في المغرب، لم يعد الحديث عن المحيط الطبيعي مجرد رفاهية فكرية أو «إكسسوار» سياسي، بل أصبح قضية وجودية ترتبط مباشرة بقدرة الإنسان على البقاء في محيطه، وصون الموارد الطبيعية، وضمان استدامة التنمية للأجيال القادمة. ومع ذلك، يكشف المشهد الراهن مفارقة صارخة: أجهزة تنفيذية منشغلة بالخطط، قوى سياسية ضعيفة، وقطاع مجتمعي يجد نفسه وحيدًا في مواجهة تحديات جسيمة.
تمتلك الحكومة المغربية القوة التنفيذية، لكنها تبدو مشلولة إيكولوجيًا. فرغم الصورة المشرقة للمغرب في محافل «الدبلوماسية البيئية» الدولية، يكشف الواقع المحلي فجوة عميقة؛ فالرفوف ممتلئة بالاستراتيجيات والمخططات الخضراء الرنانة، بينما تستمر المقالع في الاستنزاف الجائر، تُهدر الموارد المائية، ويستمر الزحف العمراني في التهام الرئة الخضراء للمدن، من دون رقابة حقيقية أو إجراءات زجر فعالة.
البيئة الطبيعية ما زالت ملفًا ثانويًا يُستدعى لتجميل منابرهم الانتخابية، بينما تُعطى الأولوية لمنطق الربح السريع، مما كرس غياب «العدالة المجالية»؛ حيث تدفع المناطق الهشة ثمن التلوث والاستنزاف دون أن تنال نصيبها من التنمية.
ومن حيث القوى السياسية، لا يقل الوضع سوءًا. تحمل التنظيمات الحزبية مسؤولية أخلاقية وسياسية في الدفاع عن النظام الإيكولوجي، لكن الواقع يظهر عجزها عن التحول إلى قوة اقتراحية ملموسة:
- حزب الخضر المغربي: الذي أثار تفاؤلًا في 2025 بقيادة عزيز بن عزوز، سرعان ما انغمس في صراعات وانشقاقات داخلية أجهضت مشروعه البيئي في المهد.
- حزب البيئة والتنمية المستدامة: يسعى اليوم لبناء فروع ومنظمات موازية للشباب والنساء، محاولًا حجز مكان في الخارطة السياسية. لكن السؤال يبقى: هل ستتحول هذه الهياكل إلى فاعل مؤثر في القرار العمومي، أم ستظل حبيسة ثقافة «الدكاكين السياسية» التي ترفع الشعارات كواجهة انتخابية فقط؟
وبغض النظر عن ضعف القوى السياسية، يبقى الأمل في التغيير عبر التربية والوعي البيئي. الرهان على البعد البيئي في الجانب التعليمي والتثقيفي هو المدخل لزرع وعي اقتصادي واجتماعي جديد يقود إلى:
- تطوير الزراعات المعيشية: عبر تعاونيات قوية تنتج موادًا غذائية طبيعية وصحية، تقلل الاعتماد على الاستيراد وتدعم الأمن الغذائي المحلي.
- إحياء الصناعات التحويلية الطبيعية: استغلال الصوف والجلود في منسوجات وصناعات تقليدية مستدامة. هذا النموذج يضمن صحة أفضل للمواطنين، ويوفر فرص شغل مستدامة في القرى، ويحد من النزوح نحو المدن ويخفف من حدة الاكتظاظ والقلاقل الاجتماعية.
ولا تقتصر الأبعاد البيئية على الاقتصاد والزراعة، بل تمتد لتشمل التراث والثقافة. الحفاظ على المحيط الطبيعي هو في الوقت نفسه حماية للتراث المغربي: الزربية، الجلابة، الفخار، وأطباقنا التقليدية مثل «فتات الشطبة»، كلها ممارسات مستدامة تحترم الدورة البيولوجية للنبات والحيوان، وتكفل الأمن الغذائي والصحي.
فالعودة إلى هذه القيم ليست مجرد حنين للماضي، بل استثمار ذكي يدمج التراث بالمستقبل، حيث تتحول الموروثات الثقافية إلى أدوات تنمية مستدامة تحمي كرامة المواطن وبيئته.
وبين النظرية والتطبيق، تتجسد المشاريع المجتمعية في جهود فعلية تلامس حياة المواطنين. في غياب إرادة سياسية قوية، يبرز القطاع الجمعوي كحائط صد وحيد. تجارب جادة مثل جمعية الرحامنة للبيئة والتنمية المستدامة جسدت مفهوم «الفعل الترابي» بمشاريع واقعية تلامس احتياجات الساكنة، لكنها اصطدمت بتجاهل إداري يعكس ضعف الدعم الرسمي للعمل المدني الجاد.
رغم ذلك، تواصل هذه المشاريع إشعاعها، وتشكل نموذجًا يُحتذى على المستوى المحلي والجهوي، وتؤكد أن الفاعل المجتمعي قادر على إحداث فرق إذا ما أحاطته إرادة حقيقية ودعم مستدام.
وفي ظل هذه المعطيات، تصبح الدعوة للعمل البيئي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. حماية المحيط الطبيعي هي حماية للإنسان وللأمن القومي الحقيقي. المشهد الحالي يعكس أزمة بنيوية: تنفيذ ضعيف، قوى سياسية عاجزة، وجهود مجتمعية صامدة لكنها معزولة.
إن الأيام القادمة لن تقبل بالجمود؛ فإما أن تتحرك الأحزاب البيئية والمبادرات المجتمعية نحو فعل ملموس يفرض قوة القانون فوق قانون القوة، أو ستظل الأجيال القادمة تدفع ثمن هذا الإهمال. وبين الحاضر والمستقبل، يبقى القطاع المدني شعلة الأمل التي قد تصنع الفارق، إذا ما أحاطته إرادة حقيقية ودعم مستدام.
