ ولد سيدي سعيد الجماني في أداء دور سياسي واجتماعي، وأصبح عضواً في البرلمان المغربي، وظل من الشخصيات التي اضطلعت بدور الوساطة والتمثيل القبلي إلى حين وفاته سنة 1993. ويحيي المغرب في الرابع عشر من غشت من كل سنة ذكرى استرجاع وادي الذهب، باعتبارها محطة أساسية في مسار تأكيد وحدته الترابية كما يراها.

ولا تنفصل هذه المحطة عن بيعة سابقة ذات دلالة سياسية بارزة؛ ففي الثالث من نونبر 1975، أي قبل ثلاثة أيام من انطلاق المسيرة الخضراء، قدم خطَرَيْ ولد سيدي سعيد الجماني بيعته للملك الحسن الثاني بمدينة أكادير، باسم عدد من أعيان القبائل الصحراوية. وقد جرى الإعلان الرسمي عن هذا الحدث وبثه في الخامس من نونبر، ليصبح أحد أبرز المشاهد السياسية التي استند إليها المغرب في إبراز روابط الولاء التاريخية بين القبائل الصحراوية والعرش العلوي. لقد اكتسبت هذه البيعة أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ جاءت في مرحلة دقيقة من تاريخ القضية، قبيل انطلاق المسيرة الخضراء وتوقيع اتفاقيات مدريد، وشكلت، في الخطاب السياسي المغربي، تعبيرا عن المساندة القبلية والتاريخية للموقف الوطني.

امتداد البيعة في الصحراء عبر الدول المغربية المتعاقبة

إن حضور البيعة في المجال الصحراوي لم يبدأ في القرن العشرين، ولم يرتبط حصرا بمرحلة استرجاع الصحراء. فالتاريخ المغربي يسجل محطات متعددة تجلت فيها علاقات الولاء والارتباط السياسي والديني بين السلطة المركزية ومكونات المجال الصحراوي. ففي سنة 1054، خلال المرحلة المرابطية، ارتبطت حركة عبد الله بن ياسين ببيعة قبائل صنهاجة الصحراوية، في سياق تشكل مشروع سياسي وديني واسع امتد أثره إلى أجزاء كبيرة من المغرب والمجال المغاربي والأندلس. ومع الدولة السعدية، اتخذت علاقات النفوذ والولاء امتدادا نحو المجالات الصحراوية وإفريقيا جنوب الصحراء. ففي عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي، بين سنتي 1584 و1591، تعزز حضور الدولة السعدية في اتجاه حوض النيجر، وشهدت مناطق من تمبكتو وغاو مظاهر ارتباط سياسي وإداري بالسلطة السعدية، في سياق التوسع الذي عرفته الدولة آنذاك.

أما في عهد السلطان مولاي إسماعيل، الممتد من 1672 إلى 1727، فقد استمرت العلاقات مع قبائل صحراوية متعددة، من بينها الرقيبات والتكنة وأولاد دليم والتجكانت، في إطار تجديد الولاء وتعزيز النفوذ وتعيين القياد، فضلا عن تحركات سلطانية باتجاه المجالات الصحراوية، ومنها شنقيط. وخلال القرن التاسع عشر، اتخذت هذه العلاقات أشكالا أكثر انتظاما وتوثيقا. ففي سنة 1879، ارتبط عهد السلطان مولاي الحسن الأول بتجديد روابط البيعة مع قبائل في المجال الصحراوي والأطلسي، ولا سيما في مناطق وادي نون والساقية الحمراء ووادي الذهب. وبين سنتي 1882 و1886، قام السلطان برحلات نحو جنوب المملكة، شملت مناطق من قبيل كلميم وسوس، وعمل على تعيين القياد والباشوات، وتدعيم حضور السلطة المركزية، في مواجهة الأطماع الاستعمارية الأوروبية، ولا سيما الإسبانية والبريطانية. وفي سنة 1898، تعززت العلاقات بين الدولة العلوية والمجال الصحراوي من خلال التحالف الذي عقده السلطان مولاي عبد العزيز مع الشيخ ماء العينين، العالم والمقاوم الصحراوي ومؤسس مدينة السمارة. وقد حظي الشيخ بدعم مادي من السلطان، كما أُرسل حرفيون من فاس للمساهمة في تشييد المدينة، بما جعل السمارة رمزا من رموز الامتداد الديني والعمراني والسياسي للدولة المغربية في الصحراء.

أما خلال القرن العشرين، فقد اتخذت مظاهر الولاء والمقاومة بعدا جديدا في مواجهة الاستعمار الفرنسي والإسباني. فمن سنة 1906، ولا سيما في سياق معركة النعيلة، إلى سنة 1934، ظلت قبائل صحراوية ترسل وفودها إلى السلاطين، ومنهم مولاي عبد الحفيظ ومولاي يوسف، لتجديد البيعة وطلب السلاح والدعم لمواجهة الاحتلال. وقد تداخلت في هذه المرحلة مقاومة القبائل الصحراوية مع مقاومة قبائل شمال المغرب وجنوبه، في صورة تعكس تشابك الروابط الوطنية والدينية والمجتمعية في مواجهة التوسع الاستعماري. وتبرز محطة الخامس والعشرين من فبراير 1958 باعتبارها من المحطات المهمة في هذا المسار؛ ففي ذلك اليوم، استقبل الملك محمد الخامس وفودا وأعيانا من القبائل الصحراوية بمنطقة المحاميد الغزلان، وجددوا التعبير عن ولائهم للعرش المغربي بعد استقلال المملكة سنة 1956. وقد اكتسب الخطاب التاريخي لمحمد الخامس في محاميد الغزلان مكانة بارزة في الذاكرة الوطنية، وظل الملك الحسن الثاني يستحضره باعتباره محطة ذات دلالة في مسار استكمال الوحدة الترابية كما تصورها الدولة المغربية. وهكذا، فإن التاريخ الذي يستحضره المغرب في قضية الصحراء لا يبدأ مع المسيرة الخضراء، بل يمتد إلى قرون من العلاقات السياسية والدينية والقبلية التي تشكلت بين الدولة ومجالاتها الصحراوية.

المسيرة الخضراء… من التعبئة الوطنية إلى التحول التاريخي

إذا كانت البيعة قد شكلت أحد أعمدة الشرعية التاريخية والسياسية في التجربة المغربية، فإن المسيرة الخضراء جسدت انتقال هذه الشرعية إلى فعل وطني جماعي غير مسبوق. ففي الخامس من نونبر 1975، وجه الملك الحسن الثاني خطابه التاريخي إلى المتطوعين، معلنا انطلاق المسيرة نحو الصحراء، ومخاطبا المشاركين بعبارات ظلت راسخة في الذاكرة المغربية: «غدا ستجتازون الحدود، وغدا ستنطلقون في مسيرتكم، وغدا ستطؤون أرضا هي أرضكم». وفي السادس من نونبر 1975، انطلقت المسيرة بمشاركة 350 ألف متطوع ومتطوعة من المدنيين المغاربة، حملوا المصاحف والأعلام الوطنية، وعبروا الحدود التي رسمها الاستعمار الإسباني.

لقد كانت المسيرة حدثا استثنائيا في التاريخ السياسي المعاصر، من حيث حجم التعبئة الشعبية وطبيعة الوسيلة التي اختارها المغرب للتعبير عن موقفه. فقد جمعت بين الرمز الديني والوطني، وبين القيادة الملكية والتعبئة الجماهيرية، وحولت قضية الصحراء إلى قضية وطنية جامعة. ولم تكن دلالتها مقتصرة على الحشد الشعبي، بل امتدت إلى المسار الدبلوماسي الذي أعقبها. ففي الرابع عشر من نونبر 1975، وقعت اتفاقيات مدريد بين المغرب وموريتانيا وإسبانيا، لتنظيم إنهاء الوجود الإسباني وترتيبات الإدارة في المرحلة الانتقالية. وقد أصبح السادس من نونبر مناسبة وطنية سنوية، تستحضر فيها المملكة ذكرى المسيرة الخضراء باعتبارها إحدى أبرز لحظات التعبئة والوحدة الوطنية في تاريخها الحديث. إن قوة هذه المحطة تكمن في التقاء ثلاثة عناصر: القيادة السياسية، والذاكرة التاريخية، والإرادة الشعبية. وهي العناصر نفسها التي يستحضرها المغرب في مقاربته الراهنة لقضية الصحراء.

ثلاثون أكتوبر 2026… تحولات مجلس الأمن ورهانات المرحلة الأممية الجديدة

في الثلاثين من أكتوبر 2026، دخل الملف الأممي للصحراء الغربية مرحلة دبلوماسية جديدة، وفق المعطيات التي يتناولها بلاغ الديوان الملكي والقرارات المرتبطة بمناقشات مجلس الأمن. فقد شهد المجلس طرح مشروعين متنافسين بشأن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة اختصارا باسم «المينورسو». وحصل المشروع الأمريكي على أحد عشر صوتاً مؤيداً، غير أن استخدام روسيا حق النقض حال دون اعتماده. وفي المقابل، لم يحظ المشروع الروسي إلا بثلاثة أصوات مؤيدة، في حين كان إقراره يتطلب تسعة أصوات على الأقل. وهكذا، لم يتمكن أي من المشروعين من الحصول على الموافقة اللازمة، وانتهى المسار دون تجديد ولاية بعثة المينورسو التي كان من المقرر أن تنتهي في الحادي والثلاثين من أكتوبر 2026.

وقد اعتبر المغرب هذا التطور تحولا مهما في مسار التعاطي الدولي مع القضية، ورأى فيه فرصة لإعادة النظر في الإطار الذي ظلت تدار من خلاله القضية الأممية طوال العقود الماضية. وفي هذا السياق، حمل بلاغ الديوان الملكي دلالات سياسية تتصل بتوجه المملكة نحو مرحلة جديدة، تقوم على تثبيت المكتسبات الدبلوماسية، وتعزيز الإجماع الوطني، وإعادة طرح مقترح الحكم الذاتي باعتباره أساسا للحل السياسي الذي يدافع عنه المغرب. كما أشار البلاغ إلى أن انتهاء ولاية المينورسو ينبغي أن تترتب عليه مرحلة جديدة بشأن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، بما يشمل عناصرها وتجهيزاتها وآليات حضورها الميداني، وفق المسار الذي أعلن عنه الموقف المغربي.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين انتهاء الولاية الأممية وبين الانسحاب المادي الفعلي للبعثة؛ فالأمران ليسا مترادفين بالضرورة، كما أن ترتيبات إنهاء الوجود الميداني تحتاج إلى مسار إجرائي وقرارات ذات صلة. ومن ثم، فإن الأهمية السياسية لهذا التطور لا تكمن في افتراض أن جميع مظاهر الحضور الأممي قد انتهت تلقائيا، وإنما في ما يفتحه من نقاش حول مستقبل آليات تدبير الملف، وطبيعة الإطار الدولي الذي سيواكب المرحلة المقبلة. والمغرب، وهو يؤكد تمسكه بمبادئ الأمم المتحدة والتعاون الدولي، يعلن في الوقت نفسه تشبثه بمواقفه الثابتة، وحرصه على صون الاستقرار واحترام وقف إطلاق النار، وتغليب منطق المسؤولية والحوار على منطق التصعيد. كما يواصل الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها، وفق رؤيته، أرضية جدية وذات مصداقية لتسوية سياسية نهائية، تضمن الاستقرار وتفتح آفاق التنمية والاندماج. إن الانتقال من تدبير النزاع إلى السعي نحو إعادة تشكيل معادلاته ليس مجرد تغيير في الخطاب، بل هو رهان دبلوماسي يتطلب الجمع بين القوة القانونية والرصيد التاريخي والقدرة على بناء التوافقات الدولية.

عيد الوحدة… استحضار الإجماع الوطني في أفق المستقبل

في سياق هذه التطورات، يكتسب إعلان الثلاثين من أكتوبر عيدا للوحدة الوطنية دلالة رمزية وسياسية خاصة. فالمناسبة، وفق ما أُعلن بشأنها، تروم تكريس وحدة المغاربة حول العرش، وتأكيد التلاحم الوطني في الدفاع عن القضية التي يعتبرها المغرب قضيته الوطنية الأولى. إن وحدة الدولة لا تُختزل في وحدة المجال الجغرافي، كما لا تقتصر على وحدة المؤسسات؛ إنها، في التجربة المغربية، رابطة تاريخية وروحية وسياسية تتجدد عبر الأجيال، وتتغذى من الذاكرة المشتركة ومن رمزية المؤسسة الملكية.

ومنذ رأي محكمة العدل الدولية سنة 1975، مرورا بخطاب الحسن الثاني وإطلاق المسيرة الخضراء، وصولا إلى التحولات الدبلوماسية الراهنة، ظلت قضية الصحراء حاضرة في صلب الإجماع الوطني المغربي. لقد تحولت إلى عنصر مركزي في الوعي السياسي للمجتمع، وإلى عنوان لوحدة الموقف بين الدولة ومختلف مكونات الشعب، وإلى مجال تتقاطع فيه الشرعية التاريخية مع متطلبات القانون الدولي ومقتضيات العمل الدبلوماسي. ولعل الرهان الأكبر اليوم يتمثل في تحويل هذا الإجماع إلى قوة اقتراحية ودبلوماسية، قادرة على استثمار التحولات الدولية، وتقديم رؤية سياسية متماسكة، تجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل.

البيعة كقوة تاريخية في صناعة المستقبل

إن البيعة المغربية ليست أثرا متحفيا محفوظا في خزائن التاريخ، ولا مجرد طقس يستعاد في المناسبات الرسمية؛ إنها إحدى العلامات الفارقة في تطور الدولة المغربية، وأحد المفاتيح الضرورية لفهم طبيعة الشرعية التي قامت عليها المؤسسة الملكية واستمرت بها عبر القرون. لقد ربطت البيعة بين الدين والسياسة، وبين الحاكم والجماعة، وبين السلطة المركزية والقبائل، وأرست نمطا من العلاقات التي لم تكن الحدود الجغرافية الحديثة وحدها قادرة على التعبير عن كامل أبعادها. ومن الدولة الإدريسية إلى الدولة العلوية، ظلت هذه الممارسة حاضرة، وإن اختلفت صيغها وأشكالها ومجالات تطبيقها، لتصبح إحدى ركائز الاستمرارية السياسية في المغرب.

وقد أدرك الحسن الثاني أهمية هذه المرجعية حين استحضرها في سياق قضية الصحراء سنة 1975، وحين جعل من الروابط التاريخية ومن مفهوم البيعة رافدا أساسيا في خطابه السياسي، بالتوازي مع إطلاق المسيرة الخضراء. كما حافظ الملك محمد السادس على هذا الموروث، في إطار رؤية ملكية تجمع بين صيانة الثوابت وتحديث المؤسسات، وبين المحافظة على الخصوصية التاريخية والانخراط في التحولات المعاصرة. إن المغرب لا يطرح ماضيه بديلاً عن الحاضر، ولا يجعل من التاريخ قيدا على المستقبل؛ بل يستحضر ذاكرته باعتبارها مصدرا لفهم ذاته، ومرجعية لصياغة اختياراته، ورافعة لتعزيز حضوره في محيطه الإقليمي والدولي.

وهنا تتجلى خصوصية التجربة المغربية: دولة لا تتنكر لجذورها وهي تتطلع إلى المستقبل، وملكية تستمد جانبا من قوتها الرمزية من عمقها التاريخي، ومجتمع يجد في استمرارية مؤسساته أحد عناصر تماسكه الوطني. فالبيعة، في نهاية المطاف، ليست فقط ما يربط الماضي بالحاضر؛ إنها أيضا ما يكشف عن قدرة الدولة على تجديد شرعيتها، واستيعاب تحولات الزمن، وصون وحدة مؤسساتها ومرجعياتها. إنها ذاكرة دولة، وعقد استمرارية، ورمز هوية سياسية تشكلت عبر اثني عشر قرنا وأكثر. ومن يعرف تاريخ المغرب يدرك أن سر استمراريته لا يكمن في بقائه أسير الماضي، بل في قدرته على تحويل الماضي إلى رصيد للمستقبل؛ فلا حداثة بلا وعي بالجذور، ولا استقرار بلا مؤسسات راسخة، ولا مشروع وطني متماسك من دون ذاكرة جامعة. وهكذا تظل البيعة، في التجربة المغربية، أكثر من عهد يُجدَّد، وأكثر من مراسم تقام؛ إنها تعبير عن دولة تعرف من أين جاءت، وتدرك ما تريد أن تكون عليه، وتؤمن بأن المستقبل لا يبنى بإنكار التاريخ، بل بحسن قراءته واستثمار دروسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *